حرب أهلية لن تقع

الخميس 2013/07/25

مرة تلو أخرى تحذر الأمم المتحدة من أن العراق ينزلق بسرعة في اتجاه الحرب الأهلية، من غير أن تثير التقارير الأممية اهتمام الحكومة العراقية أو تنشر فزعا في الشارع العراقي.

ألا يشير عدم الاكتراث العراقي هذا، إن على المستوى الرسمي أو على المستوى الشعبي إلى حقيقة، هي في معانيها الكامنة أسوأ من توقع نشوب حرب أهلية، ألا وهي أن العراقيين بعد كل ما جرى لهم قد تكيفوا مع أخبار القتل اليومي، ولم يعد قيام حرب أهلية جديدة ليعني لهم إلا مزيدا من القتلى، وهو ما لا يقع خارج سياق حياتهم التي لم تعد تصلح للاستهلاك البشري.

سيقول لك بعض العراقيين: «ربما سيحل الخلاص بعد حرب قد تأخذ السياسيين الطائفيين معها إلى جحيمها» وهو قول فيه الكثير من السذاجة والبراءة، لأن الحرب الأهلية، غالبا ما تكون جسرا يتشكل من جثث الأبرياء يستعمله زعماء الحرب الطائفيون للوصول إلى تكريس وجودهم سياسيا وإلى الأبد.

لبنان هو مثال حي لذلك، فبعد أن أستبدل زعماء الحرب هناك ثيابهم العسكرية بثياب مدنية، هاهم يتنقلون بالشعب سياسيا بين خنادق حرب دعائية، يمكنها أن تكون تمهيدا لحرب قد تقع في أية لحظة.

بالنسبة للشعب العراقي فإن يأسه من إمكانية إحداث أي تغيير إيجابي في حياته يدفع به إلى عدم التشبث بقشة تلك الحياة. لذلك فإنه لا يرى في كل ما يحدث من حوله إلا مجموعات من التجليات التي تمهد للزلزال الأكبر الذي يجب أن تنتهي إليه مجموعة الأخطاء والجرائم المتلاحقة التي ارتكبت في حق العراق، لا من قبل الولايات المتحدة والدول المجاورة له فحسب، بل وأيضا من قبل أبنائه الذين نظر عدد ليس بالقليل منهم إلى الغزو الأميركي عام 2003 باعتباره بداية لتغيير إيجابي.

ومنذ ذلك الحين اتخذت طريقة التفكير الشعبي منحى غيبيا، يغلب عليه طابع الانتظار الذي لا يعول على الإرادة، لا لأن الشعب يدرك أن الحكومة الفاسدة التي لم تظهر يوما ما أي شعور بالمسؤولية إزاء ما يحدث للشعب لا يمكن إزاحتها بسبب استقوائها بحماية مزدوجة أميركية- إيرانية فحسب، بل وأيضا لأن عشر سنوات من الاحتلال بكل صفحاته قد نجحت في تدمير مفهوم العيش المشترك، فكان من الطبيعي أن تنعدم أية إمكانية على التفكير السياسي الذي يستند إلى إرادة مشتركة.

ضياع الإرادة الشعبية هو جزء من حالة الضياع التي يعاني منها الشعب.

ولهذا فقد فشلت كل محاولات التعبئة والتحشيد التي بذلت من قبل شباب متنورين من أجل جمع إرادة الشعب العراقي في ظل مطالب خدمية لا تمت إلى الحياة السياسية بصلة، ولا تقترب من هاجس التغيير السياسي. ولم يقع ذلك الفشل إلا بسبب الانقسام الطائفي الذي يعيشه الشعب وقد فقد بعضه الثقة بالبعض الآخر بتأثير مباشر من وسائل الدعاية التي يقف على رأسها مثقفو الاحتلال ورجال الدين.

سيقال أن الطائفية السياسية التي فرضها المحتل ورضي بها أفراد الطاقم السياسي الذي جاء به المحتل لم تتحول إلى طائفية اجتماعية. وهو قول يتناقض مع ما يجري على أرض الواقع من عزل طائفي، يعتمد على مبدأ التطهير الطائفي من أجل إقامة مناطق لا يهتم بعضها بما يشهد بمآسي البعض الآخر.

ومن هنا يمكننا أن نفهم لمَ لم تنتشر حمى الاحتجاجات والاعتصامات السلمية في كل أنحاء العراق وظلت محصورة في المنطقة الغربية، بالرغم من أن ما يعانيه مواطنو المناطق الأخرى لا يقل سوءا مما يعاني منه المواطنون المعتصمون ودفعهم إلى الاحتجاج والتظاهر المستمر منذ أكثر من شهور.

ولكن ذلك الواقع قد لا يكون سوى الجزء السطحي المخادع من الحقيقة.

ففشل المشروع الديني الذي اعتمد في العراق على أدوات وأساليب طائفية لابد من أن ينتج مقاومة، لن تعتمد في برنامجها حلولا طائفية أثبت الواقع عقمها، بل ستجد تلك المقاومة في الإرادة الشعبية المشتركة مادة خيالها الذي سيعيد إلى العراقيين معنى الحياة السوية الذي افتقدوه.

إن رفض العراقيين الانجرار وراء دعوات الحرب الأهلية هي الخطوة الأولى في ذلك الطريق الذي قد لا يكون طويلا.

8