حد الردة في أرض السودان

الاثنين 2014/05/19

مرّة أخرى، وتحت جنح الصمت الرّهيب والخذلان الكئيب، يداهمنا صدى أخبار الإعدام شنقا بدعوى تطبيق “شريعة الإسلام” في أرض السودان أو ما بقي منها، شريعة النّميري والترابي والبشير وكل من تبعهم بجهل أو ببهتان.

قبل بضعة أيام، تحديدا يوم 15 مايو 2014، أصدرت إحدى محاكم الجنايات في الخرطوم حكما بالإعدام شنقا في حق طبيبة سودانية. هي، كانت خلال جلسة النطق بالحكم لا تزال تصرّ على أن اسمها الحقيقي هو مريم يحيى إبراهيم، كونها “مسيحية” المنشأ لجهة الأم المسيحية التي عاشت معها، وكانت المحكمة تصرّ في المقابل على مناداتها باسم أبرار الهادي محمد عبدالله، كونها “مسلمة” الأصل لجهة الأب المسلم الذي لم تعش معه. وفي كل الأحوال، أيا كان اسمها “الرسمي” وديانتها “الأصلية” فكل ذنبها في الأخير أنها أحبت مسيحيا، واعتنقت المسيحية، وتزوجت الرجل الذي أحبته على سنّة أبناء آدم وحواء، وأنجبت منه أطفالا. كلمات قليلة بنبرة رعناء قالها القاضي ثم أغلق الملف: “أمهلناك ثلاثة أيام للعودة إلى إيمانك، لكنك أصررت على عدم العودة إلى الإسلام، وأحكم عليك بالإعدام شنقا”.

أبرار، أو مريم، أو أيا كان الاسم، هي امرأة حامل، وأم لطفل لا يتعدّى عمره سنتين، يرتقب أن تُشنق بعد الوضع، وربّما بعد فترة من الرضاعة، ويا لرحمة الشريعة المفترى عليها! وفي كل الأحوال ستُعدم شنقا جرّاء تهمتين: اعتناق المسيحية، والزّواج من رجل غير مسلم. ولذلك، فضلا عن تهمة الردة (وفق المادة 126 من القانون الجنائي السوداني) فإنها متهمة بالزنا أيضا (وفق المادة 146)؛ فقد اعتبرت المحكمة مولودها من رجل مسيحي غير شرعي، وحملها من رجل مسيحي غير شرعي، وزواجها من رجل مسيحي غير شرعي. حتى وإن كان مثل ذلك مباحا للرّجل المسلم! الحظ التعس أن يكون المرء امرأة في ديار شريعة الرجم والجلد.

فعلا، رفضت المتّهمة طلب الاستتابة، رفضته بقوة وإصرار، رفضته بشهامة وإكبار، رفضته لأنها مقتنعة بأنها لم تقترف أيّ ذنب يستدعي التّوبة والاعتذار؛ ورفضته لسبب آخر، إن الاستتابة هنا لا تعني فقط إعلان العودة إلى الإسلام، وإنما تعني أيضا التنكر للزوج “غير الشرعي!” والتنكر للأبناء “غير الشرعيين”، والتنكر لكل القيم والأعراف الإنسانية. وهذا ما رفضته الدكتورة أبرار وأصرّت على رفضه حتى وهي تواجه الحكم بالإعدام شنقا.

لسنا نملك أمام هذه النازلة المزلزلة سوى أن نصدح بالقول: إننا باسم إسلام الأحرار، إسلام الفطرة والحرية والكرامة، إسلام لا “إكراه في الدين”، إسلام “هذا يوم المرحمة وليس يوم الملحمة”، إسلام “الذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله…” نعلن تضامننا المطلق مع الدكتورة مريم أو أبرار أو أيا كان اسمها الرسمي، وأيا كانت ديانتها الأصلية؛ ذلك أن القضية هي نفس القضية: محنة حرية الاعتقاد في أرض السودان.

أبرار أو مريم أو أيا كان الاسم.. سلام لكِ، سلام عليكِ، سلام أنتِ حتى مطلع فجر الحرية.

كاتب مغربي

9