حديث الأزمة في خليج الأزمات

الأحد 2014/03/09

في عام 1989، عقد منتدى التنمية الخليجي اجتماعه السنوي المعتاد، وهو منتدى مدني يتكون من مجموعة من المهتمين بالشأن العام في منطقة الخليج ويعقد اجتماعاته دوريا، وكان موضوع الاجتماع هو تقويم مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بعد مرور ثماني سنوات على إنشائه عام 1981. وكان من ضمن الأوراق المقدمة ورقة للكاتب بعنوان “الهدف والإنجاز في تجربة مجلس التعاون”، تضمنها كتاب صدر لاحقا.

وكان مما خلص إليه المنتدى من نتائج هو أن المجلس هشّ في تكوينه، وأنه لم يقم على أسس راسخة قادرة على تحوله إلى اتحاد خليجي مستقبلا إذا استمر على وضعيته تلك، وذلك لأن العامل الرئيس الذي يجمع دول المجلس هو العامل الأمني، أو لنقل الهاجس الأمني، فيما يتعلق بأثر ما يجري في المنطقة والعالم على أمن دول الخليج العربية (الثورة الإيرانية، الغزو السوفيتي لأفغانستان، والحرب العراقية الإيرانية)، وأنه إذا زالت هذه المؤثرات، مع غياب إرادة حقيقية في تحقيق وحدة دول الخليج، فإن المجلس سيجد نفسه بلا رابط قوي حقيقي يكون عمودا فقريا له في النهاية، رغم استفاضة النظام الأساسي للمجلس في الحديث عن التنسيق والتعاون البنّاء في الأمور السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها، وصولا إلى وحدة دول المجلس، كما نصت المادة الرابعة من نظامه الأساسي. وبالتالي فإنه بمجرد زوال التهديد الأمني الخارجي، فإن المصالح الفئوية الضيقة لهذه الدول سوف تكون هي الإسفين الذي لا يمنع وحدتها فقط، ولكن مجرد التعاون على أسس راسخة وثابتة، وكذلك فإن “الحساسيات المفرطة” بين دول المجلس، وخاصة حساسية الصغير منها تجاه الكبير، سوف تُبرز رأسها، وسوف تكون، وقد كانت، أهم عامل لتقويض مسيرة المجلس، خاصة وأن معظم دول المجلس حديثة عهد بالاستقلال وبالتالي فإنها سوف تحاول، وبشتى الوسائل، المبرر منها وغير المبرر، أن تثبت هويتها الخاصة واستقلاليتها والحرص المبالغ فيه على مبدأ السيادة الوطنية، وذلك مثل فتى لتوه يدخل مرحلة الشباب ويحاول بالتالي إثبات رجولته بكافة الطرق، ومن ضمنهــــا التمرد والتعنــت والرفض حتى لأجل الرفض أحيانا.


الكويت ودروس التاريخ


وبالفعل، فبعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، والانحسار النسبي لخطر تصدير الثورة الإيرانية وزخمها، واندحار الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، بدأت دول المجلس في رفع عقيرتها بالغناء كل على ليلاه، وقد كانت الكويت آنذاك هي الدولة الأكثر تمردا وتعاليا وعدم اكتراث في المجلس، على اعتبار أنها كانت تنظر إلى نفسها على أنها الأكثر تطورا ونموا، سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، من كل دول المجلس، ولذلك كانت سياستها الخارجية هي الأكثر نشازا عن السياسة الخارجية لبقية دول المجلس، وإن كانت عُمان غير بعيدة عنها في ذلك الوقت، إلا أن الكويت آنذاك كانت تبحث عن دور سياسي إقليمي ودولي أكبر من حجمها وقدراتها حقيقة، حتى أن البعض من “العيارين” كانوا يسمونها “دولة الكويت العظمى”، وكانت تظن أنها بعيدة كل البعد عن المخاطر الخارجية التي من الممكن أن تثيرها دول جوارها، سواء كان الحديث عن إيران أو العراق أو حتى السعودية، أو “الشقيقة الكبرى”، والتي كان ذات أولئك العيارين يقولون إن المقصود بها هو “المايغرينا” أو الصداع النصفي، في منطقة تلتهب بالمشكلات، ولكن الذي حدث بعد ذلك عام 1990 من غزو عراقي للكويت، بين أن التفكير الاستراتيجي الكويتي آنذاك كان ينقصه الكثير من بعد النظر والحكمة في التعاطي مع أمور كثيرة، خاصة في تقويم علاقاتها مع جيرانها، فقد وضعت الكويت كل بيضها في سلة علاقات دولية أفادتها في أزمتها حقيقة، ولكن دون وجود العمق الاستراتيجي للكويت في الجنوب، ما كان لهذه العلاقات أن تكون بتلك الفاعلية، ففي النهاية لم تجد الكويت عمقاً استراتيجيا لها إلا في السعودية، وهو الأمر الذي ساعد على استمرار الحكومة الشرعية للكويت، والأهم من ذلك أنه ساعد على بناء تحالف دولي بقيادة أميركية لتحرير الكويت في مدة وجيزة.

بعد هذه التجربة المريرة أدركت الكويت المعنى العميق لحكمة “ما حك جلدك مثل ظفرك”، وأنه مهما تعددت سلال البيض، فإن سلة البيض الذاتية يجب أن تكون أهم السلال، ومن هنا أصبحت الكويت من أشد الحريصين على بقاء مجلس التعاون، مهما كان وضعه، وذلك لأنه يشكل بعدها الاستراتيجي الحقيقي، انطلاقا من تجربة حقيقية وليس من مجرد تأملات نظرية، أو تطلعات إقليمية ودولية تتجاوز حجمها وموقعها الحقيقي في سلم القوى، مهما كانت التحالفات والمعاهدات المعقودة مع الآخرين، ولكن السعر الذي دفعته الكويت كان باهظاً للوصول إلى مثل هذه القناعة، ولكنه سعر مبرر إذا استطاعت تجربة الكويت أن تكون درسا للآخرين، ولكن يبدو أن لا أحد يتعلم من دروس التاريخ، طالما بقي التجاهل والنسيان هما آفة الإنسان.


غموض المشهد


ورغم أنه كان من الواضح أن مجلس التعاون، ومنذ سنواته الأولى، كان كيانا هشا، سواء كمنظمة إقليمية أو مشروعا وحدويا، إلا أن مجرد وجوده واستمراره حتى لو كان صوريا، كان يتضمن بعدا رمزيا بوحدة المنطقة، وإعطاء هوية مميزة لها ضمن الهوية العربية الأكبر، والأكثر من ذلك الأمل بأنه وإن كان المجلس هشاً اليوم فإن الغد قد يكون أفضل، وبالتالي فإن وحدة دول المنطقة ممكنة حتى وإن طال الزمان، ومن هنا كان الحرص على بقائه واستمراره رغم كل الظروف، ورغم تبين أنه في الحقيقة ليس له دور كبير، ولا حتى صغير، في تحديد سياسات دوله التي بقيت تتصرف كل على هواها، رغم الاتفاقيات بين دوله، ومؤتمرات القمم ووزراء الخارجية ومن هم دون ذلك، ولكن الوظيفة الرمزية والقيمة المعنوية هي التي كانت تهم المواطن في المنطقة رغم أنه كان طوال الوقت يسمع جعجعة ولا يرى طحناً. خلافات كثيرة وأزمات أكثر نشأت بين دول المجلس، بين السعودية وقطر، أو السعودية والإمارات، أو الإمارات وقطر، أو البحرين وقطر، أو عُمان والإمارات، ورغم ذلك بقي الجميع حريصا على بقاء المجلس، بل واستمرار المجلس رغم كل شيء، وذلك خلاف ما يجري هذه الأيام بين دولة قطر وغالبية دول المجلس من أزمة وخلاف يكاد يدمر المجلس، أو يدق أسفينا من الصعب نزعه فيما لو عاد الوئام الحذر بين أعضاء المجلس من جديد. نصف أعضاء المجلس، السعودية والإمارات والبحرين، قاموا بسحب سفرائهم من الدوحة كخطوة عملية لإعلان الغضب، فيما الكويت غاضبة ولكنها متريثة من أجل لعب دور الوسيط، أما عُمان فهي بعيدة عن المجلس من الأساس بعد الإبهام عن سائر أصابع الكف الواحدة، ولا أظن أني أجازف بالقول إنها لم تنضم إلى المجلس إلا مجاملة أو لتأكيد هويتها كدولة من دول خليج العرب ليس إلا، وعلى أية حال أهل عُمان أدرى بشعابها.

أن تسحب السعودية، التي تشكل وحدها ما يُقارب 75 بالمئة من مساحة وسكان دول المجلس، ودولة الإمارات ومملكة البحرين سفراءها من دولة قطر مؤشر على أن الأزمة خطيرة والمشكلة ملتهبة أكثر مما نتصور أو يُصور. فدول مجلس التعاون عموماً يؤثر عنها التريث في اتخاذ قرارات حاسمة وحادة مثل هذه في سياستها الخارجية، ومع دول لا تربطها بها تلك الوشائج التي تربطها ببعضها البعض، وكانت الدبلوماسية الهادئة وقنواتها هي الأسلوب المفضل لها حتى آخر قطرة، فما الذي حدث مع شقيقة مثل قطر؟ حقيقة المعلومات المفصلة لأسباب هذا الشقاق، ولا أقول مجرد الخلاف، غير متوفرة تماما إلا ما ندر، وبالتالي فإن الصورة يشوبها الغموض وضياع الوضوح التام، اللهم إلا إذا اعتمدنا على تلك “المعلومات” التي لا يُمكن نفيها أو إثباتها طالما غاب مصدرها الموثوق، وبالتالي فإنها تبقى في خانة الشائعات، من كون قطر تدعم الحوثيين في اليمن وتسهل تهريب العمالة الأثيوبية إلى السعودية، ودعم قطر لجماعة الإخوان في السعودية والإمارات ووقوفها وراء محاولة انقلابية هناك، وتوقيع قطر لمعاهدة مع إيران بالسماح لها باستخدام المجال الجوي والبري والبحري في حالة نشوب صدام مسلح بين إيران ودولة من دول المجلس، وغير ذلك من “معلومات” هي في ظني أقرب إلى الشائعـــــات إن لم يتم إثباتهـــا أو نفيها، رغم صحة القــــول إنه لا دخان بلا نار.

فردّة الفعل الحادة من قبل هذه الدول الثلاث تدل على أن شيئا خطيرا بالفعل قد حدث، ولم تجد معه مناورات الدبلوماسية، ودبلوماسية تقبيل الأنوف المعتادة، وابتسامات “الأشقاء” وضحكاتهم على موائد الطعام ومجالس السمر، وهو أمر سوف تبينه الأيام، وما هو سرّ اليوم فإنه في الغد سيكون علنا. ولكن ما أعلمه ويعلمه غيري علم اليقين، نحن البعيدون عن مطابخ اتخاذ القرار وما يدور خلف الكواليس والدهاليز المظلمة، هو أن قطر قد أصبحت اليوم المأوى والحاضن والراعي لجماعة الإخوان المسلمين وتنظيمها العالمي، وأنا على قناعة تامة بأن الإخوان لا يدخلون قرية إلا دمروها ولو بعد حين، وهم تنظيم لا يؤمن جانبه على الإطلاق، حيث “الجماعة” هي قدس أقداسهم، وكل ما هو نافع للجماعة فهو مباح وحلال بلال، حتى وإن كان هذا المباح مصنفا أخلاقيا لدى الآخرين بأنه غدر وخداع، فإنه يبقى مباحاً بل ومطلوبا إذا كانت مصلحة “الجماعة” على المحك، والجماعة فقط بعيداً عن مفاهيم الأمة والشعب والدولة والوطن، وهذا أخشى ما أخشاه على أهلنا في قطر، وعلى بقية دول المجلس، بل وفي كل مكان يتعاطف مع الإخوان وقضيتهم وشعاراتهم ويؤمن بصدقهم وإخلاصهم، بصفتهم الممثلين العصريين للإسلام وأخلاقه وغاياته، وهذا ما يثبته تاريخ الجماعة في كل مكان انتشروا فيه أو وجدوا فيه أرضاً صالحة لبذر بذورهم باسم المبادئ ودين الحق، وليس بعيداً عن الأذهان كيف عانت السعودية، وما زالت تعاني، من فكر الجماعة التي شُرّعت لها الأبواب في الستينات ومُنحت الأمن والدعم والمأوى وحرية الحركة، فقاموا، ومن أجل الجماعة وفي سبيلها، بالتغلغل السرطاني في كل مؤسسات الدولة والمجتمع، وخاصة التربوي والتعليمي منها، مشكلين دولة خفية داخل الدولة، غير عابئين ولا مكترثين ولا مقدرين ما فعلته لهم الدولة حين كانوا من المطاردين.

ولماذا نذهب بعيدا، فها هي بريطانيا تكشف عن مؤامرة Plot من قبل إسلامويين للسيطرة على المدارس البريطانية ومناهجها، رغم أنهم يعيشون بأمان على الأرض البريطانية وفي رعاية الحكومة البريطانية، التي وفرت لهم الغذاء والكساء والسكن وحرية القول حتى للتعبير عن تكفيرهم وازدرائهم لذات الدولة البريطانية التي يحمل الكثير منهم جنسيتها، والتي شبهها بعضهم بورق الحمّام الذي يُرمى بعد أن يتم استعماله، وفوق ذلك كله الأمن والأمان، ولكن يبدو أن الأخلاق التي يعرفها بقية البشر لا تنطبق هنا، أو أن هناك معايير أخرى للسلوك الأخلاقي لا نعرفه، فيكون مآل المتعاطف معهم مثل مآل مجير أم عامر (الضبعة)، التي بقرت بطن من أواها وحماها من مطارديها وغذّاها، وكانت النتيجة أن بقرت بطنه وهو نائم في غفلة عنها، فقال الشاعر فيها:

ومن يصنع المعروف في غير أهله يلاقي ما لاقى مجير أم عامر

أدام لها حين استجارت بقربه قراها من ألبان اللقاح الغرائز

وأشبعها حتى إذا ما تملأت فرته بأنياب لها وأظافر

فقل لذوي المعروف هذا جزاء من غداً يصنع المعروف مع غير شاكر

قد يُقال إني متحامل على الإخوان المسلمين، ربما، فجل من لا يُخطئ بطبيعة الحال، ولكن تاريخ “الجماعة” منذ إنشائها في الإسماعيلية عام 1928، وحتى وصولها إلى حكم مصر بعد ثورة 25 يناير المختطفة، وكل تجارب من عمل معها أو تحالف معها، لا تشي بأية ثقة يمكن الركون إليها معهم. وخشيتي اليوم هي على دولة قطر من أن تنقلب “أم عامر” عليهم، وهم الذين باعوا الجميع من أجلهــــم، حتى أهلهـــــم المقربين.

ربما يعتقد صانعو السياسة الخارجية القطرية أنهم إنما يستخدمون “الجماعة” وتنظيمها الدولي كورقة من أوراق اللعبة السياسية التي تمكنهم من الضغط على بقية اللاعبين، وخاصة في مصر ودول الخليج، ومن أجل تحقيق غايات لها علاقة بأمن واستقرار الدولة القطرية في تصورهم وتخطيطهم، وهم أدرى بما يفعلون كما نفترض، وليس للكاتب هنا أن يدري أبعاد هذه الغايات، أو ماهية المصلحة الوطنية القطرية التي يتصورها صانعوا السياسة الخارجية في الدوحة، وهو أمر خاص بهم على أية حال، ولكني أخشى أن يكون الأمر هو العكس، أي أن “الجماعة” هم من يتلاعبون بالدولة القطرية من أجل غايات الجماعة، حتى لو كان ذلك على حساب المصلحة الوطنية القطرية ومستقبل الدولة، وعلاقة قطر مع محيطها الخليجي خاصة، وهم من هم في احتراف السياسة وألاعيبها وأساليبها وطرقها الملتوية على مدى عقود من الزمان، بشكل ليس بمقدور شخص مثل خالد الذكر نيقولاي مكيافيلي إلا أن يُصفق لهم إعجابا، وهو المحبّر لكتاب “الأمير” في كيفية ممارسة السياسة وألاعيبها ومعرفة دهاليزها.


اختطاف القرار القطري


كل الأمور الخلافية بين قطر وبقية دول مجلس التعاون يمكن في النهاية حلها بهذا الشكل أو ذاك، حتى لو حدث من الضرر ما قد يحدث، إلا ألاعيب “أم عامر” وغدرها، فهو أمر من الصعب ترميم أضراره، إذ أن مثل هذه الأضرار تكون متغلغلة في أنسجة الجسد العميقة، وإن عولجت فإن أثرها لا يريم، مثل وجه أكله الجدري وعاثت فيه بقايا الجذام، وما جرى في السعودية في الستينات وأثره على سعودية اليوم، أو ما حدث في مصر خلال عام واحد من حكمهم ومحاولتهم أخونة تفاصيل التفاصيل في الدولة المصرية، شاهد على ذلك، ولكن هل من متعظ؟

قطر اليوم، وأقولها بكل حرقة فصديقك من صدقك لا من صدقك، مختطفة وإلى حد كبير من قبل الجماعة، والأب الروحي للمختطفين يكاد يكون اليوم هو راسبوتين العصر في قطر بتأثيره ونفوذه، بمثل ما كان راسبوتين الروسي القديم خاطفا للقيصر والقيصرة في روسيا القيصرية، قبيل اندلاع الثورة الروسية عام 1917.

في النهاية، فإنه مهما حدث في الخليج من خلاف وصراع فإنه يبقى صراعا وخلاف أشقاء مهما كانت حدته، ففي النهاية نحن أبناء منطقة واحدة، بمصير واحد، وغايات كبرى واحدة، والمخلص الوحيد لهذه المنطقة هم أبناؤها في النهاية، شريطة الانتباه لأشباه “أم عامر” في الداخل والخارج.. وقانا الله وإياكم شرور الضباع والذئاب والثعالب وكل جوارح الغدر والخداع..

6