حرب أميركية هجينة مكان الحرب الباردة

أثناء الحرب الباردة حمت واشنطن حلفاءها من التهديدات الداخلية والخارجية، وفي الحرب الهجينة حان الوقت ليردّ أولئك الذين تمتعوا بالحماية في الماضي الدينَ.
الثلاثاء 2018/05/01
أهداف بكين وموسكو موجهة للرد على أي خطوة أميركية مضادة

موسكو - سيكون من باب المبالغة أن تتم مقارنة المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وروسيا في سوريا بأزمة الصواريخ الكوبية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. في ذلك الوقت كان هناك احتمال كبير لنشوب حرب نووية بين الجانبين، وكان وجود البشرية مهددا. أما هذه المرة فقد كانت هناك إمكانية معتدلة لحصول تصادم موضعي بين القوات الأميركية والروسية في المنطقة وكان وبالإمكان أن يتصاعد إلى مستوى أعلى، وعندها فقط يصبح الأمن الدولي في خطر.

لكن بينما أدى التصادم الدرامي الذي يرجع إلى أكثر من نصف قرن في الماضي إلى عملية خفض التوتر الاستراتيجي بين القوتين العظميين آنذاك فإن الهجمات الصاروخية الأميركية ضد سوريا الحليف الروسي هي خطوة أخرى في زيادة التوتر بين واشنطن وموسكو، ويوجد المزيد في المستقبل. إن الحرب الهجينة الجديدة تختلف عن الحرب الباردة.

 

يتردد مؤخرا مصطلح الحرب الباردة كثيرا عند الحديث عن التطورات الدولية وما يجري في الشرق الأوسط، في علاقة بالتنافس الواضح في سياسة روسيا ومواقف الولايات المتحدة -ومعها بقية الدول الغربية- منها. لكن الخبير الروسي ومدير مركز كارنيغي للأبحاث الاستراتيجية، بموسكو، ديمتري ترينين، يقدم توصيفا مختلفا لهذه الحرب مشيرا إلى أنها أميركية هجينة وليست حربا باردة، حيث لا يقتصر الأمر على روسيا فقط، بل كل ما يجري مرتبط ببعضه البعض من “السلام” في الشرق الأوسط إلى “السلام” بين شطري شبه الجزيرة الكورية.

يأخذنا تحليل آخر التصعيدات في التوتر إلى الاستنتاجات الآتية: إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عازمة على استخدام القوة العسكرية لتأديب المتحدّين لها وتأكيد السطوة الأميركية على العالم. سوريا التي ضربتها حكومة ترامب لأول مرة قبل عام هي هدف سهل من عدة نواح وعلى البلدان الأخرى أن تحذر، وبالأخص إيران وكوريا الشمالية، إذ أن الرفض المرتقب من قبل البيت الأبيض للاعتراف باحترام طهران لاتفاقية خطة العمل الشاملة المشتركة التي أبرمت في سنة 2015 قد يؤدي إلى توجيه الولايات المتحدة ضربات ضد أهداف إيرانية بداية من المنشآت النووية وقواعد الصواريخ داخل إيران، إلى الممتلكات الإيرانية في سوريا، إلى التنظيمات الموالية لإيران عبر منطقة الشرق الأوسط. والإيرانيون يرون ذلك الخطر بوضوح وهم الآن بصدد التحصن ضد هجوم أميركي محتمل.

في كوريا الشمالية قرر ترامب بالنسبة إلى الوقت الحاضر لعب ورقة السلام. بيد أن مفهوم بيونغ يانغ لنزع السلاح النووي يختلف كثيرا عن مفهوم واشنطن، فهو أي شيء ما عدا التخلي عن قدرة البلاد الردعية التي تمثل ضمانتها الوحيدة للبقاء مقابل الوعود الأميركية الشفوية التي يمكن أن تسحب في أي وقت. كيم بالتأكيد لا يريد أن يكون مصيره هو نفس مصير معمر القذافي. فعندما يدرك ترامب ذلك قد يغير أيضا المسار، وبذلك قد يؤدي الانفتاح على السلام إلى الحرب.

الدرس الآخر المستخلص من سوريا، ولكن أيضا من قضية تسميم سكريبال في ساليسبيري، هو إعادة اكتشاف إدارة ترامب للقيمة السياسية التي يكتسبها حلفاء أميركا، فبعد أن كاد البيت الأبيض يطرد الحلفاء في إطار مقاربته “أميركا أولا” نجده الآن عاكفا على تدعيم الائتلافات السياسية والعسكرية للبلدان الغربية ضد من اعتبرت أنهم خصومها وأعداؤها، وبالتحديد روسيا والصين.

في الوقت الحاضر يطبق ترامب معظم الضغوط على روسيا باعتبارها العدو الأضعف، لكن بكل وضوح ينظر إلى الصين على أنها المتحدي الأساسي للنظام الذي تتزعمه الولايات المتحدة. وما يحدث حول كوريا الشمالية، وأيضا بحر الصين الجنوبي وربما تايوان، سيحدد ليس فقط متغيرات العلاقة الاستراتيجية الصينية الأميركية، إنما أيضا مستقبل النظام العالمي. علاقة روسيا بجيرانها تختلف عن علاقة الصين ببقية آسيا، لكن في الحالتين ستسعى الولايات المتحدة لعزل خصومها في جوارهم الخاص بهم.

ديمتري ترينين: أثناء الحرب الباردة حمت الولايات المتحدة حلفاءها من التهديدات الداخلية والخارجية، وفي الحرب الهجينة حان الوقت ليردوا الدين
ديمتري ترينين: أثناء الحرب الباردة حمت الولايات المتحدة حلفاءها من التهديدات الداخلية والخارجية، وفي الحرب الهجينة حان الوقت ليردوا الدين

كل من حادثة تسميم سكريبال والهجوم الكيميائي في دوما أفضيا إلى العمل العسكري بزعامة أميركية، حتى قبل القيام بالتحقيقات والتوصل إلى استنتاجات.

وفي هذا الجو النفسي الحالي تمثل الاتهامات المعلنة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها حكما بالإدانة، ومن ثم لم تعد المسألة هي وجود الأدلة أو غيابها بقدر ما هي الثقة في الولايات المتحدة وحلفائها.

وهذا يكتسب تبعات مهمة بالنسبة إلى المنظمات الدولية، انطلاقا من منظمة تحريم الأسلحة الكميائية وصولا إلى الأمم المتحدة. تقوم الولايات المتحدة بتجنيد ائتلافات بين حلفائها وشركائها الذين يتوقع أن يتبعوا الزعيم، والتشكيك في حكمة سياسة واشنطن خطأ لا يغتفر.

أثناء الحرب الباردة حمت واشنطن  حلفاءها من التهديدات الداخلية والخارجية، وفي الحرب الهجينة حان الوقت ليردّ أولئك الذين تمتعوا بالحماية في الماضي الدينَ.

ومع ذلك، لم يقع نبذ دروس الحرب الباردة بالكامل إذ بذل الجيش الأميركي في سوريا أكبر قدر من العناية لكي لا يضرب أهدافا روسية. وهذا يعني أن الأميركيين استمعوا جيدا للتحذير من رد الفعل ضد الولايات المتحدة في صورة إصابة المواطنين الروس، وورد ذلك على لسان رئيس الأركان الروسي.

لا البنتاغون ولا البيت الأبيض ينويان إثارة تبادل ضربات نووية مع الخصوم الاستراتيجيين للولايات المتحدة.

نظرا إلى التفوق العسكري الأميركي على القوى الكبرى الأخرى، تضع الحرب الهجينة إمكانية القيام بعمل عسكري، لكن يجب تجنب التصعيد لمستويات خطرة فعلا.

والفكرة هي تثبيط عزيمة القادة الأعداء، أو في صورة الفشل في ذلك رفع تكلفة سياساتهم إلى درجة تعجل بالانشقاق الداخلي وتؤدي إلى عملية تصحيح للسياسات على يد قيادة جديدة تكون أكثر استعدادا لقبول القواعد التي وضعتها الولايات المتحدة الأميركية.

وأولئك الذين لا يتفقون مع هذه القواعد ويرتأون نوعا آخر من النظام العالمي يقتربون هم أيضا من بعضهم البعض. عالم سلام أميركا الذي وجد منذ نهاية الحرب الباردة أصبح الآن شيئا من الماضي. ما زالت أميركا تهيمن على العالم لكن السلام تحطم. العهد الجديد ليس إعادة لتنافس القرن العشرين، وقد يكون خطرا بالدرجة نفسها لكن بطريقته الخاصة.

ويبدو أن بكين وموسكو بالرغم من عدم إحداث ائتلاف تقيّمان المخاطر وتحددان أهدافا يمكن تصديقها وتبنيان استراتيجية بالتنسيق مع بعضهما البعض ومع البلدان التي توافقهما الرأي. وهذا الوضع يؤشّر على أن التنافس سيحتدّ.

7