"حرائر تونس" من رائدات التحرر إلى جهاديات متشددات

الخميس 2015/03/19
فتيات جامعيات في مقتبل العمر يخضعن لعمليات غسيل دماغ ويلتحقن بالتنظيمات الإرهابية

تونس - أضحت مسألة تأثّر الفتيات التونسيات بالأفكار الجهادية والتحاقهن بالجماعات المتطرفة سواء داخل تونس أو خارجها، ظاهرة خطيرة في بلد يعدّ رائدا في مجال حرية المرأة وتفتّحها وتعليمها. والأعداد الكبيرة للفتيات الملتحقات بصفوف الجهاديين يعتبر تهديدا كبيرا لمكاسب المرأة التونسية، وخطرا على المجتمع. “العرب” تغوص في عمق هذه الظاهرة، مع بعض الفتيات اللواتي عشن التجربة، بحثا عن كيفية تحول فتيات في مقتبل العمر، بعضهن متفوقات في دراستهن الجامعية، إلى فاعلات (بعضهنّ قياديات) في عالم صناعة الموت.

تتردد إيناس م. منذ عامين على مكتب أخصائي نفساني بشارع جمال عبدالناصر، وسط العاصمة التونسية، حيث تخضع لحصص معالجة من اضطرابات نفسية حادة. وتتناول يوميا حبوبا مهدئة للتخفيف من حالات الهيستيريا التي تنتابها بعد تجربة “أمرّ من العلقم” عاشتها مع زوجها الجهادي “مراد ج” الذي أجبرها أولا على ارتداء النقاب ثمّ أجبرها ثانيا، عام 2013، على السفر معه إلى سوريا، حيث انضمّت بالإكراه إلى تنظيم “الدولة الإسلامية”، في إطار ما يسمى بـ”جهاد النكاح”، لتعود إلى تونس في سبتمبر 2014، ممزقة الأرحام بعد أن تداول عليها أكثر من 100 جهادي من مختلف الجنسيات، لتجد نفسها مشرّدة في شوارع العاصمة بعد أن طلقها زوجها ورفضت عائلتها عودتها إليها.

خطت إيناس، الّتي تنحدر من عائلة معدمة تقطن بحي “دوار هيشر”، شمال غرب العاصمة تونس، أولى خطواتها نحو الجماعات الجهادية المتشددة وثقافة صناعة الموت عام 2012 في سنّ لا تتجاوز الـ15 سنة لمّا أحبت شابا أفقدها عذريتها وتخلّى عنها لتجد نفسها تصارع حالة نفسية صعبة دفعتها إلى التردّد على مساجد الجهة (بحثا عن سكينة ما) التي تعد معقلا من معاقل الجماعات الجهادية، أين تعرّفت على شاب سلفي جهادي وتزوجت منه عرفيا بعد أن “هربت” من عائلتها لتعيش معه في بيت يحتوي على غرفة واحدة بنفس الحي.

ظاهرة الإرهاب شهدت تحولا نوعيا خطيرا من خلال استقطاب الفتيات في شبكات مسلحة ومنظمة

وفي يناير 2013 أجبرها زوجها الجهادي على السفر معه إلى سوريا في فترة تحولت فيها تونس إلى مصدّر كبير لآلاف الشباب المحبط والعاطل إلى الجماعات الجهادية التي تقاتل في سوريا، مع تساهل مريب من حكومة الترويكا (بقيادة حركة النهضة الإسلامية) آنذاك، التي فتحت البلاد أمام دعاة السلفية واستخفت كثيرا بخطورتهم على مجتمع تحكمه التعاليم الإسلامية المعتدلة وفق المذهب المالكي الأشعري.

ووفق اعترافاتها خلال تحقيقات الأجهزة الأمنية معها، دخلت إيناس دمشق في نفس الشهر من نفس العام و”هي مقتنعة أشد الاقتناع بالمشاركة في الجهاد ومحاربة أعداء الإسلام” بعد أن تعرّضت إلى “عمليات متكررة” مما يعرف بـ”غسيل الدماغ”.

وبعد أن سلّمها زوجها إلى شيخ سوري “كان مسؤولا عن تجنيد الجهاديات من جنسيات عربية وأجنبية لتنظيم جبهة النصرة”، انزلقت في “مستنقع الدعارة على يد عجوز سورية تدعى أم حسن تنظّم حصص جهاد النكاح للمقاتلين”.

خلال عشرة أشهر تحوّلت إيناس إلى وعاء لـ”المتعة الجنسية”، جاهزة في أي وقت لمقاتلي جبهة النصرة، حيث تداول عليها بشكل وحشي أكثر من 100 مقاتل من جنسيات مختلفة تونسية وجزائرية وسعودية وسورية ومالية، حتى أصيبت بنزيف حاد وتمزق خطير بأرحامها، فتخلّى عنها “الجهاديون” بعد أن أصبحت “عاجزة عن الجهاد” (بمفهومهم) وعادت إلى تونس في أيلول 2014 بعد أن فتكت بها حالات الاضطراب النفسي والهستيريا.

تعد إيناس، التي هزّت قضيتها مختلف فئات المجتمع التونسي من الأعماق، واحدة من بين 300 جهادية تونسية وفق إحصائيات وزارة الداخلية، التحقن بالمجموعات المتشدد المسلحة سواء خارج البلاد في صفوف “جبهة النصرة” و”تنظيم الدولة الإسلامية” في سوريا والعراق، أو داخل تونس في صفوف “جماعة أنصار الشريعة” أو “كتيبة عقبة بن نافع” التابعة لتنظيم داعش، بعدما أعلنت مبايعتها لأبي بكر البغدادي.

وتقول السلطات الأمنية التونسية إنّ التنظيمات الجهادية نجحت خلال السنوات الثلاث الماضية في تجنيد أكثر من 300 فتاة تتراوح أعمارهن بين 15 سنة و35 سنة. وتحولن إلى “إرهابيات بعد أن تعرّضن إلى عمليات غسل دماغ من قبل جهاديين تونسيين في مساجد الأحياء الشعبية التي تهيمن عليها شبكات تتولى تسفير الشباب إلى سوريا”.

تشدد في مجتمع ينبذ العنف وثقافة الموت
كيف يتم تجنيد الجهاديات؟

* يعتبر الزواج أبرز الطرق وأقصرها لاستقطاب الفتيات وتجنيدهن. وأغلب عقود الزواج تكون عرفية وهو زواج غير معترف به في تونس.

أين تنشط شبكات التجنيد؟

* إلى جانب المساجد، هنالك مخاوف جديّة من اختراق الإرهاب للمؤسسات التربوية والتعليمية. ويلاحظ الخبراء أن شبكات التجنيد تنشط في المدارس الثانوية، وتستقطب الطالبات الجديدات في الجامعة.

كم عدد الفتيات في الجماعات المتشددة؟

* وزارة الداخلية التونسية تقدّر عدد “الجهاديات” بحوالي 300 جهادية تونسية، بينما يقول المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل أن عدد “الإرهابيات” التونسيات يتراوح ما بين 500 و700 إرهابية تتراوح أعمارهن بين 15 سنة و35 سنة.

ماهي الدوافع؟

* في بعض الحالات، يكون الفقر والتهميش الاجتماعي هما الدافعان للانضمام إلى التنظيمات المتشدّدة. لكن، في حالات كثيرة من الفتيات اللاتي تم اكتشاف التحاقهن بالتنظيمات المتشدّدة، طالبات ينتمين إلى الطبقة المتوسّطة، أي أن المستوى التعليمي والاجتماعي لعائلاتهن جيد ويضمن لهن حياة كريمة وواعية.

من المسؤول؟

*يحمّل الخبراء الفضائيات الدينية مسؤولية كبيرة في محاولة تشويه الإسلام في تونس. ثم بعد 2011 تولّت مواقع التواصل الاجتماعي وحلقات المساجد مهمة غسيل الأدمغة”.

لكن لا ينفي الخبراء أن “ظاهرة الجهاديات التونسيات” تعد “مؤشرا قويا على هشاشة وضع المرأة التونسية المنحدرة من الفئات الفقيرة والمهمشة والأمية اجتماعيا وثقافيا”.

كذلك تمّ جرّ العشرات من الفتيات إلى مستنقع الإرهاب بعد أن تورّطن في الزواج من العناصر الجهادية أو إقامة علاقات معهم، وتعرضّن بعد ذلك إلى التهديد بواسطة تسجيلات فيديو أو صور إباحية التقطت لهنّ، ولم يجدن من طريق أمامهن سوى الإذعان للابتزاز والانضمام إلى المجموعات الجهادية.

وتبدو إحصائيات وزارة الداخلية بالنسبة للمؤسسات ومراكز البحوث المعنية بظاهرة الإرهاب غير دقيقة، حيث يقدر المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل أنّ عدد الإرهابيات التونسيات يفوق العدد المصرح به بكثير، وهو يتراوح ما بين 500 و700 فتاة، بعضهن يقاتلن في صفوف الجماعات الجهادية.

بدايات تأنيث صناعة الموت

لم تكن علاقة المرأة التونسية بالتنظيمات الجهادية بجديدة على السلطات الأمنية ولا على الخبراء ولا حتى على نشطاء المجتمع المدني، حيث تسلل الإرهاب إلى المجتمع النسوي التونسي منذ بداية الثمانينات.

في ذلك الوقت، سافر العشرات من التونسيين، بعضهم كان مرفوقا بزوجاته، إلى أفغانستان للقتال إلى جانب تنظيم القاعدة ضد قوات الاتحاد السوفييتي من 1979 إلى 1989. ثم تدفق خلال التسعينات المئات من التونسيين على أفغانستان وأسسوا عام 2000 ما يعرف بـ”الجماعة التونسية المقاتلة”. وقادت “معايشة المناخ الجهادي” إلى بدايات انتشار “ثقافة صناعة الموت” لدى عدد من النساء التونسيات مع ظهور الجماعات السلفية التي اشتدّت شوكتها منذ الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في يناير 2011.

وبدأ “تأنيث” صناعة الموت يتسلل إلى المجتمع التونسي من خلال “تأنيث” تشدد ديني غريب عن التونسيات، من أبرز مظاهره انتشار النقاب وتكفير غير المنقّبات وإجبار المرأة على البقاء في البيت، وعدم المشاركة في الحياة العامة، واستفحال الزواج العرفي الممنوع قانونيا، في تزامن مريب مع ظهور خطاب تكفيري يبثّ الكراهية والحقد، بعد استيلاء السلفيين على المئات من منابر المساجد وتحويلها إلى ما يشبه “مراكز غسل الدماغ والتنشئة على ثقافة الجهاد” والتبشير بـ”تطبيق الشريعة” على غير المنقبات.

ولم يكن التونسيون يتوقعون أن تجنيد الجهاديين للفتيات بلغ حدّ إسنادهن مراكز قيادية في تنظيمات عنقودية تنشط في إطار تكتم شديد وسرية أشد. لكن إعلان وزارة الداخلية يوم 14 أكتوبر 2014، أنّها فكّكت الجناح الإعلامي لتنظيمي كلّ من “أنصار الشريعة” (المصنّف تنظيما إرهابيا) و”كتيبة عقبة بن نافع”، وأنّ رئيس ذلك الجناح هي طالبة جامعية تدرس اختصاص الطب تدعى فاطمة الزواغي، وتبلغ من العمر 20 سنة، أكّد أن الجهاديات التونسيات بتن يتموقعن في مراكز قيادية حساسة.

وأكدت وزارة الداخلية آنذاك أنّ الجناح الإعلامي للتنظيمين المتشددين تترأسه الزواغي التي عيّنها أبو عياض في ذلك المركز بعد أن اعتقلت السلطات الأمنية المشرف على الجناح الإعلامي عفيف العموري. واضطلعت الزواغي بدور في غاية الخطورة حيث كانت تؤمن العلاقة والتواصل بين التنظيمين عبر الوسائل الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي. كما كانت على علاقة مباشرة بكل من أبي عياض ولقمان أبو صخر (قائد كتيبة عقبة ابن نافع)، واعترفت بأنها قامت باستقطاب العديد من الشّباب وعددا منهم قد تحوّل إلى مرتفعات جبال الشعانبي.

وقالت الزواغي خلال التحقيقات إنها “ارتدت النقاب بعد ثورة يناير” و”اقتنعت به كلباس شرعي وحيد من خلال فتاوى الدعاة التي تلقتها عبر الفضائيات الدينية”، و”أنّها تأثرت بكتب أبي قتادة الفلسطيني وأبي محمد المقدسي وبدعوات الجهاد التي يبثها الدعاة السلفيون على مواقع التواصل الاجتماعي”. من ثمّة “تبنت فكرة الخلافة وتطبيق الشريعة الإسلامية وكفرت بالديمقراطية وأصبحت لا تؤمن بالدولة والدستور والقوانين”.

ظهور الإرهاب المؤنث

بعد 10 أيام فقط من تفكيك الجناح الإعلامي، أي يوم 24 أكتوبر 2014، استفاق التونسيون على أخطر عملية إرهابية نفذتها “كتيبة عقبة بن نافع” التابعة آنذاك لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي قبل مبايعتها لتنظيم “الدولة الإسلامية”، شاركت فيها 5 نساء حملن أسلحة الكلاشنكوف خلال الاشتباك مع قوات الأمن.

جهاديات في مراكز قيادية
فاطمة الزواغي، ترأست الجناح الإعلامي لتنظيمي “أنصار الشريعة” و”كتيبة عقبة بن نافع”، قبل القبض عليها. وهي طالبة جامعية تدرس الطب، عمرها 20 سنة. ومن أبرز ما جاء في اعترافاتها أنها لا تعترف بالدولة والدستور والقوانين. وأنها كانت على علاقة مباشرة بأبي عياض.

وأضافت ”أنّها تأثرت بكتب أبي قتادة الفلسطيني وأبي محمد المقدسي وبدعوات الجهاد التي يبثها الدعاة على مواقع التواصل الاجتماعي”. وبحسب الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية التونسية كانت فاطمة “تعمل على تجنيد الشباب عبر الفضاء الافتراضي وإلحاقهم بالإرهابيين”.

وعكست تلك الخلية التي كانت مؤشرا قويا على “ظهور الإرهاب المؤنث” مدى قدرة الجماعات الجهادية على اختراق النسيج الاجتماعي، حيث تم تجنيد الفتيات من جهات مختلفة من البلاد سواء من داخل العاصمة أو من الضواحي أو من المحافظات، الأمر الذي رأى معه الخبراء أنّ “ظاهرة الإرهاب شهدت تحولا نوعيا خطيرا من خلال استقطاب الفتيات في شبكات مسلحة ومنظمة”.

وتلقى التونسيون “صدمة قوية” بعد اكتشافهم أنّ ثلاثا من بين النساء الخمس هن طالبات، كنّ متفوّقات في دراستهن الثانوية والجامعية، غير أنّ “عمليات غسل الدماغ” أقنعتهن بأنهن “يدرسن علوما لا تنفع وأن الطريق إلى الله هو طريق الجهاد”، ما أثار مخاوف جديّة من أنّ الإرهاب اخترق المؤسسات التعليمية التي يراهن عليها المجتمع في نحت جيل مثقف ثقافة مدنـية متشـبعة بقيم الحداثة.

وإثر “غزوة” وادي الليل “النسوية بامتياز”، هددت جماعة نسائية تطلق على نفسها “حرائر تونس” بـ”تنفيذ عمليات انتحارية” في تونس، واصفة إياها بـ”دار الكفر”، ووجهت الجماعة “نداء استغاثة” خطير لأبي بكر البغدادي، وناشدته قائلة “أين أنت يا خليفة المسلمين ممّا يحدث لنا، يوجد الآلاف منّا ممن يرغبن في تنفيذ عمليات انتحارية، إننا نريد التسليح.. اخترقوا حساباتنا، ومنعونا من السفر، نريد الانتحار حتى لو أخذنا معنا قتيلا واحدا، لا تخذلنا يا خليفتنا”.

ولم تكن صدمة التونسيين بـ”تولي الفتيات التونسيات مراكز قيادية حساسة في أخطر التنظيمات الجهادية” معزولة عن “تسونامي جهادي” ينخر المجتمع التونسي، يغذيه الانفلات الأمني وتردي الأوضاع المعيشية وتنامي الإحباط في صفوف الشباب.

وأعلنت السلطات الأمنية في يناير 2015 أنها منعت أكثر من 10 آلاف شاب وفتاة من السفر إلى سوريا للالتحاق بمقاتلي تنظيم “الدولة الإسلامية” بعد أن نجح أكثر من 3 آلاف شاب وفتاة من الالتحاق بالتنظيم خلال السنوات الثلاث الأولى من ثورة يناير 2010، أصبح العشرات منهم يتبوأ مراكز قيادية متقدمة في التنظيم، فيما أظهرت تقارير إستخباراتية أن تونس تتصدر قائمة البلدان المصدّرة للإرهاب.

ومع هيمنة الجماعات المتشددة الليبية على مناطق من ليبيا وخاصة المعابر الحدودية، تزايدت عمليات تجنيد الفتيات التونسيات ضمن أكثر من 180 خلية تضمّ كل خلية ما بين 5 و7 أفراد من بينهم فتيات تتراوح أعمارهن ما بين 18 و30 سنة، تلقى بعضهن تدريبات عسكرية في معسكرات بمدينة درنة، حيث يشرف أبو عياض على ثلاث معسكرات مخصّصة لتدريب مقاتلين ومقاتلات تونسيين لتفتح على الحدود الجنوبية الشرقية لتونس واجهة خطيرة لظاهرة الإرهاب استغلّها المئات من الجهاديين للتسلل إلى داخل البلاد عائدين من سوريا والعراق.

وقد نفّذت مجموعة إرهابية تضم 20 مقاتلا، من بينهم 5 فتيات لا تتجاوز أعمارهن 25 سنة، بعضهن تلقى تدريبات في ليبيا، عملية إرهابية استهدفت عناصر من الأمن التونسي يوم 17 فبراير 2015 بمنطقة بولعابة في محافظة القصرين وراح ضحيتها 4 عناصر من الحرس الوطني.

التونسيون لم يتوقعوا أن تصل درجة تجنيد الجهاديات حد إسنادهن مراكز قيادية في تنظيمات تنشط في سرية تامة

مكاسب المرأة على المحك

ترجع المنظمات النسوية الناشطة في مجال مكافحة الإرهاب، تنامي “ظاهرة الجهاديات التونسيات” إلى “انسحاب الدولة” من فضاءات المجتمع، الأمر الذي فتح المجال واسعا أمام الجماعات الجهادية لتستغل الأوضاع المتردّية للمرأة التونسية وانسداد الآفاق أمامها لتزجّ بها في مستنقع “صناعة الموت” وتضرب مكانة المرأة التونسية التي راهنت عليها تونس كعنوان للحداثة وكحاملة للقيم المدنية التي ترفض التشدد الديني، في العمق.

ويقول الأخصائيون الاجتماعيون إن “المرأة التونسية التي تحررت خلال العقود الماضية من سطوة الثقافة التقليدية باتت تتطلع إلى أدوار متقدمة في مراكز القرار تعبر عن مكانتها وقدراتها، وفي ظل عجز الأحزاب السياسية على استقطابها وفتح الآفاق أمامها للمشاركة في الحياة العامة، إضافة إلى تفشي الفقر والأمية لدى بعض الفئات، تجد المرأة نفسها مضطرة للتعبير عن رفضها للواقع خارج الأطر المشروعة، وتلتجئ كرها لا طوعا إلى أطر غير مشروعة مثل التنظيمات الجهادية، في محاولة للتعبير عن ذاتها”.

ويشددون في نفس الوقت على أنّ “ظاهرة الجهاديات التونسيات تعدّ مؤشرا قويا على هشاشة وضع المرأة المنحدرة من الفئات الفقيرة والمهمشة والأمية اجتماعيا وثقافيا”، لافتين إلى أنّ “قوة الجماعات الجهادية” تكمن في قدرتها على “استغلال” ذلك الوضع للقيام بعمليات غسل دماغ تقود إلى التغرير بعدد من النساء من خلال إقناعهنّ بأنّ “الطريق السليم” للانتفاض على الواقع أو الانتقام منه هو “طريق الجهاد”.

7