حدود الفصل مع الآخر عند اليمين الفرنسي

الخميس 2015/01/22
أوروبا تغلق حدودها وتضاعف الحواجز مع الآخر

إن ممارسات صحيفة شارلي إيبدو المستهجنة ضد الإسلام ورسوله محمد(ص) لم تولد من الفراغ ولا تمثل “شطحة” فرد واحد أو مجموعة معزولة فقط بل هي إفراز تاريخ معقد وقديم – جديد حافل بالمواقف العدائية لجزء كبير من مثقفي وسياسي ومواطني أوروبا تجاه الآخر المسلم وعقيدته، وتراثه الثقافي، وفضائه الجغرافي الذي تعرض مرارا للاحتلال والغزو.

إن هذا التاريخ لا يزال يفرّخ تعقيدات كثيرة حالت في الماضي، وتحول في الحاضر، دون صنع علاقات الحوار الحضاري المتمدن في ظل التعاون والتسامح والفهم المتبادل واحترام الاختلافات الثقافية والدينية. وبالمقابل هناك شريحة من مواطنين ومثقفين وسياسيي أوروبا الأخرى الذين ينشدون هذا الحوار الحضاري بين القطب الأوروبي / الغربي، وبين القطب الإسلامي.

في هذا السياق اهتمت جريدة الغارديان البريطانية هذا الأسبوع بحدث شارلي إيبدو وخصصت له عدة مقالات تحليلية منها مقالة الكاتب ستيف بول التي دعا فيها إلى العمل بوصايا المفكر الفرنسي فولتير التي تضمنها كتابه المكرس للتسامح الديني.

وفضلا عن هذا فقد نوّه كاتب جريدة الغارديان بمبادرة دار غاليمار الفرنسية للنشر التي طبعت منذ أيام قليلة 10 آلاف نسخة من كتاب فولتير عن التسامح الديني، وقامت بالترويج له في فرنسا قصد استقطاب القراء الفرنسيين ولفت انتباههم إلى تراث فولتير التنويري والمتسامح وتشجيعهم على العمل به وبالشعار الذي هو من نحت كاتبة سيرته الذاتية الإنكليزية بياتريس هول والمنسوب له خطأ وهو:” أختلف مع ما تقوله ولكنني سأدافع حتى الموت عن حقك في أن تقوله”.

في هذا السياق تناول المفكر الفرنسي آتيان باليبار في كتاب “السياسة والمشهد الآخر” علاقة أوروبا بالآخرين بشكل عام، وبمشكلة العنصرية والحدود والهوية والمواطنة والعنف ومفهوم الكونية. في هذا الكتاب يدعو باليبار إلى وضع حد للتطرف اليميني الفرنسي الأوروبي الذي يستهدف المهاجرين وخاصة أبناء الجالية الإسلامية.

كما نرى فإن مفكري أوروبا الأخرى المتسامحة مهتمون بعلاقة أوروبا بالشعوب والثقافات الأخرى، وفي مقدمتها ما يتصل بدول حوض البحر الأبيض المتوسط، وما يدعى في الأدبيات السياسية للاتحاد الأوروبي بدول وشعوب دول جنوب أوروبا، أي شمال أفريقيا تحديدا. حسب قراءة هؤلاء المفكرين والمثقفين للوقائع التاريخية، فإن جزءا معتبرا من أوروبا الغربية المعروفة بالقطب الاستعماري الكلاسيكي في الماضي، وبالرأسمالي العنصري حاليا، هي التي تقيم الحدود وتخترع التبرير لأفعالها، وهي أيضا التي تزيلها عندما تجد ذلك يخدم أفكارها ومصالحها الاقتصادية التوسعية.

الغرب يسعى إلى إعادة ترسيم الفضاء الأوروبي عن طريق تقسيمه إلى عالم الدين الموصوف بالإرهابي وآخر خاصا بالأوروبيين البيض

فأوروبا هي التي قامت بنسف الحدود بينها وبين الدول التي تعرضت لاحتلالها، ما جعل دولة في مقام فرنسا تلجأ إلى الإدعاء بأن معظم البلدان التي احتلتها جيوشها هي جزء من إمبراطوريتها، وإنها تابعة لهويتها الجغرافية واللغوية والاقتصادية دون أن يتزامن ذلك مع الاعتراف بالتمايزات الثقافية الفاصلة بينها وبين تلك المستعمرات.

إن إزالة الحدود في المفهوم الأوروبي الغربي التقليدي أيام الاحتلال لم يكن إلا بهدف ضم أراضي الشعوب ونهب ثرواتها وتعطيل نموها، وها هي الآن في مراحل ما بعد الاحتلال المباشر ترخي السدود والحدود لتمنع الهجرة من الجنوب إلى الشمال، وها هي تخترع الآن المفاهيم مثل مفهوم “الإسلام الفرنسي الليبرالي” و”الإسلام العربي الأرثوذكسي” الغارق في الإرهاب.

إنها بذلك تسعى إلى إعادة ترسيم الفضاء الأوروبي عن طريق تقسيمه إلى عالم الدين الموصوف بالإرهابي المحاصر لعالم الديمقراطية والعقلانية، وبذلك تريد تبرير واقع فضائها المقسم إلى بؤر متخلفة وفقيرة مخصصة للجاليات الأفريقية والآسيوية وغيرها، وإلى عالم متخم اقتصاديا واجتماعيا خاص بالأوروبيين البيض.

هذا الوضع يذكرنا بقول وزير خارجية فرنسا كوشنار الذي جاء فيه أنه يرحب بالمسلمين في فرنسا، ولا يرحب بالإسلام فيها، بمعنى أن تواجد المسلمين كجالية مندمجة ومسلوبة الهوية التاريخية والإثنية، وممتصة ثقافيا، ومستوعبة روحيا ودينيا أمر مقبول على مضض، في حين أن تواجد الإسلام كتمايز وكبعد ثقافي وروحي مستقل في جغرافيا فرنسا ظاهرة مرفوضة عنده، وهكذا فإن تشكلات اليمين المتطرف في فرنسا أو في أوروبا ليست أمرا مستحدثا إنما هي تواصل وتحديث لتقاليد قديمة.

يلاحظ المؤرخ أووين لا تيمور أنه خلافا لما يبدو في الظاهر، فإن الحدود مقامة في أوروبا لتمنع المواطنين من الخروج أكثر مما لتمنع الغرباء من الدخول. إن ملاحظة لا تيمور مهمة ويمكن فهم بنيتها العميقة على أن أوروبا لا تمنع الأوروبي من الذهاب إلى الآخر فقط، بل أنها تمنع أيضا مظاهر التقدم التكنولوجي والثروة الاقتصادية ورؤوس الأموال وأسباب التحديث بكل أشكالها من مغادرة الفضاءات أوروبية الغربية، لتذهب إلى الشرق ليستفيد منها أهله لينهضوا وليتجاوزوا الفقر وأشكال التبعية والتخلف.

فالحدود التي ما فتئت تقيمها أوروبا المتطرفة ليست جغرافية فحسب وإنما هي حدود المعرفة والتكنولوجيا والثروة الاقتصادية وعلم اللسانيات وفقه اللغة والنظريات الأنثروبولوجية التي لم تسلم جميعا من وهم الحدود، لأن هناك تصنيفات حدودية فاصلة وعازلة حتى للغات التي روعي فيها تفضيل لغة الجذر اللغوي الآري على اللغات السامية.

المفكر الفرنسي جان لوك نانسي يطرح سؤالا يشير ضمنيا إلى مشروع الحدود كما يهندس له اليمين الأوروبي المتطرف: “هل ستحقق الدولة الأوروبية الكبرى زوالا للحدود، أم بمسعاها هذا ستعمل بالنتيجة على خلق حدود مع أفريقيا وآسيا”.

13