"حديقة الممسوخين الترفيهية" مدينة فاسدة يسكنها متوحشون

الفنان المصري أحمد صبري ينشئ ديستوبيا تشكيلية تحكي قصة مجتمع متدهور.
الاثنين 2021/06/07
سيناريوهات تجرّد البشر من إنسانيتهم وتحوّلهم إلى وحوش

ليس فقط الأدب هو الذي يرتاد عوالم “الديستوبيا”، بمعنى المدينة الفاسدة المخيفة أو المكان الخبيث باليونانية، فقد تطرّق التشكيل بدوره إلى ذلك المجتمع الخيالي المقيت المحكوم بالآثام والفوضى والخراب والقتل والتدمير وكافة الشرور المطلقة، على عكس “اليوتوبيا” أو المدينة المثالية الفاضلة.

في التعاطي التشكيلي مع عوالم “الديستوبيا”، التي تمثل فضاء كابوسيا ليس للخير فيه مكان، تستعير الفرشاة والألوان سمات الإبداع القصصي الأسطوري، لتسرد اللوحات بصيغة تصويرية بصرية حكايا واقع مشوّه وتفاصيل بشر منبوذين تحوّلوا إلى وحوش ضارية ومسوخ بغيضة في هاوية الانحطاط الشامل على كل المستويات.

وإلى هذه النزعة الديستوبية، المعروفة في الأدب والنادرة في الفنون التشكيلية، تنتمي تجربة الفنان المصري أحمد صبري في معرضه الأخير “حديقة الممسوخين الترفيهية” المنعقد حاليًا في قاعة المشربية للفن المعاصر بالقاهرة ويستمر حتى 16 من يونيو.

كيف يُمكن تَصَوُّر العالم إذا انتُزِعتْ منه العاطفة؟ سؤال تجيب عنه كائنات التشكيلي أحمد صبري الغرائبية ووجوهه التي قد تتقاطع من بعيد مع ذاكرة الآدميين، لكنها مرايا عصرية عاكسة للقسوة والتحجّر والتشوّه وانعدام الضمير وفقدان العناصر الإنسانية والمقومّات الحضارية.

كوميديا سوداء

Thumbnail

تمثّل لوحات معرض “حديقة الممسوخين الترفيهية” امتزاجًا بين الأبجدية البصرية لأحمد صبري (40 عامًا)، والأبجدية القصصية لكلمات الكاتب محمد عبدالكريم التي استوحاها الرسّام، فأطلق لفرشاته وألوانه العنان ليزور العصور الوسطى المظلمة، خالقًا مجموعة من الأعمال المنفتحة على التأمل وتقديم رؤية مختلفة للوقائع، والتعبير عن الأنماط والاتجاهات السلوكية الموجودة في الوقت الراهن لدى المجتمعات المتدهورة.

هذه التحوّلات المذهلة من الممكن أن تقود إلى سيناريوهات خطيرة يفقد فيها البشر تمامًا ذواتهم وخصائصهم، وقد تندلع صراعات دموية شرسة بين قطبين متناقضين، لكنهما غير متكافئين فسرعان ما يقهر أوّلهما الثاني دون رحمة، لأن الأول لديه القوة والجشع، ما يجعله يشعر باستحقاق التفوق والتملّك، في حين يندفع القطب الثاني إلى الاستسلام والتضحية بحريته رغمًا عنه لمجرد أنه الأضعف، وهكذا يصير العالم غابة مكتملة الأركان.

بالتنقل بين سلسلة لوحات المعرض المتتالية، تتجلى فكرة عروض “حديقة الممسوخين الترفيهية” التي يصوّرها الفنان كأنه يقدّم شريطًا سينمائيًّا تتابعيًّا لقصة مأساوية تنتمي إلى الكوميديا السوداء. فلقد شهدت الأيام الأخيرة، وفق سجلات هذه الحديقة الأسطورية البائسة، اهتمامًا متزايدًا بعروض المتحوّلين، وهم ليسوا المتحولين جنسيًّا، وإنما المقصود نوع آخر من التحوّل.

في تلك الحديقة يجري تنظيم عروض ضخمة لبعض المرضى من المصحات النفسية لصالح المؤسسات الحاكمة، ويتضمن جدول العرض أن يتقدم المريض إلى ساحة واسعة، بعدها يبدأ الأطباء في إثارة غضبه بالنظر إلى كونهم متخصصين ما يؤهلهم لمعرفة كل المثيرات التي من شأنها أن تغضب المريض وتحفّزه للصراخ والبكاء والانهيار.

ويستمتع الحضور بتلك العروض، ويعدّونها بمثابة ترفيه أسبوعي بعد عمل شاق، ومعظمهم من العائلات الثرية وبعض المسؤولين السياسيين وقادة الجيش والجاليات الأجنبية التي تعمل لصالح الحكومة والسلك الدبلوماسي.

تُبرز لوحات أخرى أكثر قتامة تحويل المرضى إلى أشباه حيوانات كالفيلة والقردة، وكائنات فضائية مبتورة الأطراف، فمن خلال عقاقير وعمليات جراحية دقيقة صار بالإمكان تحويل المرضى إلى مسوخ غريبة الشكل، الأمر الذي يساعد في جلب جمهور أكثر من سائر الأنحاء لمتابعة عروض مثيرة للضحك والمتعة.

ثم تطور الأمر ليطمع الجمهور في إتاحة اللمس واللعب والضرب للمرضى الممسوخين. وبدأت قنوات تلفزيونية في الاهتمام والترتيب، وتم بناء مناطق واسعة من الحدائق، تخصصت فيها بعض المباني كمستشفى به أطباء يمارسون أبحاثهم لتجربة تحويل المرضى.

خليط الدم والتراب

Thumbnail

في مبانٍ أخرى تنتشر مطاعم وكافيهات عالمية من حولها أقفاص حديدية يقف فيها بعض المرضى، حيث يستطيع الزائر أن يقدم لهم الطعام. ومسموح للزوار بالدخول إلى الأقفاص التي بها مرضى غير خطرين، كمبتوري الأطراف مثلًا، ولجأ مسؤولو الحديقة إلى إضافة أعمال ترفيهية جديدة، كتوفير أسلحة تطلق كرات حديدية صغيرة، يستخدمها الجمهور في إصابة المرضى والممسوخين حال خروجهم من أقفاصهم، ما يجلب المزيد من المتعة للأطفال، ويحصل الفائزون على جوائز بقدر إصابتهم للأهداف (أجساد المرضى المساكين).

تتكئ لعبة أحمد صبري في “حديقة الممسوخين الترفيهية”، كما في معارضه السابقة “الدخان الأبيض”، “قصص الزجاج المكسور” و”قصة الكركدن” على النصوص القصصية والأجواء الشعبية والفنتازية. وتتجاوز الصياغة البصرية للفنان حدود المشهد الحكائي المألوف، سواء في الشكل والمعنى والرمز، ما يزيد من مساحة التأويل ويفسح مجالات الصراع، وصولًا إلى معركة كبرى الحياة والموت، والتقدمية والرجعية، والتنوير والهمجية.

من خلال سيولة الألوان وذوبانها في بعضها البعض، تتلاشى الفواصل بين الأشكال، وتنصهر الحدود بين البشر والحيوانات والمسوخ والأشباح، ويتحول العبث إلى غاية، لكنه عبث لا يخلو من هدف، وتلك هي المفارقة، إذ ليست حديقة الفوضى إلا تنبيهًا وجرس إنذار وصرخة تحذير من المصير المشؤوم لهذا العالم إذا استمر البشر على ما هم عليه من تطاحن وانتهازية، ولم يتداركوا أخطاءهم بالرجوع إلى القيم والفضائل التي لا وجود لها في الحديقة الديستوبية المؤلمة.

تمادت لوحات أحمد صبري في إبراز ملامح القسوة والسوداوية في عروض “حديقة الممسوخين الترفيهية”، إذ صارت للحديقة شهرة عالمية حتى أصبحت واحدة من أهم المعالم السياحية المليئة بالزوّار ومقدمي البرامج التلفزيونية ونجوم السينما والمشاهير.

كما في معارضه السابقة تتكئ لعبة الفنان في "حديقة الممسوخين الترفيهية" على القصص والأجواء الشعبية والفنتازية

 وبسبب قلة عدة المرضى مقارنة بأعداد روّاد الحديقة، امتلأت الصحف بإعلانات عن الحملة القومية لإحصاء المرضى العقليين والنفسيين بالدولة، وانطلقت حملات توعية تحث المواطنين على تسليم أبنائهم وأقاربهم للإدارة العامة للحديقة، فهذا المشروع ليس مجرد مصحة، وإنما هو بمثابة “صرح” يقام على جهود باحثين وأكاديميين وقيادات سياسية أيضًا، ويحمل هدفًا قوميًّا بتدعيم الاقتصاد من خلال السياحة لتستعيد الدولة مكانتها.

بلغت المأساة ذروتها بتصوير امتلاء الحديقة والمناطق المجاورة لها بالأطفال والشباب والعجائز المرضى عقليًّا الذين اقتادهم أقاربهم، وبعضهم يرقص وسط طوق من مواطنين يصرخون فرحين ويصفقون محاولين زيادة جرعة المرح، فيحاول أحدهم مثلًا الإمساك بمريض، وربط قدميه وصفعه بشدة، بينما المريض يحاول أن يقاوم.

وزادت جرعة المرح والضحك عندما أصبح معظم المرضى يرقصون، بينما يبكون ويصرخون، وأجسامهم شبه عارية مغطاة بمعجون ما هو إلا خليط الدم والتراب. وقد سيطرت تلك الألوان الدموية والترابية والطينية على لوحات المعرض التصويري القصصي، الفريد في فكرته وأسلوبه.

14