حديث الحرب والتنمية في سيناء

الاثنين 2015/04/27

الصورة الذهنية عن سيناء لدى قطاع عريض من المصريين والعرب عموما، أنها منطقة ملتهبة، كانت مسرح عمليات رئيسي في الحروب التي جرت بين مصر وإسرائيل (1948 – 1973).

وعندما سكتت المدافع، بموجب توقيع اتفاقية السلام عام 1979، وهدأت الأوضاع، بدأ التفكير في تعميرها وإحداث تنمية اقتصادية في ربوعها، لكن هناك من اعترض، باعتبار أن السلام مع إسرائيل قد لا يدوم، وتعود المنطقة إلى عهودها على مدار التاريخ، حيث كانت بؤرة مركزية لكثير من المعارك والغزوات الخارجية.

بين حديث التنمية والحرب، ظلت سيناء أثيرة لهذه الازدواجية لفترة طويلة، كلما تقدم الاتجاه نحو الأولى شدته الحسابات العسكرية نحو مراعاة الثانية، حيث ظلت، ولا تزال، حاكمة للعقيدة العسكرية المصرية، التي لم تتجاهل أن سيناء سوف تبقى فضاء فسيحا للعمليات على الدوام، لدرجة أن أول درس يتعلمه طالب الكليات العسكرية، أنها (شمال سيناء تحديدا) مفتاح الحرب والسلام، ونقطة انطلاق إستراتيجية للدفاع عن الأمن القومي المصري.

لذلك لم يتم التوسع في مشروعات التنمية في شمال ووسط سيناء، واقتصرت ملامحها الواضحة على جنوب سيناء المطلّة على البحر الأحمر وخليجي العقبة والسويس، وبقيت التنمية الاقتصادية، بمفهومها الاستثماري، غائبة عن المناطق الأخرى، اتساقا مع العقيدة العسكرية السابقة، مع الاحتفاظ بعدد محدود من السكان لا يتجاوز نصف مليون نسمة، من بين 90 مليون مواطن تعداد سكان مصر الآن، بما لا يتناسب مع مساحتها الكلية التي تصل إلى 6 بالمئة من مساحة البلاد.
في الوقت الراهن شرعت القيادة المصرية في تنفيذ مشروعات عملاقة غرب قناة السويس، وأخذت الدولة على عاتقها مهمة التوسع في المشروعات داخل سيناء، وتعويض سنوات التراخي والإهمال، التي أدت إلى نمو وترعرع الحركات الإسلامية المتشددة خلال العامين الماضيين، حيث اتخذ متطرفون مناطق في سيناء وكرا لعملياتهم الإرهابية ضد أهداف عسكرية ومدنية. وازداد الأمر صعوبة، بعد أن تداخلت مجموعة من العوامل المحلية مع أخرى إقليمية، جعلت سيناء مرتعا لكثير من المؤامرات والسيناريوهات التي تستهدف تحويلها إلى منغص دائم لمصر.

في هذه اللحظة ارتفعت قناعات الاتجاه التنموي، باعتبارها وسيلة مهمة لقطع دابر الإرهابيين، الذين سمح لهم التهاون، خاصة أيام حكم الإخوان المسلمين، بتخزين كميات كبيرة من الأسلحة في سيناء، وتهريب عدد من المتشددين وتمركزهم فيها، الأمر الذي انعكس على شراسة المعارك التي تخوضها قوات الأمن ضدهم منذ نحو عامين، وقد استفاد الإرهابيون من المساحات الشاسعة والفقر والبطالة وضعف المقومات الاقتصادية والإحساس بالظلم الاجتماعي، ونجحوا في إرهاق قوات الجيش والشرطة، رغم التفوق الظاهر في العمليات الأمنية.

تغلغل الإرهاب في بعض مناطق سيناء واختراقه لجزء من البنية الاجتماعية، ضاعف من أهمية خيار التنمية لدى المسؤولين في مصر، ودفعهم إلى زيادة وتيرة تنفيذ المشروعات، هنا ثار أنصار التيار الرافض للتنمية وحذروا من مغبة الإفراط فيها لأنها ستكون عرضة للضياع حال نشوب حرب مع إسرائيل، وذكروا بمآسي تهجير سكان سيناء ومدن القناة (السويس والإسماعيلية وبورسعيد) في حربي 1956 و1967.

الحاصل أن القيادة السياسية التي تدعم تيار التعمير، كانت منتبهة إلى المحاذير العسكرية لعملية التنمية المنتظرة، ومكنت المؤسسة العسكرية من الإشراف على المشروعات التنموية، سواء في محور قناة السويس أو في سيناء، للتوفيق بين متطلبات الأمن واحتياجات التنمية، وهو ما يسد الكثير من الثغرات والمخاوف التي يسوقها أنصار الفراغ الاستثماري، لأن المشروعات تم اختيار مواقعها بناء على تقديرات إستراتيجية، بما يسمح بسهولة حركة القوات العسكرية، إذا لزم الأمر، وكانت جميع الهواجس العسكرية محل اعتبار.

النظرة التقليدية التي يتم التعامل بها مع سيناء تبدو رهينة حسابات قديمة، كانت فيها التنمية والسكان من عناصر التهديد المرعبة، لكن النظرة الجديدة في الحروب الحديثة حولتهما إلى عنصري ردع، بمعنى أن ضخ استثمارات في سيناء (وطنية أو أجنبية)، يمكن أن يكون أداة ضغط على الدولة المعتدية (إسرائيل مثلا)، لأن أصحاب رؤوس الأموال لديهم قنوات إعلامية وسياسية واقتصادية عابرة للحدود، يستطيعون من خلالها ممارسة ضغوط لحماية مصالحهم.

كما أن كثافة السكان أضحت واحدة من الأدوات التي يمكن أن تردع التمادي في استخدام القوة الغاشمة، ولنا في الانتصارات التي حققتها حركة حماس وحزب الله مع إسرائيل عبرة، فمع أن قوتيهما المسلحة تكبّدتا خسائر فادحة، إلا أن كليهما حقق انتصارا معنويا، اضطرت إسرائيل معه وفي جميع المعارك التي خاضتها ضدهما، في أعوام 2006 و2010 و2014، وما بينهم من حروب خاطفة، إلى وقف عملياتها المسلحة بعد ارتفاع الخسائر البشرية، بالتالي فزرع سيناء بالحجر والبشر يمكن أن يتحول إلى عنصر للقوة المزدوجة على المستوى الإستراتيجي، تخدم الأمن القومي المصري بمفهومه الشامل.

من جهة ثانية، التنمية بكل ما تحمله من فوائد لسكان سيناء، سوف توقف التعاطف مع الإرهابيين، بذريعة إهمال منطقتهم على مدار سنوات، وتدفعهم إلى الحفاظ على ما حصدوه من مكاسب بطرد المتشددين، ومساعدة قوات الأمن في عملية تجفيف المنابع، وتوقف المتعاونين مع أصحاب الأنفاق، سواء كانوا فلسطينيين أو مصريين، وتقضي على هذه الظاهرة التي أرهقت قوات الأمن لأنها كانت منفذا لتهريب المجرمين.

من جهة ثالثة، سوف تحمل المشروعات التنموية جملة من الإشارات الإيجابية لإسرائيل وحلفائها، تفيد بأن مصر تريد الحفاظ على السلام ولن تجري وراء الحرب ما لم تكن مضطرة إليها، ولا يعني تقدم التنمية على العقيدة العسكرية الراسخة الخاصة بسيناء تخلّيا عنها، لأن الجيش الذي يشرف على محددات التنمية، لن يتجاهل هذه الفكرة، كما أن الحروب الحديثة تدار عن بعد، فبإمكان كل طرف أن يصل إلى الآخر من على مسافة مئات أو آلاف الكليومترات، وليس بحاجة إلى حدود مباشرة لشن عملياته العسكرية.

كاتب مصري

9