حراك "طلعت ريحكتم" في مهب الالتباسات القاتلة

الثلاثاء 2015/08/25

نزل المجتمع المدني اللبناني إلى الشارع بقيادة مجموعة “طلعت ريحتكم” تحت عنوان المطالبة بإيجاد حلول لأزمة النفايات التي تفاقمت ووصلت إلى حدود كارثية. هذا العنوان المطلبي المشروع لم يجد محلا له على أرض الواقع العملي، بل كان الغائب الأكبر عن مشهد ساحة رياض الصلح، حيث استبدل بسرعة لافتة بعنوان المطالبة بإسقاط النظام. اتخذ المتظاهرون صفة الشعب مباشرة، واختصروا كل مطالبهم في الدعوة إلى إسقاط النظام في محاولة لركوب موجة الربيع العربي.

طالب المتظاهرون بإسقاط الحكومة بوصفها نظاما، ولكنهم تجنبوا الإشارة إلى الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في اللافتات التي رفعوها للإشارة إلى الطبقة السياسية العفنة التي يريدون التخلص منها. اقتصر تمثيل حزب الله على وزير الزراعة حسين الحاج حسن، وهو شخصية غير قيادية في الحزب. لم يجرؤ المتظاهرون ولو على رفع صورة رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد، وانتقوا شخصية غير بارزة لتمثيل حزب الله، في حين احتلت صور قادة التيارات والطوائف الأخرى اليافطات.

يطرح هذا المعطى إشكالية العناوين والتباساتها، فالمتظاهرون الذين تجنبوا تناول نصر الله أو الشخصيات القيادية في حزب الله بأي شكل من الأشكال، يستبطنون وعيا يقر بشكل حاسم أن حزب الله هو النظام، وأن الحكومة ليست صاحبة السلطات، بل هي في موقع العاجز والمعطل. ما هو المطلوب إذن؟ هل المطلوب هو إسقاط الحكومة التي يعطلها النظام، ويبذل كل جهده من أجل شلها ومنعها من اتخاذ أي قرارات فاعلة؟

اللافت أن النظام الحاكم في لبنان، أي حزب الله، لا يريد إسقاط الحكومة، وكان قد عبر عن ذلك في مواقف صدرت عنه، ولكنه يريد استمرارها في حالة الشلل التام الذي يعتبر المسؤول الأول عنها.

حرص حزب الله على عدم الظهور في الواجهة مباشرة، ولكنه ترك المهمة للتيار العوني الذي سعى عبر ممثليه في الحكومة إلى تبني مطالب المتظاهرين باعتبارها مطابقة لمطالبه، وخرج وزراء التيار في الحكومة بتصريحات يعلنون فيها مواقف مناهضة للحكومة، قبل أن يعلن الجنرال ميشال عون، شخصيا، دعمه للتحرك.

اصطدم المتظاهرون بالقوى الأمنية، وبدا مشهد العنف العام غير مقبول، ولكنه لم يكن اعتداء من القوى الأمنية على المتظاهرين، كما حاولت القنوات التابعة للحلف الإلهي العوني تصويره، بل كان ردا على محاولة اقتحام السراي الحكومي وقطع الأسلاك الشائكة.

ليس مقبولا أن تطلق القوى الأمنية النار على المتظاهرين، ولكن كما هو حال كل شيء في البلد فإن مفردة القوى الأمنية لا تخضع لتعريف محدد وواضح، ما أدى إلى استحالة تحديد القوى التي أطلقت النار. لا تخضع جميع القوى الأمنية لوزارة الداخلية وتأتمر بأوامرها، كما أن الجميع يعلمون أن السلاح في لبنان ليس محصورا في القوى الأمنية الرسمية، بل تكاد تكون هي القوى الأقل تسلحا.

اللافت كذلك أن أزمة النفايات لم تغب فقط عن التداول، بل بات الحديث عنها في سياق التطورات اللاحقة ممنوعا وهامشيا، فقد تعهد وزير الداخلية، نهاد المشنوق، في الحديث الذي أجرته معه قناة الجديد بإيجاد حل للنفايات في الجلسة المقبلة، وأكد أنه يتحمل مسؤولية كلامه. لم يوضع هذا الوعد في التداول بل تم التركيز على مطلب إسقاط الحكومة. ركبت قوى سياسية، من قبيل الوزير وليد جنبلاط، موجة الاستغلال السياسي وقام بتوجيه دعوات للوزير المشنوق بالاستقالة قبل أن يعود ويستدرك، ويعلن أن المظاهرات خرجت عن أهدافها، ويعيد التأكيد على تأييده لرئيس الحكومة تمام سلام.

تعاملت القوى السياسية المشاركة في الحكومة مع مطلب إسقاط الحكومة وكأنه ليس موجها ضدها ولكن فقط ضد رئيس الحكومة تمام سلام وما يمثله، وبذلك اتضحت طبيعة المشكلة وهوية الأطراف التي سعت إلى سرقة مطالب الناس وجرها إلى مجال تصبح فيه جزءا من حربها ضد الطرف الآخر.

رئيس الحكومة عقد مؤتمرا صحفيا إثر هذه الأزمة، أكد فيه أن المسبب لكل هذه الأزمات المفتوحة، والتي لا تقتصر على أزمة النفايات، كان هو الفراغ والعجز عن انتخاب رئيس الجمهورية، وشدد على أن كل من استعمل القوة سيحاسب، كما أعلن أن البلاد في طريقها إلى الدخول في حالة عجز عن دفع رواتب وفي أزمة مالية كبرى بسبب عدم القدرة على سداد متطلبات الدين العام.

سلام خاطب المتظاهرين قائلا “عندما تريدون إطلاق صرخة فإن عليكم إطلاقها في وجه جميع القوى السياسية وليس ضد فريق محدد. ليس لدي ما أخفيه عنكم، وأنا وإياكم يتم الاحتيال علينا”.

رئيس الحكومة أعلن كذلك أن جلسة الحكومة المقبلة والمقررة ليوم الخميس القادم ستكون جلسة مفصلية، حيث ستطرح فيها كل المسائل العاجلة والملحة، وفي حال استمر التعطيل فإنه لن يكون هناك سبب لبقاء الحكومة. سلام عبر أنه لا يمانع لقاء ممثلين عن المتظاهرين للاستماع إلى مطالبهم، ولكن الرد كان برفض اللقاء وتجديد الدعوات إلى إسقاط الحكومة.

اتضحت الأمور إذن، وفقد الحراك الشعبي شرعيته وعناوينه، فلا أحد يشك في أن إسقاط الحكومة لن يؤدي إلى إيجاد حلول لأزمة النفايات وغيرها، بل سيدخل البلد في حالة من الغيبوبة يصبح معها حل أي مشكلة مستحيلا.

يمكن تلخيص المفارقة التي يتمخض عنها هذا الحراك الذي يسعى لاتخاذ صيغة الاعتصام المفتوح والثابت في وسط المدينة، في مشهد يذكّر بمشاهد اعتصام جماعة حزب الله ضد حكومة فؤاد السنيورة، في أن المتظاهرين يريدون إسقاط الحكومة والإبقاء على النظام، أو إسقاط الحكومة لصالح النظام الذي اعترفوا بأنفسهم بأنه ممنوع المس به.

كاتب لبناني

8