حديث عن المرض والألم

الأحد 2013/09/22

تحتل القضايا العامة مقدمة العقول، لدى النخبة من المنشغلين بالهم العام، قادة ومفكرين سياسيين واجتماعيين وأهل أدب وإبداع وإعلام، ويغلب الاهتمام بها على الاهتمام بالقضايا الشخصية، التي تشغل السواد الأعظم من الناس، الذين يبقى الانشغال بالجانب الشخصي هو الغالب على حياتهم.

الاستثناء الوحيد، الذي تتضاءل فيه أهمية القضايا العامة، وتتأخر عن مكانها في مقدمة المشاغل، لهؤلاء القادة السياسيين والمفكرين، هو عندما يأتي المرض، ويحتل هذه المساحة ولذلك ترتفع الأصوات التي تطالب رؤساء الدول، بالتنحي عن مناصبهم في حالة حصول مرض للرئيس يعرقل اهتمامه بالشأن العام، ويشغله عنه بالمسائل الخاصة بالعلاج، وأردت اليوم ومن خلال تجربة شخصية مع عارض مرضي، أن أتحدث عن هذا التداخل بين الخاص والعام في حياتنا، باعتباري كاتبا، عاش عقودا كثيرة من عمره يلاحق الأحداث والأفكار، ويعالجها في أبواب صحفية، يومية وأسبوعية، غير تلك التي تستوعبها كتب الإبداع الأدبي.

فحقائق كثيرة عن المرض، في مختلف حالاته القاسية وغير القاسية، لا نستطيع فهمها واستيعابها، إلا عبر التجربة والوقوع في المرض، وهو ما أقوله من خلال هذه التجربة الأخيرة التي كانت مجرد احتقان في المرارة، أفهموني أنها عملية صغيرة جدا، لا تحتاج لغير قضاء بضع ساعات في المستشفى، وأغادر في نفس اليوم متحررا من عبء المرض، وها أنا اليوم بعد مرور أربعين يوما، مازلت في المستشفى، أحاول العودة إلى حالتي الطبيعية.

وبداية رأى الطبيب أن العملية لا تتم أثناء حالة الاحتقان، وأنني يمكن أن أتوفر في المستشفى على رعاية، تعجل بانتهاء الاحتقان، خلال ثلاثة أيام لاجراء العملية في اليوم الرابع، وهو ما حدث إلا أنه عند دخولي إلى مسرح العمليات، اكتشف طبيب التخدير أن طارئا حدث على الجسم، يمنع إجراء العملية، فقد حدث احتقان في الصدر والرئة، ربما كان بسبب عارض حدث للقلب، وألغيت العملية وانتقلت مباشرة الى غرفة العناية القصوى، حيث اقتصر الاهتمام على معالجة الطارئ الجديد، وخلال أربعة أيام تناقص الاحتقان في الصدر وثبتت سلامة القلب، وتركت العناية ولكن لم أترك المستشفى لأن الحالة تحتاج إلى متابعة واهتمام. وبعد عدة أيام، قال الطبيب بأنني أستطيع أن أغادر المستشفى، وأتناول العلاج في البيت لمدة أسبوعين، يقرر بعدها موعدا لاجراء عملية المرارة، يعنى العودة إلى المربع الأول الذي بدأ به العارض المرضي الطارئ.

وتقرر بعد مرور أسبوعين أن أدخل المستشفى استعدادا لإجراء العملية وأخذ مزيد من العلاج لتسهيلها، لأن احتقان الصدر قد جعلها أكثر دقة وصعوبة، وفعلا في نهاية الأسبوع الثالث، دخلت من جديد غرفة العمليات، وأثناءها كان هناك اكتشاف جديد، وهو أن ما تقوله الفحوص وآلات الكشف والأشعة ليس هو الحقيقة الكاملة، وأن هناك أشياء لا يستطيع الجراح أن يراها أو يعرفها، إلا عند فتح المعدة، فقد وجد أن المرارة والمنطقة المحيطة بها في حالة اهتراء، جعله يقضى في إجراء العملية ثلاثة أضعاف المدة التي يقضيها في العمليات المماثلة، واقتضى ذلك أن أقضى مدة أطول مقيما في المستشفى تحت الرعاية، وتغذيتي بالدم لمدة أربعة أيام كاملة لتعويض ما افتقده الجسم أثناء العملية.

نعم هناك ما نسميه المسكنات وقاتلات الألم، وكنت كثير الامتنان أن أجد حبة أسبرين تريحني من ألم الصداع، ولكن قيمة هذه المسكنات غالبا ما تتضاءل كثيرا اثناء وجودنا في حالة مرضية سريرية، وأضرب أمثلة كثيرة على حالات واجهتني كان فيها الألم قاسيا ولا إمكانية لقتله بكل ما أنتجته مصانع الدواء من مثل هذه العلاجات.

فقد رافقت حالة احتقان الصدر موجة من الزكام التي تهز الجسم مثل الزلزال، ولا تتوقف ليلا ولا نهارا، ولا سبيل للقضاء عليها، ولا علاج لها باعتبار أنهم يقولون إن الزكام نفسه جزء من العلاج لحالة الاحتقان، والتخلص من آثاره على الرئتين والجهاز التنفسي، وجلبت نفس الحالة، ضيقا في التنفس، وأمتد على السرير فأشعر كأن صخرا ثقيلا يسحق صدري، ولكنه أيضا جزء من صيرورة المرض والعلاج ولا سبيل إلى تسكينه إلا بانتهاء كورس العلاج.

وخلقت حالة التخدير أثناء العملية، تدافعات في الجسم نتج عنها وجود عضلة في الكتف تسببت لي في ألم كبير ومنعت عني القدرة على النوم، ولا سبيل لمقاومتها إلا بشكل جزئي، وبالحبوب المنومة التي تتضاءل فعاليتها مع الأيام، وقد تدخل المريض في حالة من إدمان يصعب الخروج منها أحيانا، كما أنني لم أكن أرتاح واقفا ولا جالسا ولا نائما على السرير في وضع من الأوضاع، وعشرات الأمثلة لأنواع من الألم التي لا وجود لقاتل لها.

لقد كانت حالة مرضية لا أريد ولا أتمنى ولا أرجو أن أمر بها ثانية، ولعلها تجربة قد تعيد صياغة رؤيتي لقضايا الحياة والموت والوضع الإنساني، وكان أشبه بالمستحيل خلال أيام المرض والمعاناة، أن أجد في نفسي حماسا أو نشاطا يساعدانني على متابعة نشرات الأخبار أو قراءة الصحف أو قراءة الكتب، وصار شغلي الشاغل هو هذا الألم الذي استعجل يوم الخلاص منه.

19