حرب أمنية مرهقة تنتظر العراق في مرحلة ما بعد داعش

تشوهات في العملية السياسية ما تزال تمكن للتشدد
استعادة تكريت والرمادي والموصل لا تعني نهاية التنظيم
السبت 2015/04/11
داعش حين ينهزم على جبهات القتال يتفرغ للتفجير في قلب المدن

بغداد - التفاؤل بقرب إنهاء سيطرة تنظيم داعش على المناطق العراقية تشوبه المخاوف من عودة البلد إلى مربع التفجيرات والهجمات الخاطفة والعمليات الانتحارية بفعل تحوّل عناصر التنظيم إلى عصابات وذئاب منفردة.

سقط أمس عدد من الضحايا بين قتلى وجرحى في أعمال عنف شهدتها العاصمة العراقية بغداد وذلك تزامنا مع تواصل المواجهات المسلّحة في عدد من مناطق العراق بين القوات الحكومية المدعومة من متطوعين، وعناصر تنظيم داعش.

وماتزال الحرب على التنظيم المتشدّد في العراق بعيدة عن الحسم النهائي رغم ما تحقّق من تقدّم بانتزاع مناطق من سيطرة التنظيم لا سيما محافظة ديالى، وأجزاء هامة من محافظة صلاح الدين، فضلا عن جيوب كان التنظيم سيطر عليها لفترة محدودة جنوب العاصمة بغداد.

وتم الأربعاء الإعلان عن بدء عملية عسكرية واسعة النطاق لإنهاء سيطرة داعش على مناطق محافظة الأنبار غرب العراق، فيما أعلن أمس رسميا عن تشكيل غرفة عمليات مشتركة بين القوات العراقية وقوات البيشمركة الكردية لاستعادة مدينة الموصل مركز محافظة نينوى والتي يتخذ منها تنظيم داعش مركزا رئيسيا.

ويرافق تقدّم العمليات العسكرية في العراق سؤال مركزي حول ما إذا كان انتزاع مناطق عراقية من يد داعش سيعني نهاية التنظيم وإقرار الأمن بشكل تام في البلد الذي عاش موجات متلاحقة من العنف تواصلت لأكثر من عقد من الزمن بعد سنة 2003 وحصدت آلاف القتلى والجرحى والمعوقين ومثلهم من اليتامى والأرامل.

تواصل الاشتباكات وسقوط قتلى في مناطق مستعادة من يد داعش يبين صعوبة إخماد جبهات الحرب بشكل نهائي

وإجابة عن هذا السؤال يرى خبراء أمنيون أن القضاء على داعش بحرب نظامية أمر مستبعد، مؤكّدين أنّ التنظيم يمتلك من المرونة ما يتيح له التحوّل بسرعة من قوّة كبيرة مسيطرة على الأرض ومحاولة إدارة كيان عليها يسميه “خلافة إسلامية”، إلى مجرّد مجموعات صغيرة تنفّذ حرب عصابات وتعمل باستمرار على استنزاف القوات النظامية بهجمات خاطفة، ومواصلة إرهاق الدولة بزعزعة الأمن عبر زرع العبوات وتفخيخ السيارات وخصوصا داخل المدن الكبرى على غرار ما حدث أمس في بغداد.

كما يلفت الخبراء إلى أنّ إخماد جبهات الحرب ضدّ تنظيم داعش في العراق بشكل نهائي بدا أمرا متعسّرا إلى حدّ الآن مستدلّين على ذلك بتواصل سقوط ضحايا خلال هجمات مازال التنظيم قادرا على شنها في مناطق أعلن بشكل رسمي عن استعادتها من قبل قوات الجيش والشرطة ومتطوّعي الحشد الشعبي، ومقاتلي العشائر.

وينطبق هذا الأمر على محافظة صلاح الدين حيث تمّ تسخير إمكانيات كبيرة بشرية ومادية لاستعادة مناطقها وخصوصا مركزها تكريت ذات الرمزية العالية. ورغم الترويج لانتصار ساحق على التنظيم، فإن المناطق المستعادة ما تزال تشهد هجمات يشنها عناصر داعش، أحدثها ما شهدته أمس بلدة الدجيل الواقعة جنوب تكريت حيث قتل 4 من أبناء عشيرة خزرج الشيعية، وأصيب 24 آخرون خلال صدّهم هجوما نفّذه التنظيم المتشدّد من أربعة محاور وقصف البلدة خلاله بالقذائف والصواريخ .

نجاة قادة عسكريين كبار من تفجير انتحاري قرب الرمادي
الرمادي (العراق) - قال صباح كرحوت رئيس مجلس محافظة الأنبار غربي العراق إن قائد شرطة المحافظة اللواء كاظم الفهداوي وقائد عمليات الجيش فيها اللواء قاسم المحمدي نجيا مع قادة آخرين في الجيش العراقي من تفجير استهدف موكبهم أثناء توجههم للمشاركة في استعادة السيطرة على منطقة البوفراج التي سيطر عليها داعش صباح أمس.

وأوضح كرحوت أن مركبة مفخخة يقودها انتحاري من داعش استهدفت موكبا يضم هؤلاء القادة الأمنيين والعسكريين ما أسفر عن إصابة 10 منهم ليس من بينهم الفهداوي ولا المحمدي.

وأضـاف أن أن كـلا من قـائد شـرطة الأنبـار وقائد عمليات الجيش فيها باشرا قيادة معركة البوفراج بعد نجاتهما من التفجير.

وفي شمال ذات المحافظة –صلاح الدين- أقدم التنظيم أمس على اختطاف مائة شخص من عشيرتي شمر والجبور في قضاء بيجي حيث ما يزال التنظيم يحكم سيطرته على عدد من المناطق التي تمكّن مقاتلوه من الانسحاب إليها بعد طردهم من تكريت.

ويترافق التفاؤل بقرب استكمال عملية استعادة المناطق العراقية من يد تنظيم داعش، بما فيها محافظتا الأنبار ونينوى، مع المخاوف، من دخول البلد في حرب أمنية طويلة ومرهقة بعد تفرّق عناصر داعش إلى مجموعات وخلايا صغيرة، وحتى إلى “ذئاب منفردة” أي أفراد يهاجمون مؤسسات الدولة وأفرادها والمتعاونين معها من المدنيين بشكل انتحاري.

وبعيدا عن المعطيات الأمنية يرى محللّون سياسيون أن الحياة السياسية في العراق وطريقة إدارة البلد ما تزال تنطوي على عيوب جوهرية تكرّس الإقصاء، خصوصا على أساس طائفي، الأمر الذي يسهل على المتشددين اصطياد أتباع لهم في الأوساط المهمّشة. وتقوم الحياة السياسية في العراق منذ سنة 2003 على المحاصصة الطائفية التي أفضت إلى سيطرة شيعة البلاد على المراكز القيادية في الدولة بمختلف قطاعاتها العسكرية والمدنية.

ويعترف مراقبون بمحاولة رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي التخفيف من الاحتقان الطائفي، إلاّ أنهم يرون أن قدرته على الذهاب بعيدا في ذلك تظل محدودة في ظل وجود مراكز قوى مؤثرة في القرار العراقي تعمل على إبقاء مقاليد الحكم بيد الطائفة الشيعية.

ولم تسلم الحرب على داعش في العراق من اعتبارات طائفية، خصوصا مع اضطلاع ميليشيات شيعية بدور كبير في الحرب وتمتّعها بدعم حكومي بالمال والسلاح وبغطاء سياسي في مقابل تهميش دور العشائر السنية والامتناع عن دعمها.

وازدادت الملامح الطائفية بروزا في تلك الحرب بفعل عمليات انتقامية وأعمال سلب ونهب مارستها الميليشيات الشيعية ضدّ سكّان بعض المناطق التي ساهمت في استعادتها من يد تنظيم داعش على خلفية اتهام هؤلاء السكان بالتواطؤ مع التنظيم لمجرّد كونهم من أبناء الطائفة السنية. وعلى هذه الخلفية يأتي الرفض القطعي من قبل سكان محافظتي الأنبار ونينوى مشاركة ميليشيات الحشد الشعبي في الحرب على داعش بالمحافظتين والاستعاضة عن تلك القوات بمقاتلين من أبناء العشائر المحلّية.

3