حرب أميركية أخرى تزيد من تعاستنا

الثلاثاء 2013/09/10

لا تشن الولايات المتحدة حروبها من أجل أن تتحسن أحوال شعوب البلدان التي قُدّر لها أن تكون هدفا لتلك الحروب. تلك كذبة يجيب عليها واقع الحال الذي تعيشه أفغانستان والعراق معا.

لقد نكب البلَدان منذ أكثر من عشر سنوات بحرب أميركية لم تنته حتى هذه اللحظة، وقد لا تنتهي أبدا. ذلك لأن حروب أميركا تلد حروبا أهلية وهو بالضبط ما يعيشه البلدان اللذان وضعا بعناية في لحظة الاحتلال على حافة الهاوية.

أهذا بالضبط ما تهدف الولايات المتحدة إلى الوصول إليه من خلال حروبها؟

رائدة الديمقراطية ومعلمتها في العالم فشلت في نقل ديمقراطيتها إلى البلدين الغارقين في العنف. بعض السياسيين الأميركيين يعترف باستحياء وعلى مضض بهذا الفشل، غير أن الأغلبية تجمع على أن المجتمعات نفسها لم تكن حاضنة مناسبة للديمقراطية. إنهم يلقون تبعة ذلك الفشل على المجتمعات التي تمت استباحتها وتدمير نسيجها الاجتماعي وإشاعة الفوضى والفساد وأسباب الفرقة بين مكوناتها التاريخية. كانت الحرب حاجة أميركية، أما الديمقراطية فإنها لن تكون في كل الأحوال بضاعة مستوردة.

حاجة أميركا إلى الحروب تفسرها لجوء إدارتها إلى اختلاق الذرائع من أجل أن تكون تلك الحروب ضرورية وذات طابع إنساني ملح. وهي ذرائع سرعان ما كانت تنسى في خضم ما ينتج عن الحرب من تداعيات مهلكة.

كما أن الحاجة إلى الحرب تشكّل بالنسبة للسياسيين الأميركيين دافعا قويا في اتجاه نسيان ما خلفته الحروب السابقة من آثار مدمرة على حياة شعوب، لا تزال تدفع ثمن مغامرات أميركا العسكرية التي لا يمكن تفسيرها بطريقة تقلل من حجم الشر الذي تنطوي عليه، وهو ما يعيد العالم إلى الوراء من جهة تمثله لشريعة الغاب، حيث يحق للقوي تدمير حياة الضعيف.

ألا يعني هذا أن النموذج الديمقراطي الذي تسعى الولايات المتحدة إلى إشاعته والتبشير به، هو كلام نظري إذا لم نقل إنه الكذبة التي يُراد لها أن تحل محل الحقيقة ليكون كل شيء بعدها افتراضيا ووهميا. فالبلد الديمقراطي لا يمكن أن يشعر بالحاجة إلى تصدير العنف إلى الآخرين.

وما الحرب الاستباقية الأميركية ضد الإرهاب إلا محاولة لوضع تلك الحاجة في موضع تبدو من خلاله وكأنها وليدة ظرف مؤقت أملته ضرورة الدفاع عن النفس. ولكن الواقع يقول غير ذلك.

فلا الولايات المتحدة ولا مصالحها الحيوية يمكن أن تتعرضا للتهديد في ظل موازين القوى في عالمنا الراهن. أما شبح الإسلام السياسي الذي كانت أجهزة المخابرات الغربية قد اخترعته في أوقات سابقة، فإنه لا يزال في جزء كبير منه تحت السيطرة، بدليل أن أضراره الجسيمة كانت ولا تزال منصبة على بلدان بعينها، هي البلدان التي وضعتها الولايات المتحدة على لائحة البلدان التي يجب أن تبقى غير مستقرة أو البلدان التي يجب أن يستمر شعورها بالخطر أطول وقت ممكن.

لذلك فإن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى من يهدد أمنها أو مصالحها لكي تشن عليه حربا. وإذا ما كان الرئيس الأميركي أوباما قد سعى بكل جهده إلى أن ينأى بحقبته الرئاسية بعيدا عن الهوس الأميركي بالحرب فإنه يبدو الآن كما لو أنه يتراجع، ليظهر حماسة مفاجئة لشن حرب على سوريا. كانت الضغوط أكبر من قدرته على مقاومتها. وليس استعمال السلاح الكيماوي سوى ذريعة جديدة للذهاب إلى الحرب. فقبل الكيماوي لم تكن الولايات المتحدة متحمسة للبحث في مسألة الحلول السياسية للأزمة السورية، فكانت الإدارة الأميركية تصر على تأجيل انعقاد مؤتمر جنيف 2 في انتظار أن تتحسن أوضاع المعارضة السورية المسلحة على الأرض.

غير أن ذلك الانتظار لم يكن إلا وقتا مستقطعا حاولت من خلاله الإدارة الأميركية أن تمضي الأزمة السورية في طريق اللاعودة وانقطاع الأمل في الحل السياسي، فكانت واقعة الكيماوي هي اللحظة التي سيكون بعدها التدخل الأميركي مبررا.

العالم اليوم يقف مذعورا في انتظار حرب أميركية أخرى ستلد حروبا في منطقة تحصي أنفاسها على وقع المتفجرات.


كاتب عراقي

9