حديث المصالحة بين الدولة والإخوان في مصر صار ضربا من الخيال

خبراء سياسيون في مصر، تحدثوا عن اتجاه لدى الدولة المصرية، إلى السعي نحو احتواء التيار المحافظ في المجتمع، في إطار مشروع يهدف إلى تعبئة الفراغ السياسي المتوقع بعد قرار عزل الإخوان، وإجهاض مخططهم القائم على انتهاج العنف والاغتيالات. هشام النجار
الأربعاء 2016/11/02
الإسلام الشعبي بعيدا عن عنف الإسلام السياسي

أكدت التحولات المنهجية، داخل جماعة الإخوان بمصر، لجوء الجماعة إلى مسارات تصعيدية في مواجهة الدولة، وهو يخالف ما يروج له البعض، عن إمكانية التوصل إلى تسويات، ومن بين هذه المسارات ما أطلق عليه “التأسيس الثالث للجماعة”، الذي ينتقل بها من جماعة دعوية إصلاحية تمارس السياسة بشكل سلمي، إلى ثورية انقلابية تسعى إلى السلطة بالقوة.

اعتماد الجماعة على رهانات خاسرة محليا وإقليميا، جعلها تواجه جملة من الأزمات الضخمة؛ منها اتهامها بالإرهاب، وبتأسيس جناح مسلح على غرار النظام الخاص، يقوم بمهام الاغتيالات واستهداف رموز ومؤسسات ومرافق الدولة.

تضاف إلى ذلك كله، أزمة فشل مشروع الإسلام السياسي إقليميا، ومحاولة تعويض الفشل في السلطة بالتوسع العسكري، واقتطاع أجزاء من دول عربية بالقوة المسلحة، وأزمة قادتها ممن صدرت ضدهم أحكام نهائية بالسجن، وأزمة الانقسامات داخل الجماعة بمصر وعلى مستوى التنظيم الدولي، ثم الأزمة المالية التي أثرت بشكل كبير على أداء الجماعة وقدرتها على ترجمة استراتيجياتها بصورة عملية على الأرض.

ورأى خبراء في شؤون الحركات الإسلامية وسياسيون، في تصريحات الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، والتي قال فيها إن “المصالحة مع الإخوان قرار دولة وأنها لا تشمل من يضر بالوطن أو يسعى للإضرار بالشعب”، مؤشرا على أن الدولة بصدد مشروع شامل، هدفه الأساسي تعويض الفراغ، الذي أحدثته عزلة التيار الإسلامي عن الواقع إثر انتهاجه الصدام مع الدولة.

وأكد متابعون للشأن السياسي المصري، أن المشروع يشمل محاور سياسية، بتدشين تيار سياسي جديد، يضم نخبا محافظة، معظمها من الرموز الإسلامية المعتدلة والمستقلة، إلى جانب النخب القومية والليبرالية، وخلق “مشتركات كلية”، تجمع هذا التنوع على أرضية واحدة، ومحاور تنويرية، أي تجمع المصريين بمختلف انتماءاتهم الفكرية في مواجهة التحديات الإقليمية والداخلية، فضلا عن المحاور التنموية والشبابية.

ووصف خبراء هذا المشروع بـ”التأسيس الثالث للدولة المصرية”، على خلفية كونها المرة الأولى التي تسعى فيها الدولة إلى احتواء جماهير التيار المحافظ، من خلال نخب من خارج الحالة التنظيمية، بعد أن كانت تسعى في الماضي، إلى تحقيق هذا الهدف من خلال توظيف واحتواء التنظيمات الإسلامية القائمة، وعلى رأسها الإخوان، خلال حكم الرئيسين الأسبقين، أنور السادات وحسني مبارك، وهو تأسيس يعتمد على احتواء التيار المحافظ، وما يعرف بالإسلام الشعبي.

الوساطات التي أطلقت منذ بداية الأزمة إلى اليوم، لم يكتب لها النجاح، لاصطدامها بمطالب الجماعة غير القابلة للتحقق

وقلل متابعون لجماعة الإخوان، في تصريحات لـ“العرب”، من قيمة اعتراف بعض قادة الجماعة بوجود أخطاء، أو أن الجماعة بصدد إجراء مراجعات، واعتبروا ذلك من قبيل المناورات التكتيكية، وأن هذا الخطاب موجه إلى الغرب وليس موجها إلى الداخل المصري.

وتحرص الجماعة حاليا، على الظهور بخطابين أو أكثر، بهدف احتواء جميع التوجهات داخلها من دون انشقاقات حادة، كما تحرص قيادات داخل الجماعة بين حين وآخر على إطلاق تصريحات مرنة، بالتزامن مع أحداث مفصلية، مثل التصريح بإمكانية قبول تنفيذ أحكام الإعدام والمؤبد بحق قادتها؛ وهي تصريحات تهدف إلى عدم تحميل الجماعة رسميا مسؤولية أعمال إرهابية ثأرية، خاصة مع بيانات الجماعة الأخرى التي تدعو إلى مواصلة الصدام بشكل غير مباشر.

وأدّى الانقسام داخل جماعة الإخوان، وعدم وجود قيادة موحدة قادرة على فرض رؤيتها، إلى إعاقة إصلاح الجماعة وتفكيك أزمتها.

الظاهر أن جميع المحاولات والجهود استنفدت بالكامل، وأن الجماعة لم تعد قادرة على الفعل والقيام بمبادرات ذاتية، بعد أن أصبحت ورقة ضغط إقليمية، ما أفقد الدولة المصرية الثقة في مجمل التنظيمات القائمة، ومن ثم دفعها إلى البحث عن حلول أخرى، لملء الفراغ السياسي والشبابي والاجتماعي، وهو الفراغ الذي تركته تلك الجماعات، قصد تفادي التعرض لابتزاز قوى إقليمية، ولمساومات وشروط الإخوان.

الواضح أن عدم تعويل البعض على توسط السعودية، لحل أزمة الجماعة، بإحداث تقارب بين مصر وتركيا، كان في محله؛ لأن رؤية المملكة كانت متعلقة بتدشين تحالف إقليمي سني أو عربي تركي سني، والسعودية ليست معنية بمصالحات داخلية، إنما بحشد دول في تحالف إقليمي سني لمواجهة الميليشيات الشيعية والسنية المتطرفة في المنطقة، وإنجاح هذا التحالف يتوقف على مراعاة أولويات كل دولة ومصالحها، ويتطلب تفهم موقف مصر من جماعة الإخوان وممارساتها، وضرورة إعادة تركيا للنظر في أسلوب تعاطيها مع مجمل الشأن المصري.

أما الوساطات والمبادرات المحلية، التي أطلقت منذ بداية الأزمة إلى اليوم، فلم يكتب لها النجاح، لاصطدامها بمطالب الجماعة غير القابلة للتحقق، ولعدم مراعاتها المستجدات وموازين القوى، ولطغيان مناخ انعدام الثقة؛ فبعض الأطراف وتيارات داخل الدولة، تعتبر الوساطة “إنقاذا” لجماعة انتهت فعليا من المشهد، والإخوان ينظرون إليها كمحاولة لفرض الأمر الواقع، وإجبارها على التسليم بشروط الدولة ومطالبها دون مقابل.

وذهب مراقبون، إلى أن الجماعة قد حسمت أمرها تماما بلا رجعة، بدليل أنها تفصل أي قيادي يظهر ميلا للتصالح مع الدولة، كما فعلت مع محمد على بشر وحلمي الجزار، وبالتالي فالجماعة ماضية دون تردد نحو مواصلة الصدام المسلح والشامل.

وكشفت التحقيقات مع البعض من أعضاء خلية الأزمة، ممن جرى القبض عليهم في الأحداث الأخيرة، عن سعي الجماعة إلى مواصلة النشاط التخريبي، الذي بدأته في يناير 2015، بزرع العبوات الناسفة والهيكلية في الميادين الرئيسية بالقاهرة والمحافظات، تمهيدا لعنف موسع خلال فعاليات 11 نوفمبر التي أعلنت عنها.

ولم يعد خافيا على أحد، أن جماعة الإخوان، تقف وراء دعوات التظاهر في ذلك اليوم، تحت عنوان “ثورة الغلابة”، بهدف إعادة الجماعة إلى المشهد من جديد، للتمكن من أوراق تضغط بها على الدولة، وبالفعل، خرج أحد قادة الجماعة في الخارج، وهو المستشار السابق وليد شرابي، وأكد وقوف الجماعة خلف تلك الدعوات (11 نوفمبر)، لتحقيق أهداف الجماعة، وليس لأهداف أخرى متعلقة بالوضع الاقتصادي.

وهكذا صار حديث المصالحة مع الإخوان ضربا من الخيال، بعد تجاوزها الخطوط الحمراء، وإقدامها على اغتيال أحد قادة القوات المسلحة، وباتت من المستبعد تماما المساومة بورقة العفو الرئاسي، نتيجة لجوء الجماعة إلى الضغط بأسلوب الاغتيالات والمتفجرات و“تثوير” الشارع.

ومشهد العنف ليس خاصا بالإخوان وحدهم، فهناك جماعة “حازمون”، التي تتحرك للثأر لزعيمها، حازم صلاح أبوإسماعيل، وهناك مجموعات مسلحة خطيرة، مثل أجناد مصر وغيرها، بالإضافة إلى الجماعات التكفيرية في سيناء، إلى جانب التنظيم الخاص الجديد للإخوان. وقال خبراء عسكريون لـ“العرب” في هذا السياق “إن أي تنازل من الدولة، لأحد أجنحة هذا المشهد، سيكون في غير محله”.

13