حرائر الشام سبايا في سجون الأسد

السبت 2014/01/25
الاغتصاب سلاح النظام السوري للقضاء على الثورة

ليال، ليست كغيرها من الفتيات والسيدات السوريات اللواتي يفضلن عدم الكشف عما جرى معهن في المعتقل خوفا من نظرة المجتمع والفضيحة. وتقول المعتقلة السورية السابقة إن “التستر على ممارسات قوات الأمن السوري من تحرش واغتصاب يمثل فرصة لهم للقيام بالمزيد من تلك الانتهاكات والممارسات”.

اُعتقلت ليال (اسم مزيف) في دمشق 8 أغسطس 2012 على حاجز سانا (عناصر عسكرية وأمنية تقف بالقرب من وكالـة الأنبـاء السورية الرسميــة في منطقة البرامكـة وسط دمشق)، عنـدما كانت تعمل مع فرق الإغاثــة.

وتنحدر ليال من محافظة حمص (وسط سوريا)، حيث انتقلت مع أختها إلى دمشق لمساعدة النازحين في تأمين السكن من شقق وغرف في فنـادق دمشــق في أعقـاب الهجمات العسكريـة على حمص وموجة النزوح.

وكانت ليال وشقيقتها (نورا) قد عملتا على دفع مبالغ الإيجار للسكن وإبرام العقود والتنسيق مع النازحين والمستأجرين والداعمين، وجراء عملهما مع فرق الإغاثة كانـتا تتقاضيـان الأمــوال من المجلس الوطني السـوري ومنتـدى رجـال الأعمـال السوريـين.

بدأت ليال (20 سنة) رحلة التحرش اللفظي، بعد دقائق من اعتقالها، من ألسنة قوات الأمن السورية، فتم اقتيادها إلى “الفرع 215 للمداهمة” في منطقة كفرسوسة حيث “المربع الأمني” كما يسمى، وبعد أن علمت من سيدة معتقلة تكبرها بـثلاثة عقود بأن هنالك “تفتيشا كاملا”، قامت بتحطيم وهضم 4 قارئات ذواكر (USB) وعدد من القصاصات الورقية مدون عليها أسماء النازحين ومناطق إقامتهم.


في المعتقل


تقول ليال إن “رجال الأمن انهالوا عليّ بالضرب المبرح عندما وجدوا في حقيبتي الشخصية مبلغ ستة آلاف ليرة سورية (ما يعادل 60$)”. وتساءلوا “كيف لفتاة صغيرة أن تحمل كل هذا المبلغ كمصروف شخصي؟ واتهموني بأنني أتقاضى أموالا من الخارج لكي أخرج في المظاهرات”.

وتضيف “قام أحدهم بجري إلى غرفة تحتوي على المئات من المصاحف (القرآن الكريم) و”اللاب توبات” (حواسب شخصية)، ثم طلب مني خلع ملابسي بذريعة حيازتي قطعا من السلاح تحت ملابسي”.

سأل السجان ليال عما جرى معها في الطابق الثالث، فردت عليه: (انظر إلى ملابسي وما عليها ستعرف ما فعلوه بي)

اعتراض ليال على طلب رجل الأمن السوري دفعه إلى تهديدها بطلب المساعدة من رفاقه في الخارج، فنفذت أمره تحت التهديد، وبدأ رجل الأمن يتحسس شعر الفتاة بكفيه وتمرير أصابع يديه بين خصلاته، وأجبرها على تنفيذ طلبه بالدوران حول نفسها عدة مرات كما قالت.

الذلّ والانهيار العصبي والبكاء بدأ يجتاح ليال بقوة، لكن لم يجد استعطافها داخل مبنى "فرع 215" بل استمرت محاولة التحرش الذي استخدموه حسب قولها بمثابة سلاح داخل الفروع الأمنية والعسكرية التابعة للنظام السوري.

نقلت ليال بعد تفتيشها إلى غرفة المحقّق الذي ركع أمامها وهي جالسة على كرسي وقام “بتقبيل يديها” وعند رفضها الاستجابة له، انهال عليها بالضرب قائلا لها “الآن أحسست بشرفك وعرضك؟”، وضمها إلى جسده عدة مرات.

في غرفة المعتقل، تعرفت ليال على ثلاث فتيات، ورأت اسم أختها نورا المعتلقة قبلها وتاريخ اعتقالها وخروجها مكتوب على جدران الزنزانة “عادة ما يخطها المعتقلون على حوائط زنزاناتهم”، وكانت إحدى الفتيات قد أخذت رهينة حتى يسلم والدها وأخوها نفسيهما للأجهزة الأمنية.


مصير المعتقلات


تشترط المعارضة السورية السياسية الإفراج عن المعتقلات منذ إطلاق أولى المبادرات السياسية لإيقاف النزاع العسكري بين الطرفين من قبل معاذ الخطيب، الرئيس الأسبق للائتلاف السوري، وقايضت الفصائل العسكريــة المعــارضة الأسرى الإيرانيين الـ 48 المختطفين في فبـراير في العام 2012، واللبنانيين التسعــة في أكتوبر في السنــة ذاتهــا بالسيدات المعتقــلات.

ولكن قبل أن يطلق سراحها، طلب المحققون من الفتاة العشرينية أن تعترف بتبني "تفجيرات القزاز" (جنوب دمشق) وقتهـا كمدبـرة للعمليـة التي استـهدفت فرعـا أمنيـا في المنطقــة، إلا أنهـا لـم تعتـرف بتلـك التهمـة رغـم الضغـوط التـي مـورست عليهـا.

هددوها بنشر صورها العارية على مواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة لابتزازها، والاعتراف أمام شاشاتهم بما يريدون، كانت تقول للمحقق “اُنشروا صوري فكل من يعرفني يدرك أنني معتلقة عندكم، وأنت من قمت بذلك وليس أنا”.

وعما جرى مع الفتيات الأخريات من تحرش أو اغتصاب تقول ليال: “الفتيات لم يتحدثن في هذه الأمور أبدا خوفا من أهلهن وتسترا على أعراضهن”، مشيرة إلى أن “غالبية الفتيات يتعرضن لهذه الانتهاكات على يد المحققين والعناصر الأمنية والعسكرية بشكل من الأشكال”.


المخابرات اعتبرتهن سبايا حرب


لم تخفِ ليال “تعاطف بعض السجانين” مع الفتيات في المعتقل، سواء أكان في دمشق أم حمص عندما نقلت إلى هناك، لكن أكثر ما كان يزيدها غيظا هو قول بعضهم لهن: “أنتن سبايا، أسيرات حرب، أنتن ملك لنا”.

فتيات كثر يكتمن ما حصل معهن في المعتقلات خوفا على سيرة عائلاتهن وشرف آبائهن

والبعض منهم (السجانون) يقع في حب الفتيات ويجاهر بذلك ويستمع إلى الأغاني الرومانسية ويسمعها للفتيات، ومنهم من يسمح للمعتقلات بالوضوء والصلاة. وكان أحد السجانين من بلدة “تل كلخ” يبكي سرا كلما سنحت له الفرصة في غياب زملائه ويتوعد “بالانشقاق قريبا”.

جاء أمر نقل ليال، بعد 26 يوما قضتها في "فرع 215" الذي كان عناصره يقومون بشراء الملابس لمن تشاء منهن، ولكن كانت تلك الملابس تأتي مخالفة لما كانت تطلبه الفتيات لأنها “بضائع مسروقة يبيعونها داخل الأفرع الأمنية” على حد تعبير ليال.

قال لها العسكري عندما دخلت السيارة العسكرية “أنت ظلمت الوطن الوطن أم.. الوطن تسامح..”، كبّرت ليال: “الله أكبر” أملا في قرب الإفراج، فرد العسكري: “لكنها تعاقب”.


من سجن إلى آخر


قضت الفتاة ثلاثة أيام في فرع الشرطة العسكرية بدمشق على سبيل الإيداع، دون أن يقدم لها أحد أي طعام، إلى حين نقلها مع مجموعة معتقلين إلى حمص.

كونها فتاة وحيدة مع مجموعة شباب معتقلين، سيوزعون على طول الطريق على المقرات العسكرية والأمنية كل حسب تهمته، أجلسوها في مقدمة السيارة الأمنية إلى جانب صف الضابط والسائق.

نقلت وكالة "آنا برس" عن ليال قولها: “كلما نزل الضابط ليسلم الأمانات (مصطلح يقال عن تسليم المعتقلين إلى مكان فرزهم بعد التحقيق) كان السائق يسألني عما جرى معي لكي يطمئن إلى عدم اغتصابي”.

يقسم السائق لليال بأنه "عندما نقلت الفتيات من سجن طرطوس حلفوا ميت يمين (أقسموا اليمين) بأن كل خمسة عناصر كانوا يدخلون على الفتاة الواحدة لاغتصابها في سجن طرطوس". ثم طلب السائق منها أن تعطيه رقم هاتف أرضي أو جوال لأحد أقاربها لكي يخبره بمكان وجودها ويطمئنه على حالها.
رجال النظام هددوا ليال بنشر صورها العارية على مواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة لابتزازها، والاعتراف أمام شاشاتهم بما يريدون

استمرت الرحلة حتى وصلت ليال إلى “فرع 281 للمخابرات العسكرية” في حمص، وهي سعيدة، حيث قضت طفولتها وبداية شبابها، وما إن دخلت إلى "فرع 281" حتى استقبلتها “فلك” وهي “معتقلة” وتعمل لصالح المخابرات العسكرية سرا في استدراج الفتيات إلى قول الحقائق وعملهن في الثورة حيث تعاملهن معاملة الأم والأبنة. وكانت ليال قد سمعت بسيرة “فلك” من الفتيات المعتقلات في فرع "215" لتأخذ حذرها منها.

طلبت “فلك” من المعتقلة الجديدة خلع ملابسها فاعترضت ليال، لكنها رضخت للأوامر بعد جدل، قائلة: إن "الفتيات الخمس أدرن وجوههن، وطلبت مني فلك القيام بحركات الأمان وهي جلوس ووقوف عدة مرات، وبعد أن ارتديت ملابسي عادت فلك لتطلب نفس الطلب، لأن العناصر يريدون التأكد من قيامي بخلع ملابسي ورؤية ملابسي مع فلك، فرفضت ولكنها قالت لي إذن العناصر سيأتون ليقوموا بالمهمة، حينها رضيت بالواقع".

قالت الفتيات لليال إن “العناصر الأمنية يتمتعون بالمشاهدة ونحن نقوم بهذه العملية المذلة، فهم يشاهدوننا من هذا المنور (شباك صغير في أعلى الزنزانة) ويتابعون التفاصيل، وروين لي قصة فلك رغم علمي المسبق بها”.

كانت ليال تعامل “فلك” كوالدتها وتسترخي في حضنها لكسب ودها ولتنقل ما قالته في تحقيقات دمشق لضباط التحقيق، بعدها تعرضت الفتاة السورية للتعذيب بشتى أشكاله في حمص وخاصة “الشبح” وهو تعليق الأشخاص من أيديهم بسقف الغرفة لساعات طويلة.


الاغتصاب سياسة أمنية


كان قد تم استخدام الاغتصاب في الصراع السوري، الذي بدأ على شكل احتجاجات سلمية في مارس من العام 2011 وسرعان ما تحول إلى نزاع مسلح بين المعارضة والنظام، كسلاح للقضاء على الثورة، وكان سببا من أسباب فرار آلاف العائلات من منازلها إلى دول الجوار. حسب لجنة الإنقاذ الدولية.

أحد السجانين من بلدة (تل كلخ) بكى سرا من هول ما يجري في المعتقل

رأت ليال سيدة حاملا أسقطت جنينها بفعل “الشبح” لأنها كانت تتعرض لمحاولات اغتصاب من ضابط التحقيق وهي مكبلة. وتقول ليال: “في كل التحقيقات وعمليات التعذيب كنت معصوبة العينين كما الباقي، وعندما يئس مني ضابط التحقيق في أن أعترف بتفجيرات القزاز قام بمحاولة التحرّش بي”.

”في ليلة رأس السنة للعام 2013 في منتصف الليل طلبوني للتحقيق، وكان نفس الضابط مع صديق له، وطلب مني الاستحمام بالماء الساخن، فصرخت في وجههم رافضة، فخرج الضابط الذي تحرّش بي وبقي رفيقه، الذي قيدني على السرير العسكري على شكل الصليب وقام بإرهابي عن طريق تمثيل الاغتصاب حتى انهارت أعصابي”.

رجعت ليال وهي منهارة تماما تذرف دموع الذل والعجز، فسألها السجان عما جرى معها في الطابق الثالث، فردت عليه ليال: “انظر إلى ملابسي وما عليها ستعرف ما فعلوه بي”. تـم إطـلاق سـراح ليال في ينايــر من العام 2013 فـي إطار صفقة تبادل حوالي 2126 معتقلا ومعتقلة سوريين مقابل 48 إيرانـيا تم اختطافهم من قبل كتائب المعارضـة المسلحة في يونيـو.

14