حديث الانقلاب والعقل المرتاب

المثير أن قناة الجزيرة القطرية، أدلت بدلوها في حديث الانقلاب وسعت إلى رمي حصاها في المياه الآسنة لا لمحورية تونس في الفضاء الإقليمي والعربي، بل لأن ذلك “الخبر” سيدرّ على قطر فوائد جمّة في نزاعها الخليجي.
الأربعاء 2018/06/13
استحضار نظريات المؤامرة

العقل السياسي الذي ارتكب حماقة الحديث عن انقلاب سياسي محبط في تونس، لم يكلف نفسه عناء توفير البعض من الوجاهة للرواية التي طبعت أيام التونسيين مؤخرا. الحديث عن انقلاب كان يدبّر في تونس، من قبل وزير الداخلية المقال بـ“التواطؤ” مع جهات أجنبية، انطلق من تقرير نشره الصحافي الفرنسي نيكولا بو، تحدث فيه بعمومية عن محاولة انقلاب، وربطها بما يسود تونس من اعتمال سياسي متداخل، بدءا من وضعية رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وصولا إلى حادثة غرق السفينة المقلة لمهاجرين سريين.

التقرير المنطلق، كما الوضعية السياسية في البلاد، كما عمومية التقرير وفقره المدقع من الأدلة، كما النسق الكبير من التداول، مؤشرات تدلّ على وجود “ذائقة” سياسية تستسيغ الحديث عن انقلاب وتستسهل استحضار نظريات المؤامرة. المؤشرات نفسها تقيم الدليل على أن الحدث المزعوم، كما الفاعل الواقع تحت سياط التجاذبات السياسية راهنا، كما توقيت الحدث، هي أيضا من وحي خيال التقط التقرير الفرنسي ليحوّله إلى أكثر من حدث بل إلى إمكانية مقايضة سياسية.

الواقع الجديد يفيد بتقلص منسوب اعتماد الانقلاب كآلية للتغيير السياسي، في العالم بأسره، وفي تونس بالتحديد، لا لانعدام فئة الانقلابيين بل لأن العالم بما يحتويه من آليات رقابة جديدة وبما يعرفه من تشابكات سياسية واقتصادية كبيرة، لم يعد له ترف السماح باعتماد مثل هذه “الآلية” السياسية. في تونس، مجتمع مدني نشيط، أثبت فعاليته ومتانة وسائله وأجهزته في رفض قرارات وزارية بسيطة، ولا يمكن تخيل أنه سيصمت عن انقلاب أو محاولة انقلاب، وأحزاب سياسية -على هناتها- لا تقبل حتى من باب الخصومة السياسية أن ترتدّ البلاد إلى وضع قديم، وإعلام، على ضعفه وارتهانه، لن يبدد فرصة التشهير بالانقضاض على بعض المكاسب، وشارع ألف التظاهر ولن يتردد في رفع الشعارات المناهضة للانقلاب أو لفكرة الانقلاب.

ربط أصل الحكاية (نيكولا بو) بمن روّجها على نطاق واسع يشي بأنه ثمة ضرب من البحث عن الاستفادة من فكرة الانقلاب وإن بدت سريالية وغير ممكنة التحقق بالنظر إلى الأسباب التي ذكرناها وغيرها. من يروّجُ لإمكانية وجود انقلاب يفكر بعقل انقلابي مرتاب غير واثق من العملية السياسية الجارية وإن تعثرت وعطلتها المطبات.

البحث عن الصلة بين صحافي فرنسي مشكوك في مصداقيته منذ سنوات، وبين مواقع إلكترونية هرولت إلى نشر التقرير من دون تثبت أو تمحيص، هو المدخل الأول لتبيّن أن الأخطر من اختلاق الحدث هو السعي لجني قطافه.

أغلب المواقع التي تداولت الخبر هي مواقع ومنصات إعلامية قريبة من حركة النهضة، التقطت التقرير الفرنسي وسارعت إلى نشره وتحليله والتحذير من المآلات التي أوردها. كتب النهضوي السابق محمد الحبيب الأسود أن “الخوف من انقلاب أمني هو من إيعاز قادة النهضة، الذين يهدفون من وراء ذلك إلى المواراة عن انقلاب حقيقي ضد النهضة، يعرفون جيدا خفاياه ويعملون على تأجيله قدر المستطاع بالتوافق والتنازلات، والاكتفاء بمشاركة رمزية في الحكم بما يضمن البقاء في المشهد السياسي إلى حين. هذا الانقلاب يُحبك منذ عهد ليس ببعيد، وهو انقلاب هادئ بدأت مراحله الأولى ببعث حزب هجين سمّوه نداء تونس”.

ثمة ضرب من الخوف النهضوي الدائم من وجود مشروع انقلاب، وثمة ارتياب متواصل من الخصوم السياسيين (الاستئصاليين) الذين يريدون بالحركة شرا، وهو ارتياب لا يعبر فقط عن مظلومية غائرة، بل يعكس كذلك لاوعيا عميقا بأن احتمال الانقلاب قائم دائما، ولكن هؤلاء يتعاملون بانتقائية في النظر إلى الانقلاب؛ ويكفي تذكرّ أن انقلاب حسن الترابي في يونيو 1989 على حكومة الصادق المهدي عُدّ “ثورة للإنقاذ الوطني”، ويكفي أيضا تذكر أن انقلاب الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي في 7 نوفمبر 1987 أحبط انقلابا آخر كان مزمعا تنفيذه في 8 نوفمبر. لكن العقل السياسي الذي التقط رواية نيكولا بو كان عقلا مستعدا للتغاضي عن التاريخ واستحضار المنفعة القريبة.

المثير أن قناة الجزيرة القطرية، أدلت بدلوها في حديث الانقلاب وسعت إلى رمي حصاها في المياه الآسنة لا لمحورية تونس في الفضاء الإقليمي والعربي، بل لأن ذلك “الخبر” سيدرّ على قطر فوائد جمّة في نزاعها الخليجي. بدأ الأمر مع نيكولا بو وتأجّج في قناة الجزيرة، ومع غياب الحبكة وقلة القرائن يصبح الأمر من قبيل الخيال السياسي المرتاب على الدوام.

9