حدود القطيعة بين مصر وحماس

الخميس 2015/02/12

التطورات السلبية التي تمر بها العلاقة بين مصر وحركة حماس حاليا، دفعت خبراء سياسيين، وأجهزة إعلام عربية وأجنبية، إلى طرح سؤال محوري، يقول هل وصلت العلاقة بين الجانبين لمرحلة القطيعة النهائية؟

الناظر للمشهد الراهن من بعيد، يقول نعم بارتياح، لأن المطبات والعثرات التي مضت فيها العلاقة خلال الأشهر الماضية، تؤدي إلى هذه النتيجة السلبية، فالحركة متّهمة من قبل دوائر مصرية كثيرة بأنها شاركت في بعض أحداث العنف والإرهاب التي وقعت في البلاد، عقب ثورة 25 يناير 2011، سواء التحريض، أو قيام عناصر محسوبة عليها، بأفعال تضر بالأمن القومي المصري، كما أنه أصبح معروفا أن حماس أحد أفرع جماعة الإخوان المسلمين الأم، ومن المنطقي أن يتم تصديق ما يتردد حول تورطها في الإرهاب الذي يضرب في سيناء منذ فترة.

فقد بات من المتداول أمنيا، أن الأنفاق التي تربط بين رفح الواقعة في شمال سيناء، ورفح الفلسطينية الواقعة في جنوب قطاع غزة، أحد أهم شرايين تسريب الأسلحة والإرهابيين إلى سيناء، لذلك أقدم الجيش المصري على هدم نحو ألفي نفق، والشروع في تشييد منطقة عازلة، تضم غالبية المنطقة الحدودية المشتركة، بعمق يصل إلى نحو 1200 متر، وازداد الموقف سوءا، بعد إدراج محكمة مصرية، كتائب عزالدين القسام، الجناح العسكري لحماس، ضمن قوائم المنظمات الإرهابية في مصر، على ذلك تبدو العلاقة دخلت، أو على وشك، الدخول في نفق مسدود، يمكن أن يؤدي إلى قطيعة.

ضاعف من هذا الاحتمال، الطريقة المتشنّجة التي تعاملت بها قيادات في الحركة، مع الحكم القضائي المصري، وادعاء أن هناك رصاصات خرجت من مصر مصوبة نحو أهداف في غزة، في هذه الأجواء أطلقت حماس حناجرها الإعلامية، وبدا كأن هناك سيمفونية يتم عزفها من قبل عناصر داخل غزة وخارجها، جميعها تكيل اتهامات زائفة للقيادة المصرية، واستخدمت فيها أسماء مستعارة، ومن أماكن فلسطينية مختلفة، أقلها من غزة في بعض وسائل الإعلام، للإيحاء أن النظام المصري مرفوض، من جانب قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني.

المراقب للمعزوفة الأخيرة، يشعر أن ثمة تعمّدا للتصعيد ضد مصر، يتزامن مع تطوّرين مهمين، الأول عودة الأصوات والأجساد الإخوانية للظهور في دول عدة، بعد أن خفت صوتها، وبدأ أصحابها يتحركون في بعض العواصم الغربية، وجاء التسخين الذي تقوده حماس بغرض توصيل انطباع بكثافة الضغوط على القاهرة، في محاولة لإرباك تحركاتها الإيجابية داخليا وخارجيا، والتطور الثاني يتعلق باستئناف العنف الذي يتطاير في مظاهرات الإخوان المحدودة، والتفجيرات المتكررة التي أفضت إلى مزيد من الاستنفار في جهاز الأمن، وجاء الهجوم الإعلامي من حماس، لخداع الرأي العام، بأن النظام المصري يعاني مأزقا مزدوجا، ومن ثم تبدو التطورات ذاهبة إلى درجة القطيعة.

لكن الناظر بعمق للعلاقة بين مصر وحماس، يصعب عليه تصديق هذا الاحتمال، لأن السوابق التاريخية، تؤكد أن القاهرة لا تريد الوصول إلى هذه النقطة، حيث فتحت أبوابها، ولا تزال، لعدد كبير من قيادات حماس، في وقت كانت فيه عناصرها تتطاول عليها، ولم تشأ إطلاقا معاملتها بالمثل، وحتى الهجوم الذي شنته الحركة في أوقات مختلفة على القاهرة، لم يتم التعامل معه رسميا بالمثل، وفي النهاية يندرج الحكم القضائي ضد كتائب عزالدين القسام، تحت بند العقاب بالقانون، ومن حق الحركة أن تلجأ لدرجات أخرى من التقاضي، وتثبت براءتها، إذا كانت تملك الجرأة الكافية على المواجهة.

لعل سقوط نظام الإخوان في مصر عقب ثورة 30 يونيو، لم يمنع القاهرة من استقبال قيادات في حماس، سواء من أجل إتمام خطوات المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية، أو لتسهيل مهمة التفاوض بين حماس وإسرائيل، لوقف إطلاق النار على غزة، والذي سلمت الحركة فيه بالمبادرة المصرية، عقب سلسلة من المراوغات والمماطلات والتسويفات والاتهامات، ولم تعاقب مصر الشعب الفلسطيني في غزة، بجريرة تجاوزات حماس، وبذلت جهدا مضنيا، لوقف النار، وتقليل حجم الخسائر، ولفت الانتباه إلى أن هناك ستة معابر فلسطينية مع إسرائيل مغلقة، ويتم تجاهل الحديث عنها، وبدا كأن العقبة فقط في إغلاق وفتح معبر رفح.

الفرق الواضح بين موقف مصر وحماس، أن الأولى تتعامل مع القضية الفلسطينية من وجهة نظر إستراتيجية، بمعنى أنها لا تتوقف عند الأشخاص والتفاصيل الصغيرة، لأن الشغل الشاغل لأي قيادة مصرية، الحد من التدهور، والحفاظ على قدر مرتفع من العافية السياسية للقضية الفلسطينية، ومنع وضعها في خانة القضايا الإنسانية، وهو ما تقود إليه غالبية تصرفات حماس السابقة والراهنة، كما أن النظرة المصرية، تتجاوز حدود هذه الحركة، وتريد إجبار العالم على التعامل مع السلطة الوطنية، لا مع حماس، التي درجت على تغيير ولاءاتها السياسية لحساب جهات، تحاول المتاجرة بالقضية.

هنا تتجلي النظرة الحمساوية (الثانية)، حيث تغلب الحركة مواقفها الأيديولوجية على الإستراتيجية، الأمر الذي دفعها إلى ارتكاب مجموعة كبيرة من الأخطاء، تسببت في مشكلات كبيرة للشعب الفلسطيني، فتقديرات الحركة الضيّقة عطلت المصالحة الفلسطينية، ووقفت حائلا دون إتمام تنفيذ استحقاقات الحكومة الوطنية الجديدة، لأنها تصر على أن تظل حكومة موازية في غزة، وارتكبت من الحماقات السياسية، ما يعزز القول بأن رغبتها في الاستئثار بالسلطة، تفوق عودة الحياة إلى القضية الفلسطينية.

مع كل هذه السلبيات، ترفض القيادة المصرية النزول إلى المستنقع، الذي تريد حماس جرها إليه، لأنه سيقال إن الشقيقة الكبرى، تعاقب المقاومة الفلسطينية، لصالح إسرائيل، التي أصبحت أكثر الرابحين من مناكفات الحركة، سواء مع مصر أو مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ولأن القاهرة تدرك المخاطر التي تنطوي عليها معظم تصرفات حماس، سوف تحافظ على نظرتها الإستراتيجية للقضية، التي كانت واضحة لدى صانع القرار في مصر، بعيدا عن هويته السياسية، وستظل القطيعة حلما في أجندة البعض لن تمنحه مصر لأحد، حتى لو سعت حماس بنفسها إليه.


كاتب مصري

9