حراك العراقيين وإطلالات غرامشي

الجمعة 2015/08/21

أن يهتفَ العراقيون “إيران برّا برّا.. بغداد تبقى حرة”، فذلك يعكسُ مضموناً للاحتجاجات في العراق يخفيه الإطارُ الشكلي لها. فإذا ما كانت التحركاتُ الشعبية مطلبية تتحرى أداء ناجعاً للمؤسسات الحكومية، وتمثّل غضباً على وباء الفساد المستشري في السلطة، فإن تحوّل مسارات التظاهرات إلى وجهة سياسية لاحقة، قد يضعُ النظام الحاكم، برمته، في حرج وجودي أصيل.

لم تكن التظاهراتُ التونسية التي انفجرت إثر حادثة محمد البوعزيزي سياسيةً تطالبُ بإسقاط النظام، لكنها سرعان ما تحوّلت وأفضت إلى ما أفضت إليه. أمرُ ذلك ينطبقُ على الحالة المصرية حين وجدَ الشارع نفسه متورطاً في السعي لإسقاط نظام حسني مبارك بعد أن كان سقف المطالب السياسية لا يتعدى محاربة التوريث. والأمثلة في العالم كثيرة حول مآلات ما هو مطلبي يتعلق بدواء وكهرباء، إلى ما قلب الأمور رأسا على عقب فقامت بعده الديمقراطيات أو الدكتاتوريات.

يتحدثُ البعض عن “ربيع العراق” رغم كوارث هذا الربيع على العرب. يرفض آخرون هذه التسمية ذلك أنهم يعتبرون أن بلادَهم كانت سبّاقة في إطلاق ربيعها حين أُطيح بنظام صدام حسين. في ذلك أن العراقيين يتضامنون في ما هو مشترك في العيش والخوف والقلق، لكنهم منقسمون في قراءة تاريخهم الحديث وبالتالي عيش حاضر سياسي مشترك.

يأتي حراكُ العراقيين خارج أي سياق سياسي مرتبط بمشهد المنطقة. العالم قلقٌ من تطوّرات ليبيا، فيما العرب يناقشون سيناريوهات التدخل العسكري. والعالم منقسمٌ حول الشأن السوري، بما يمنحُ المأساة السورية حيوات جديدة لإنتاج الكوارث. والعالم منشغلٌ في عواصمه لوقف حمى داعش التي ما برحت تتنامى مهددة بـ”بقاء وتمدد”، حتى أن داعش نفسه وما يمّله من خطر في العراق، كان يجب أن يكون كابحا لأي احتجاج شعبي قد يعتبر غير موات في زمن المعركة الكبرى ضد البغدادي وقومه.

ما يحصلُ في الشوارع العراقية يعيد ضبط الساعة على توقيت عراقي لا يكترث لأجندات المنطقة، خصوصا تلك التي استجدت منذ الاتفاق الدولي مع إيران. وما يحصلُ في الشوارع يعكسُ عدم قناعة العراقيين بأسطورة المعركة ضد داعش، لا سيما وأن التحقيق البرلماني يكشفُ أن المشهد، منذ سقوط الموصل، هو نتاجُ انهيار في مؤسسات الدولة وتخاذل، وربما تواطؤ، لقيادات البلاد التي كانت تمسك بتلابيب القرار في بغداد. وما يحصلُ في الشوارع يعبّر عن إدانة لكل الطبقة السياسية التي حكمت البلاد منذ الغزو عام 2003، وبالتالي إدانة، ربما، لكل العملية السياسية التي نتجت عن ذلك.

يلاقي رئيسُ الوزراء العراقي حيدر العبادي التحركات الشعبية في وسط الطريق. يستفيدُ الرجل بمهارة، من غضب الشارع ليعلن أن “رؤوساً قد أينعت وحان قطافها”، وهو الذي بدأ عهده بالكشف عن عشرات الآلاف من “الفضائيين” في جيش العراق. في ذلك يستعينُ العبادي بغطاء شعبي يكافحُ من خلاله ورم النظام السياسي المستعصي، فيتجرأ على الإطاحة بوجوه وقامات، ويسير قدما في قرارات إصلاحية، هي على جرأتها، ما زالت بعيدة عن معالجة لبّ العلَة ومكمن الداء (لاحظ استسلام الحكومة والبرلمان المرتبكيْن لتلك الإصلاحات).

في علم المنطق لنزقِ الشارع حدودٌ ينبغي ألا يتجاوزها. وفي علم المنطق لحيدر العبادي هامش مناورة لا يجوز أن يفيضَ عنه. وضمن تلك الحسابات المتقاطعة بين ما هو محليّ، وهو معقّد عسير الفهم، وبين ما هو إقليمي دولي لا يسمحُ للعراق بالتغريد خارج السرب المُعدّ، يجري الحدث العراقي في دائرة تحتملُ تسامحا، ويبقى العزف في الشارع محاصرا برعاية المرجعيات وتفهّم الزعامات.

يتجاوزُ العراقيون حساسياتهم المذهبية والقومية والعشائرية، تتحد الوجهات وتبتعدُ فرضيات قيام الأقاليم، وينفر حراكهم من هواجس تقسيم تبشّر بها فتاوى أميركية. في لحظة نادرة، منذ سقوط النظام السابق، تظهرُ شخصية عراقية، في نسيجها الكثير من المشتركات الجاهزة لبناء عراق واحد. وفي تلك اللحظة النادرة يترجلُ داعش في بغداد ويرتكب مآسيه، في ما يعيد طرح الأسئلة حول هوية التنظيم وأجندته كما الهوية الحقيقية لمن يقف وراءه.

يسارع داعش إلى تذكير العراقيين أنهم سنة وشيعة وأقوام أخرى، وأن معركةَ العراق ضد العدم ينبغي أن تلغي مسيرات الحياة. يقدمُ تنظيم البغدادي خدمات مجانية، وربما غير مجانية، إلى رموز وتيارات حكم تطالها حناجر المحتجين، كما يمحضُ داعش “التقسيميين” في الولايات المتحدة مصداقية للمضي في صلواتهم لتفتيت البلاد خلاصاً لأزمتها على ما يفتون.

لن نُستدرج إلى سذاجة رومانسية في التعبير عن الحراك الشعبي في العراق. فلا تشكيك في صدق المحتجين، لكن للحراك أجندة سياسية، سواء قررها المحتجون أو يضعها لاحقاً المتحكمون في راهن البلاد في الداخل كما في الخارج. لن يكون سهلا حرمان أهل النفوذ الذين تقاسموا الثروات من ذلك النفوذ، كما لن يكون سهلا حرمان المعارضين التقليديين للنظام السياسي من تلك الوظيفة لصالح معارضين غير تقليديين في خطابهم عبق ثورة ورياح تغيير.

لن تسمحَ إيران بضرب سطوتها على البلاد وأن تصبح “برّا برّا” كما يهتف الهاتفون. لن تسمح طهران بضرب رجالها وجماعاتها من قبل حراك سلمي خبرته في طهران عام 2009 وأجادت إجهاضه. ولن يسمح حكم الولي الفقيه باهتزاز هيبته في زمن قطاف ما بعد “فيينا”. سيكون على طهران أن تؤكدَ على لزومية دورها الدولي لمحاربة داعش. سيكون على طهران النفخ بالغول الداعشي في العراق ليصبح وجودها ضروريا لحماية “الأمن العالمي”، فهل لعمليات داعش في بغداد علاقة بالرغبات الإيرانية؟

لا نملكُ تأكيدَ ذلك ولا حتى التلميحَ له، لكننا بتنا في عصر الشفافية المعولم نعيشُ زمن تصديق أغرب الافتراضات. تلك الافتراضات التي اتّهمت حكومة المالكي بالتورط في فضيحة هروب جماعي للقيادات الجهادية من سجن أبو غريب، كما تلك التي اتهمت نظام دمشق بالإفراج عن القيادات الجهادية من سجونه فأنتجت جماعات تلو جماعات، كما تلك التي زعمت أن إيران ملجأً للقاعدة وأخواتها.

في ذلك أن العالمَ ما زال لا يريدُ قيام حكم مدني حديث في العراق. وإذا ما خطر للعراقيين أن يتجرأوا على الطموح بذلك فإن أولي الأمر، من واشنطن إلى طهران، الذين باركوا فَرَمان بريمر بإقامة نظام محاصصة طائفي سيتحركون لإعادة العراقيين إلى رشدهم وإنقاذهم من هذا “الجنون”. ذلك حال الأمر، إلا إذا قرر العراقيون جدياً الخروج بحال آخر. النواة الصلبة تكمن في ذلك “الإسلام السياسي الذي حكم العراق وكان نشطاً في تفريخ الفساد”. هكذا يرى البعض حقيقة العلّة العراقية. بعضٌ آخر لا يبتعد عن ذلك ويدعو إلى براغماتية تستدعي فكرة أنطونيو غرامشي لتأسيس “كتلة تاريخية” من المدنيين والدينيين لإنقاذ البلاد، هذا إذا كان مسموحا إنقاذ البلاد.

صحفي وكاتب سياسي لبناني

9