حراك نقابي واجتماعي مُتصاعد في تونس

اعتصامات ومسيرات احتجاجية تعمّ مدن البلاد وسط تعطل الحوار بين الحكومة والنقابات.
الجمعة 2018/12/14
احتجاج متواصل

تونس - تعيش تونس أجواء نقابية وشعبية ساخنة تُنذر بتطورات اجتماعية خطيرة، بدأت ملامحها تتراكم على وقع الاحتجاجات المُتصاعدة، التي تشهدها غالبية مدن البلاد للمطالبة بالحدّ من غلاء المعيشة، والزيادة في الرواتب لمواجهة تدهور القدرة الشرائية لكافة الفئات الاجتماعية.

وبدأت دائرة هذه الأجواء تتوسع بسرعة باتجاه المزيد من التأزم، بعد أن اقتربت العلاقة بين النقابات المعنية بغالبية القطاعات العمومية والخاصة، والحكومة برئاسة يوسف الشاهد، من عتبة الانسداد الذي يحول دون التوصل إلى تفاهمات من شأنها احتواء حالة الغضب، والتأسيس لعقد اجتماعي جديد.

وعرفت البلاد خلال اليومين الماضيين، إضرابات واحتجاجات ومسيرات شعبية شاركت فيها مختلف الشرائح الاجتماعية، والفئات المهنية، وذلك في تحركات عكست حالة الاحتقان الاجتماعي، الذي يُهدد بانزلاقات خطيرة في قادم الأيام، بالنظر إلى عجز الحكومة عن تلبية جملة المطالب المطروحة أمامها للخروج من هذا المأزق الاجتماعي.

عبدالعزيز القطي: الأوضاع أصبحت قريبة من انفجار اجتماعي خطير
عبدالعزيز القطي: الأوضاع أصبحت قريبة من انفجار اجتماعي خطير

ونظم المحامون وموظفو المحاكم والأطباء والعاملون في قطاعات المهن الحرة الأخرى، الخميس، مظاهرات ووقفات احتجاجية في تونس العاصمة وبقية مدن البلاد، رفضا لما جاء به قانون المالية للعام 2019 من إجراءات ضريبية وُصفت بالمُجحفة، وللمطالبة بالزيادة في الرواتب، وإيجاد الحلول المناسبة لوقف تدهور القدرة الشرائية للمواطن.

وقبل ذلك، قام مدرسو التعليم الثانوي بمسيرات احتجاجية واعتصامات وسط العاصمة، وفي بقية مدن البلاد، وذلك قبل “يوم الغضب” الذي دعت إلى تنظيمه، الجمعة، النقابة العامة للتعليم الثانوي بعد أن دخلت في صراع مفتوح مع الحكومة منذ أكثر من أسبوع.

وقال النقابي أحمد المهوك، إن “موعد 19 ديسمبر سيكون مزلزلا للحكومة”، وأكد في كلمة ألقاها عقب مسيرة احتجاجية شارك فيها المئات من مدرسي التعليم الثانوي، أنه “لم يعد للمدرسين من خطوط حمراء بعد أن أصبح مستقبل المدرسة العمومية والتلاميذ مُهددا”.

وأعلنت التنسيقية الوطنية لحملة “السترات الحمراء” أنها ستكشف، الجمعة، عن برنامج الاحتجاجات التي ستُنظمها في سياق ما وصفته بـ”استمرار لنضال الشعب التونسي، وخطوة لاستعادة التونسيين كرامتهم وحقهم في العيش الكريم الذي سُلب منهم”.

وأكدت في بيان لها على “رفضها للواقع السائد رسميا، وتصميمها على الاحتجاج على غلاء المعيشة، وتدهور القدرة الشرائية، وذلك في كنف الالتزام بالاحتجاج المدني السلمي في التعبير عن الرأي”.

وأمام هذه التحركات الاجتماعية الاحتجاجية المُرشحة لأن تتفاقم خلال الأيام القليلة القادمة، بدأت الأحزاب السياسية تُعدل مواقفها على وقعها، حيث أعلنت حركة نداء تونس “استعدادها التام للدفاع عن مصالح الشعب وخاصة الفئات الهشة والطبقة الوسطى”.

واعتبرت في بيان لها أن الشعب التونسي “بدأ يفقد قدرته على الصمود أمام تدهور القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار والأزمة الاقتصادية”، التي تفاقمت بسبب “لامبالاة الحكومة واستمرارها في انتهاج سياسة الطرشان، والهروب إلى الأمام بعد توقف الوحدة الوطنية والوفاق الوطني”.

وأكد عمار عمروسية، النائب عن كتلة الائتلاف اليساري “الجبهة الشعبية”، أن الحكومة “أثبتت انحيازها إلى قلة من كبار الأثرياء، وارتهانها إلى الجهات والدوائر الأجنبية”.

واعتبر أن “البلاد على صفيح ساخن، ومختلف القطاعات مُنتفضة، والوضع على شفا موجة احتجاجات عارمة لا محالة”، ولم يتردد في المقابل في دعوة المواطنين إلى الخروج إلى الشارع في تحركات سلمية شعبية رفضا لهذا الواقع.

Thumbnail

أما غازي الشواشي، الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي، فقد أشار من جهته إلى أن الدعوات للنزول إلى الشوارع “تصدر اليوم من المعارضة ومن أحزاب في الحكومة على حد سواء”.

ودعا في المقابل إلى ضرورة “تأطير التحركات الاحتجاجية باعتبار أن الإرهاب ما زال يترصد بالبلاد”، مؤكدا في نفس الوقت على أنه من “واجب الحكومة الاستجابة لمطالب المواطنين والإصغاء لشواغلهم مع إسقاط كل حساباتها الانتخابية والذاتية الضيقة”.

ويُشاطر هذا الرأي عبدالعزيز القطي، القيادي في حركة نداء تونس، الذي قال “إن كل الدلائل التي تراكمت خلال الأيام القليلة الماضية، تؤشر إلى أن الأوضاع أصبحت قريبة جدا من انفجار اجتماعي خطير لن يكون بوسع أي كان تحديد أبعاده وانعكاساته على السلم الاجتماعي في البلاد”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، أن “بوادر هذا الانفجار واضحة للعيان”، مُعربا في نفس الوقت عن استغرابه من “صمت الحكومة وتجاهلها وعدم اكتراثها لما يجري”، ليخلص إلى القول إن هذه الحكومة “أصبحت عاجزة وغير قادرة على إدارة شؤون البلاد”.

ويُحذر متابعون من أن خروج المُحتجين والغاضبين إلى الشوارع والساحات، من شأنه تعميق الأزمة الراهنة في البلاد بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وجعلها تتدحرج إلى ما هو أعمق وأكثر عنفا وإحراجا للحكومة التي تواجه إكراهات مُتعددة، وإخفاقات راكمت الكثير من الهواجس في البلاد.

ولم يكن هذا التحذير معزولا عن سياقه السياسي، ولا هو خارج إطار الخطوات التصعيدية المُرتبطة بالأجندات النقابية المفتوحة على المجهول، لا سيما في ظل تعطل الحلول أو تأجيلها وربما ترحيلها، ما يعني أن أجواء الغضب والاحتقان باتت تُنذر بشتاء ساخن سيجعل حكومة الشاهد أمام اختبار جديد.

1