حديث الأمن والسياسة في مصر

الاثنين 2016/01/04

في كل دول العالم تتدخل الأجهزة الأمنية في كثير من تفاصيل العملية السياسية، ويختلف التحكم والتأثير في المجريات من بلد لآخر، حسب درجة التقدم والتخلف، ووفقا لنسبة التغول الذي تصل إليه هذه الأجهزة.

في مصر تصاعد الحديث مؤخرا عن توغل دور الأمن في السياسة، بصورة تتجاوز الحدود التقليدية، وظهرت صيحات تندد وتحذر، وأخرى تنفي وتتهم، وبدا كأن هناك فريقيْن متصارعيْن، يحاول كل منهما إثبات وجهة النظر في التدخل من عدمه.

واتُخذ كلام أحد النواب الجدد في البرلمان المصري بشأن تلقيه توجيها مباشرا من قيادة أمنية بالانضمام إلى تحالف “دعم الدولة”، قبل أن يتغير إلى “دعم مصر”، ذريعة لترجيح كفة الفريق القائل بتضخم دور الأمن.

بعيدا عن الدخول في فحوى التراشقات والمهاترات التي طغت على حوار الأمن وحدوده ومخاطره، يبقى الموضوع مثيرا ويستحق تحليل أسبابه ودوافعه وأبعاده، لأن المعاني والتداعيات لا تزال مستمرة، على الرغم من هدوء عاصفة النائب، فقد جرى التعامل مع الأمر باعتباره ظاهرة متجذرة، لا يستطيع كثيرون إنكارها تماما، لكن يمكن أن يختلفوا حول درجة التدخل وأهدافه، وهل لحماية الأمن القومي، أم رغبة في السيطرة على مفاصل القوى السياسية، وتحجيم تحركاتها؟

الحاصل أن الأجواء العامة في مصر، والتهديدات التي تمثلها الجماعات المتشددة، والتحديات التي تواجهها الدولة من قبل جهات متعددة، فرضت على جهاز الأمن المصري المزيد من اليقظة، ومراقبة حركة الكثير من عناصر العملية السياسية عن قرب، بداع أو بدونه، كما أن الضعف الذي تبدو عليه القوى والأحزاب السياسية، كان عاملا مساعدا لتهيئة التربة لمزيد من التدخل، ومحاولة ترتيب الأوراق بالطريقة التي يريدها الأمن، بحجة الخوف من حدوث انفلات، تستفيد منه قوى مناهضة لكيان الدولة المصرية.

جاءت انتخابات البرلمان المصري، والحديث عن التحالفات داخله مؤخرا، لتمنح الفرصة لتظهر بصمات جهاز الأمن على شكل القوائم التي خاضت الانتخابات، والتنسيق بينها، ووفر التفوق الكاسح الذي أحرزته قائمة “في حب مصر” المجال ليخرج الحديث الهامس على الملأ، وتنتشر التكهنات بشأن أن هذه القائمة رافد أساسي من روافد الأمن، وتم التخطيط لتهيمن على الحياة السياسية، وتسد الفراغ الواضح في دور الأحزاب داخل البرلمان وربما خارجه.

الواقع أن هذه الحالة لم تأت من فراغ، بل لها أهداف لدى من خططوا لها في الخفاء، وعند من عملوا على تضخيمها في العلن، وتصديرها للرأي العام بحسبانها ظاهرة.

فالفريق الأول، يرى أن هناك تآكلا في الأحزاب السياسية، وانفراطا في عقد الكثير من القوى الرئيسية، واستسلاما للفوضى التي ظهرت عليها، وهو ما يعني زيادة نسبة العشوائية، وتصدير مشهد سيء يوحي بالقتامة السياسية، وقد يتم تحميل النظام الحاكم تبعات ذلك، وتصوير الأداء الغامض على أنه تسبب في إحباط القوى الحية في المشاركة، فكانت النتيجة، الترهل والتفكك، لذلك لابد من التدخل لترتيب الأوراق وإعادة اللحمة للقوى السياسية، وقطع الطريق على من تربصوا لاستثمار الانفلات في المشهد الحزبي.

أما الفريق الثاني، فيحاول الاستفادة مما يتردد حول تدخل جهاز الأمن في اللعبة السياسية، لتحقيق ثلاثة أغراض أساسية، قد تمنح عناصره فرصة جديدة في المستقبل.

الأول، الإيحاء أن نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي، امتداد طبيعي لنظام حسني مبارك، الذي كان الأمن من أهم أدواته للبطش والاحتواء وتحديد البوصلة السياسية، وتكمن خطورة هذه المتلازمة في إثارة النقمة وسط من راهنوا على أو تفاءلوا بالنظام الحالي، وأنه يمثل صورة مكررة لنظام مبارك، حتى يتم الوصول في النهاية إلى توسيع نطاق اللغط الذي انتشر جرّاء الاستعانة ببعض الرموز السياسية والاقتصادية لنظام مبارك، ودخول عدد آخر منهم البرلمان.

الثاني، زيادة وتيرة الغضب في الشارع المصري، فبالإضافة إلى الأزمات الاقتصادية والمشكلات الاجتماعية التي يعاني منها قطاع كبير من المواطنين، هناك انتكاسة سياسية، ترمي إلى شيوع الإحباط، فالشعب الذي قام بثورة يناير 2011 انتقاما من تضخم دور جهاز الشرطة، وتحكمه في مفاصل الحياة، عاد مرة أخرى، وكأن الدور السياسي للأمن لم يتغير في مصر.

وعندما يأتي نشر هذه النوعية من الهواجس قبل فترة قصيرة من الذكرى الخامسة لثورة يناير، يبدو المعنى المقصود توصيله متجليا في محاولة الإسقاط، وإعادة التكرار للمرة الثانية في هذه المناسبة، التي تستعد لها بعض القوى السياسية المناهضة للنظام الحاكم في مصر، وتعتبرها آخر فرصها للحشد، حيث تجمعت جملة من العوامل لتفجير الغضب في صدور المواطنين.

الثالث، الرغبة في تشويه الأحزاب السياسية بأطيافها المختلفة، فعندما يتم الحديث عن تحكم أجهزة الأمن في القوى الفاعلة، معناه تشويه صورتها، والتقليل من أهميتها، لأنها أصبحت رافدا للأمن المعروف ببطشه وتجبّره، بالتالي تحاصره نقمة شعبية، ويفقد المواطنون ثقتهم في المشهد السياسي الرسمي، بكل ألوانه، فتزداد درجة الإحباط العام، وتصبح البيئة مهيأة للتشويه والغضب والانتقام من جميع القوى.

من هذه الزاوية أيضا، يمكن الحديث عن قوى بديلة، إما أن يمضي الأمن في منهجه، ويتوسع في أدواته، للتغطية على القصور الناجم في جسم الأحزاب المترهلة، ويقع في فخ تضخم دوره، بحجة حماية الدولة، أو يتم الترويج للحديث عن ضرورة عودة قوى المعارضة للمشهد العام المتمثلة في الإخوان أساسا، ويتفاقم الصراع السياسي.

اللافت أن حديث الأمن كان أكثر التصاقا بانتخابات البرلمانية، وما أفرزته من نتائج، أعطى بعض القوى السياسية تفوقا كبيرا، وهو ما يشي بتخفيض سقف التوقعات المنتظرة من مجلس النواب الجديد، والذي طوى آخر مرحلة (الثالثة) في خريطة الطريق، التي رسخت أقدام النظام السياسي الحاكم، ومن ثم تقديم المجلس للجمهور على أنه “ألعوبة” في يد جهاز الأمن المصري، وعدم الثقة في ما يصدر عنه من قوانين وتشريعات، ومن هنا تفتح ثغرة جديدة للارتباك، ربما تضاعف الضغوط على عاتق النظام الحاكم.

كاتب مصري

9