"حديقة خلفية" لأشرف أبو اليزيد تنعش الذاكرة المصرية

السبت 2014/03/22
"حديقة خلفية" لأشرف أبو اليزيد رواية تفاصيل الواقع

لندن – يبدأ الروائي أشرف أبو اليزيد روايته “حديقة خلفية” بفصل تمهيدي للأحداث، أسماه “جنة بلا ناس”، يشرح خلاله ملامح حياة السيد كمال، أحد أعيان دلتا مصر، والّذي كان ينتمي إلى صفوف الضّباط الأحرار، ويصف أبو اليزيد بؤس حياة السيد كمال بسبب وحدته بعد وفاة زوجته التي لم ينجب منها، وقد قارب الخمسين من عمره، الأمر الذي يجعله يعوّض تلك الوحدة بزياراته المتكررة لشقيقتيه المتزوجتين على نواح مترامية من الدلتا.

يستفيض كاتب الرواية في وصفه لحالة البؤس التي يعيشها السيد كمال بسبب الوحدة، ويحكي عن جيرانه قائلا: إنهم يلاحظون حنانه الزائد تجاه الأطفال، فكلّما يمرّ طفل من أمام حديقته التي يجلس بها وحيدا، يراه الجيران ينحني لكل طفل عابر ويطبع قبلة على جبينه ثم يعطيه ورقة نقود، فيمصمص الناس شفاههم حسرة على وحدته ويقولون فيما بينهم "جنة بلا ناس ما تنداس".


خريف الغياب


أما في الفصل الثاني “خريف الغياب”، فيصور الكاتب مشهد صلاة العيد في إحدى قرى دلتا مصر، وانتظار فقراء القرية لوقوف السيد كمال ليقوم بتوزيع الأضاحي عليهم – كعادته كل عام، إلاّ أنه يتأخر وتزداد الشكوك والتكهنات حول سبب غيابه، وهنا يبدأ التصاعد الدرامي لأحداث الرواية، وفي هذا الفصل تظهر شخصيات أخرى عديدة منها؛ الحاج السمنودي والحاج وزوجته الحاجة آمنة، جمال القطار، وشخصيات أخرى تبدأ في الظهور أثناء ملابسات اختفاء السيد كمال عن مشهد صلاة العيد – كغير عادته كل عام !.

بأسلوب مليء بالجماليات يستعرض أشرف أبو اليزيد تفاصيل المعيش المصري زمن ثورة 23 يوليو

الوصف التفصيلي لسيناريو شخصيات الرواية ومواقفهم، يعد أمرا يستحق الثناء، فهو يصف المواقف والمشاهد كأنك تشاهد فيلما سينمائيا، فضلا عن حبكة الجمل الحوارية.

طبقا للرواية، يحتار الناس في سر غياب السيد كمال، ويضربون أخماسا في أسداس، منهم من يقترح إرسال رسول إلى منزل شقيقة السيد كمال في الإسكندرية للسؤال عنه ومعرفة سر غيابه، وآخر يتقدم باقتراح آخر لمعرفة سر غيابه، أحد الحضور تطوع بإرسال صبي إلى منزل أحد أقارب السيد كمال في القناطر الخيرية، وعرف أنه لم يزرهم منذ حوالي شهر، وفي صلاة العشاء اصطف الجميع وبدؤوا في الدعاء للغائب بسلامة العودة، وينتهي هذا الفصل بظهور السيد كمال في منزله، مشهد لأحد أبناء القرية، ويدعى ظاظا، يحاول البحث أيضا عن السيد كمال فيتسلق سور “فيلّته” ويهيّأ له أن السيد كمال بالداخل يتحدث ّإليه، ثم يعزمه لاحتساء الشاي معه وينتهي المشهد.

“شتاء العشق”، هو عنوان الفصل الثالث من الرواية، وخلاله تنتقل الأحداث إلى قرية أخرى، موجودة بالدلتا أيضا، هي قرية دملو، حيث اعتاد محمد الكيلاني، بائع الصّحف، وابنه مجدي أن يجلسا في كوخ صغير بجوار محطة قطار بنها، الابن مجدي ينصرف لممارسة عمله كمهندس زراعي في مشتل يملكه بطل الرواية، طبعا السيد كمال ما يزال متخفّيا عن أهل القرية.

العمل في المشتل يوميا، لفترة طويلة، كان سببا في اقتراب المهندس الشاب مجدي محمد الكيلاني من السيد كمال وصارا صديقين، واختاره السيد كمال ليحكي له مذكراته، وبدأ مجدي ينصت ويسجل بينما يحكي له السيد كمال ذكريات جميلة، بعضها بعيدة باهتة بحكم الزمن، إلى أن انتهى من تسجيل المذكرات، وكان بين كلّ فقرة وأخرى يقول للمهندس مجدي بابتسامة : “الورد اشتاق لك يا ابني”.

اكتملت المذكرات التي حكى فيها السيد كمال بتلقائية، ثم طلب من المهندس مجدي أن يحمل تلك المذكرات ويسلّمها إلى الحاج السمنودي، الحقيقة أنّها لم تكن مذكرات فقط، وإنّما كانت مرفقة بمبالغ مالية يطلب توزيعها على بسطاء القرية، يريد السيد كمال أن يبتعد عن القرية لحاجة في نفسه، لذلك أشاع أنّه في أوروبا، بينما هو لايزال بالقرية، ولكن لا يخرج إلاّ في أوقات متأخرة.


ربيع السفر


الفصل الرّابع من الرواية عنوانه “ربيع السفر”، ويتحدث خلاله الكاتب أشرف أبو اليزيد عن سفر المهندس عبدالحفيظ ابن الحاج السمنودي إلى الكويت، وما يزال يتساءل حول اختفاء السيد كمال، وهل سافر فعلا؟ في هذا الفصل يسيطر على الروائي أشرف أبواليزيد، ما يعرف بخيال المكان أو أدب المكان، فالعديد من البلدان حاضرة، بداية من دلتا مصر باعتبارها محرك الأحداث، ومرورا ببلدان يسافر إليها أشخاص، لهم أدوار رئيسيّة وثانويّة، في الرواية، مثل لندن وبعدها جدّة التي يسافر إليهما سعود الفهد، للحصول على بعثة دراسية في الأولى (لندن) وزواج في الثانية (جدّة).

الرواية تحوي خمسة فصول


صيف العودة


الفصل الخامس والأخير عنوانه “صيف العودة”، بالتأكيد هي عودة السيد كمال المختفي منذ الفصل الثاني، يبدأ هذا الفصل بالمهندس مجدي وهو يعتني بالمشتل الّذي يملكه – الحاضر الغائب – السيد كمال، وبينما يراقب مجدي هاتفه المحمول إذ يجد أنّ السيد كمال يتصل به ويطلب مقابلته عند القناطر، في مكان بعيد لا يراه فيه المعارف، وبالفعل ذهب المهندس مجدي للقائه فوجد معه ابنة أخته كاميليا، الّتي تحدثت كثيرا عن رياضة اليوجا وفوائدها لتنقية النفس من شوائب الحياة، كانت كاميليا تحمل كتبا عن الثقافة الهندية.

وبعد قليل طلبت من المهندس مجدي أن يصمم لها حديقة على شكل تاج محل، كانت تتحدث بينما يتأملها المهندس مجدي ويتذكرها حين كانت طفلة تلهو في مشتل والدها، ثم شعر برغبته في الزواج منها، وطلب يدها فوافقت ووافق خالها “السيد كمال” أيضا، واتفقوا على أن يكون الزفاف في البيت القديم، سيكون زفاف إذن وفي نفس الوقت عودة للظهور العلني بالنسبة للسيد كمال، ولأنه من أنصار ثورة 23 يوليو لعام 1952، فقد اختار هذا التاريخ ليكون هو نفسه يوم الزفاف، بعدها تطول الحكايات بين مجدي وزوجته كاميليا، يحكي لها عن أول لقاء جمعه بخالها السيد كمال في معرض الزهور، وبينما هو يحكي تفاصيل تلك الذكريات كانت كاميليا تتأمله بقدر كبير من الإعجاب .


نهايات مأساوية


بأسلوب مليء بالجماليات، يستعرض مؤلف الرواية أشرف أبو اليزيد، استعدادات القرية ليوم الزفاف، 23 يوليو، ورغم أنّ المهندس مجدي الكيلاني، هو العريس الرّسمي، إلاّ أنّ السيد كمال بدا وكأنّه العريس الفعلي.

التفّ حوله الناس لمعانقته وتقبيله، وسط كل هذه الأجواء المبهجة يفاجأ عبدالحفيظ – إحدى شخصيّات الرواية – بخيانة زوجته له، فيرتكب جريمة قتل، تنقلب بعدها الدنيا رأسا على عقب، ثم تزداد الأمور والأحداث توترا بعد اكتشاف كاميليا أنّ جزءا كبيرا من الذهب الخاص بها تعرّض للسّرقة في مكان لم يدخله سوى زوجها المهندس مجدي، ثمّ تتواتر أنباء حول مقتل السيد كمال، بطل الرواية، لتزداد الأمور قتامة، ويختتم المؤلف أحداث روايته بمشهد التّحقيق مع الزّوج المتهم، المهندس مجدي، وهو جالس يتمتم بكلمة واحدة هي اسم زوجته “كاميليا”.

17