حذر مصري يقابله استعراض تركي للقوة في إدارة الأزمات

النظام المصري لم يبدل آليات تعامله مع الأزمات التي تهدد الأمن القومي وحافظ على ضبط النفس ولم يلوح باستخدام الأدوات العسكرية رغم مخاوفه من التحركات التركية.
الاثنين 2020/02/17
أنقرة تحشر أنفها في كل القضايا

في الوقت الذي يجنح فيه النظام المصري إلى إبداء قدر كبير من المرونة في التعامل مع الأزمات، والتعامل مع قوى متناقضة ومتعددة متجنبا بذلك المواجهة المباشرة، يبدي النظام التركي، بقيادة رجب طيب أردوغان، ميلا واضحا إلى تبني حلول انتهازية وحبا لاستعراض القوة، سواء كان ذلك في الأزمات البسيطة أو المشاكل المستعصية، ولعل التقلب في التعامل صعودا وهبوطا مع الأزمة السورية خير مثال على ذلك.

القاهرة- تلجأ بعض القوى الإقليمية إلى تحقيق أهدافها بالأدوات العسكرية أوالدبلوماسية أو الاثنتين معا. وتشهد منطقة الشرق الأوسط حالات مختلفة للنماذج الثلاثة بدرجات متفاوتة. تتقدم أو تتأخر كل حالة حسب مجموعة ضوابط تتحكم في آليات تفكير كل نظام، ومدى القدرة على بلورة رؤية واضحة للتعامل مع الأزمات ليصل إلى النتيجة المرجوة من أقصر أو أبعد نقطة.

يمكن قياس هذه الفرضية من خلال تجارب عدة في المنطقة، وما أفضت إليه التوجهات والإجراءات العامة من حصيلة في خانة المصالح التي أنجزها النظام الحاكم.

وتشير في مجملها إلى طبيعة المكونات التي يتشكل منها المشروع الاستراتيجي أو التكتيكي الذي يتبناه أي نظام، ويعتقد أنه كفيل بتمكينه من بلوغ أغراضه.

استعراض القوة

تظل التجربة المصرية ونظيرتها التركية بكل تفاعلاتهما كاشفتين لكثير من المعاني والمضامين التي تمخضت عن الممارسات التي اتخذت حيال عدد من الأزمات الإقليمية. مع مراعاة أن كل توجه سلكته القاهرة أو أنقرة يعبر عن فحوى الأفكار المتحكمة في محتوى القرار السياسي، حربا أم سلما، والسلوك الذي جرى الاعتماد عليه للحفاظ على مصالح الدولة من وجهة نظر الطبقة الحاكمة.

لدى النظام المصري عقيدة غير مؤدلجة أضفت عليه قدرا كبيرا من المرونة عند إدارة الأزمات ذات الصلة المباشرة أو غير المباشرة بالدولة، ومكنته من الانفتاح على دوائر كثيرة، والتعامل مع قوى متعددة ومتناقضة أحيانا، بعيدا عن الرغبة في أو الاستعداد للصدام، وامتلاك مرونة واسعة لتغليب الوسائل الدبلوماسية في حل المشكلات.

أدت غلبة الطابع العقائدي على النظام التركي بقيادة رجب طيب أردوغان إلى تفضيل منهج استعراض القوة لمواجهة الأزمات البسيطة والمستعصية التي تواجهه، وعكسها، أي التراجع، عندما يضيق الخناق وترتفع الضغوط عليه. ولعل الصعود والهبوط في التحركات إزاء الأزمة السورية يبيّن الطابع الانتهازي للنظام الحاكم في تعاطيه مع القوى الكبرى.

تفضيل منهج استعراض القوة لمواجهة الأزمات البسيطة والمستعصية
تفضيل منهج استعراض القوة لمواجهة الأزمات البسيطة والمستعصية

كما كشفت العلاقة الوطيدة بين أنقرة والقوى الإسلامية المتشددة عمق الاعتماد على المكون الأيديولوجي في التعاطي مع الأزمات المتفجرة، وجعلها واحدة من مكونات تنفيذ السياسة الخارجية، وتقنينها كأداة للضغط والمساومة، ونشر عناصرها في دول مختلفة ضمن حزمة تصرفات وضعتها في مقدمة الآليات التي تعتمد عليها أنقرة. ولم تراع حجم الارتدادات الناجمة عن سلوك يتناقض مع القوانين الدولية التي تناهض الجماعات والتنظيمات الإرهابية التي تعلي من شأن العنف وتمارس القتل على الدين والمذهب والطائفة والهوية.

لجأت القاهرة إلى النأي عن التدخل مباشرة في كثير من الأزمات الإقليمية. ومع أن هذه الطريقة جنّبت النظام المصري الوقوع في فخاخ سياسية وأمنية بسبب السيولة التي تتسم بها الكثير من التوترات، غير أنها أُخذت عليه كزاوية معبرة عن التردد والحذر والتريث الزائد عن الحد، وفوتت جملة من الفرص كان يستطيع، حال تجاوبه وانخراطه بحسم في بعض الأزمات، جني مكاسب من ورائها، في مقدمتها ممارسة دور نشط طال غيابه، والتصدي لغطرسة أنقرة التي وجدت في الفراغ الإقليمي فرصة للتمدد.

بالغ النظام التركي في تدخلاته العسكرية من سوريا إلى العراق والسودان والصومال وقبرص وشرق البحر المتوسط وأخيرا ليبيا. كما استغل الحاجة القطرية بعد المقاطعة العربية وأنشأ قاعدة عسكرية في الدوحة، وأظهر دعما كبيرا لقيادتها السياسية مكنته من التغلغل في كثير من المناحي الأمنية. ولم يبد حرصا في التعاطي مع الأزمات الإقليمية بالطرق السياسية.

انسجمت الخطوات التركية في تغليب القوة مع اتجاه بدأ يسود المنطقة وتتنامى ملامحه، وجد فرصته في انتشار الصراعات والنزاعات التي وفرت مناخا مواتيا للخشونة.

سياسة الحذر

فتح التفاخر بالتدخل العسكري في ليبيا الباب أمام انتقادات إقليمية ودولية متباينة، وضعت التصورات التركية تحت المجهر
فتح التفاخر بالتدخل العسكري في ليبيا الباب أمام انتقادات إقليمية ودولية متباينة، وضعت التصورات التركية تحت المجهر 

وسايرت تركيا موجة تكاد تتطابق مع أفكارها التي تبدلت من تصفير الأزمات مع دول الجوار إلى تسخينها ومضاعفة تشابكاتها، باعتبارها طريقة يمكن لأردوغان عبرها إظهار القوة وممارسة أقصى ضغوط على الدول التي ترفض الاستجابه لمطالبه.

أوحت سياسة حل الأزمات بالقوة أن هناك رغبة تركية للتنصل من ضوابط المجتمع الدولي، ورفض الخضوع لتوازنات القوى الكبرى فيه، لكنها لم تستبعد التوصل إلى صفقات وحدوث إنحناءات كلما هبت رياح عاتية من روسيا أو جاءت عواصف ترابية من الولايات المتحدة، أو كشرت دول الاتحاد الأوروبي عن أنيابها. وهو ما جعل الحصيلة التي وصلت إليها أنقرة في الأزمات التي استخدمت فيها منهج القوة خاسرة تقريبا.

لم يتمكن النظام التركي من تثبيت أقدامه في سوريا، رغم تدخلاته السافرة والشروع في تشييد منطقة حدودية آمنة. وتشي معارك إدلب الأخيرة إلى التخلي نسبيا عن المساندة المباشرة للتنظيمات المتطرفة هناك، وصدام غير مستبعد مع موسكو، وحدوث انقلاب في التفاهمات والاتفاقات السابقة معها.

فتح التفاخر بالتدخل العسكري في ليبيا الباب أمام انتقادات إقليمية ودولية متباينة، وضعت التصورات التركية تحت المجهر بعد توالي تقديم الأدلة التي أكدت إرسال أنقرة لسفن تحمل معدات عسكرية وآلافا من المتشددين إلى طرابلس.

كما أن دبلوماسية البوارج الحربية في التعامل مع الخلافات التركية مع دول شرق المتوسط، أخفقت في تغيير المواقف السلبية تجاه أنقرة، بل شجعت على المزيد من التكتل، وتسريع خطوة تشكيل منتدى لدول منطقة شرق المتوسط، ودعمه من جانب قوى دولية كبرى، والانتباه لكل تحرك عسكري تقدم عليه تركيا مقصودة به أو غير مقصودة هذه المنطقة.

لا لسياسة الخشونة

في المقابل، لم يبدل النظام المصري آليات تعامله مع الأزمات التي تهدد الأمن القومي وحافظ على ضبط النفس، ولم يلجأ أو حتى يلوح باستخدام الأدوات العسكرية. فرغم مخاوفه من التحركات التركية، ودعمه المعلن للجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، إلا أنه تجنب إرسال قوات على الأرض، ولم يتبدل خطابه بشأن مساندة الحلول السياسية في ليبيا، ومواجهة الإرهابيين والمرتزقة وكل العصابات والميليشيات المسلحة، وتمسك بأن تكون جهود تسوية الأزمة جماعية وليست فردية.

لم تتزحزح القاهرة عن المنهج الدبلوماسي في أزمتها مع إثيوبيا بسبب سد النهضة، وسلكت طرقا عديدة للوصول إلى نقطة تنهي الأزمة رضائيا. وفي وقت كانت فيه المناورات المصرية تجوب البحرين المتوسط والأحمر كتأكيد على الجاهزية الحربية، لم يدل أي مسؤول مصري بتصريح يؤكد إمكانية التدخل عسكريا في ليبيا، أو ردع التجاوزات التركية في شرق المتوسط بالصواريخ، أو بلوغ الخلاف مع إثيوبيا درجة الصدام واللجوء لخيار الخشونة.

كشفت العلاقة الوطيدة بين أنقرة والقوى الإسلامية عمق الاعتماد على المكون الأيديولوجي في التعاطي مع الأزمات المتفجرة

نجحت القاهرة في كسب ثقة المجتمع الدولي، وخسرت أنقرة جانبا كبيرا من هذه الثقة حتى لو كانت أقدمت على تصرفات بضوء أخضر من قوى كبرى. تمكن النظام المصري بقيادة عبدالفتاح السيسي من تثبيت أقدامه في السلطة وقوّض نشاط التنظيمات الإرهابية، بينما تتسرب المياه السياسية من بين يدي أردوغان وجماعته بعد تنامي الخلافات وتزايد الانشقاقات داخل حزب العدالة والتنمية، وارتفاع درجة التهديد الذي تمثله المعارضة في الانتخابات المقبلة.

قطعت القاهرة شوطا كبيرا في الإصلاحات الاقتصادية والمشروعات التنموية وبدأ الجنيه المصري يستعيد عافيته، وتراجعت أنقرة اقتصاديا وفقدت الليرة التركية الكثير من قيمتها، ولم تعد البلاد مكانا جاذبا للسياحة والاستثمار، حيث ألقى حل الأزمات الخارجية بالآليات العسكرية بظلال قاتمة على كثير من الأوضاع الداخلية، ما يعزز خسارة المنهج التركي مقابل المنهج المصري.

6