حرب إسرائيل الخفية ضد إيران تظهر على الملأ

استبعاد المواجهة المباشرة لأن كلا الطرفين لا يسعى إلى الحرب، لكن سوء التقدير قد يشعل حريقا إقليميا.
الخميس 2019/08/29
الاعتبارات الداخلية تقيد رد حزب الله

وضعت إسرائيل قواتها على أهبة الاستعداد القصوى على طول الحدود مع لبنان وفي مرتفعات الجولان السوري، تأهبا لأي ردة فعل من حزب الله بعد أن استهدفت طائرة مسيرة مقر مكتبه الإعلامي في الضاحية الجنوبية ببيروت، في عملية جاءت بعد فترة قصيرة من استهداف مواقع عراقية محسوبة على إيران. دفعت هذه التطورات البعض إلى توقع اندلاع حرب جديدة قد تتجاوز حدود المواجهة المتعارف عليها بين حزب الله وإسرائيل إلى حرب إقليمية.

واشنطن – في خضم الجدل الذي أثارته الضربات التي وجهتها إسرائيل إلى مواقع مرتبطة بإيران في العراق، اخترقت طائرتا استطلاع إسرائيليتان الأجواء اللبنانية فجر الأحد الماضي فوق الضاحية الجنوبية لبيروت. سقطت الأولى أرضا وانفجرت الثانية بالأجواء مسببة أضرارا بمبنى يحتوي على مكتب العلاقات الإعلامية لحزب الله، لتظهر إلى العلن حرب إسرائيل الخفية مع إيران.

رغم أن هذه الضربات، إلى جانب الغارة الجوية في سوريا التي تقول إسرائيل إنها أحبطت من خلالها هجوما إيرانيا بطائرة ذاتية القيادة، تؤجّج فتيل الحرب الكامنة بين إسرائيل وإيران، حلفائها، إلا أنه لا يُعتقد أن أيا من الطرفين يسعى إلى الحرب، رغم أن سوء التقدير يمكن أن يؤدي إلى اندلاع حريق إقليمي.

الموقف الإسرائيلي

نجحت إسرائيل في تنفيذ بعض الخطوات المدرجة ضمن إستراتيجيتها المناهضة لإيران في سوريا دون التسبب في حرب إقليمية، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المقبل على منافسة انتخابية صعبة، يسعى إلى كسب فترة رئاسة خامسة في انتخابات 17 سبتمبر 2019. وهو حريص على إثبات قوته في ما يخص المجال الأمني ومناقشة، ما يعتبره الكثير من الإسرائيليين، إنجازه المميز، وهو مواجهة إيران وبرنامجها النووي.

ومن خلال الضربة الموجهة للعراق، قام حزب الليكود الحاكم بتنفيذ تهديدات نتنياهو التي وجهها في سبتمبر 2018 حيث أكد أن إسرائيل ستتخذ إجراءات في العراق، كجزء من محاولته للفوز بأصوات القوميين في انتخابات 17 سبتمبر. سيكون السباق حادا، ويعرف حزب الليكود أهمية كل صوت.

إيران تسعى إلى تخفيف العقوبات وليس إلى الحرب، لكن ذلك لا يلغي القلق من احتمال سوء التقدير

وفكرت إسرائيل في تقريب القتال جغرافيا من إيران عبر توسيع حملتها إلى العراق، لأن أمن العراق يعدّ أكثر هشاشة من ذلك الذي عهدته في سوريا. وبررت ضربتها بالقول إنها ترد على التحركات العدوانية من جانب إيران وتسعى إلى تقويض انتشارها الإقليمي.

ونفذت إسرائيل المئات من الغارات الجوية ضد القوات المدعومة من إيران في سوريا منذ اندلاع الحرب الأهلية في عام 2011. وفي الأشهر الأخيرة، صرحت إسرائيل عن حملاتها بشكل علني، معترفة على الفور بتنفيذها للضربات التي لم تكن تعترف بها في الماضي.

وحتى خصوم نتنياهو من السياسيين يدعمون هذه العمليات، التي تهدف إلى منع إيران من إقامة وجود عسكري دائم على الحدود السورية، لكنهم شككوا في دوافعه في الإعلان عنها، واتهمه البعض بالدهاء، فيما اقترحوا أنه يحاول كسب قاعدة كبيرة من الناخبين قبل الانتخابات.

وقال عاموس هاريل، المحلل العسكري الإسرائيلي، “يتزايد التصعيد العدواني الآن بشكل كبير، حتى لو كانت إسرائيل لا تقول ذلك بشكل رسمي. جزء من هذا العدوان يتعلق بالجهود الإيرانية المتزايدة وجزء منه يتعلق بكل الاعتبارات الأخرى”.

وانتقد معارضو نتنياهو بشدة رفضه ضرب حركة حماس بقوة بعد عملية إطلاق الصواريخ الأخيرة من غزة. كما يواجه نتنياهو مجموعة من مزاعم الفساد التي تشوّه صورته قبل الانتخابات، لكنه نفى ارتكاب أي مخالفات.

وعلى الرغم من خطابه الصارم، فإن نتنياهو يعتبر رجلا تقليديا يكره المخاطرة في الشؤون العسكرية، لكنه يرى أيضا أن مواجهة إيران هي مهمته الأساسية، وقد يأمل في ترسيخ إرثه بينما يحظى بدعم نظيره القوي في البيت الأبيض، لكن هذا الدعم قد يواجه بعض التقلبات. ويرصد نتنياهو بقلق موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد أن قال إن هناك “فرصة جيدة” للتحدث مع الرئيس الإيراني.

ورطة إيران

إسرائيل

أدى قرار ترامب بالانسحاب من الصفقة النووية وفرض عقوبات قصوى على إيران إلى تدمير اقتصادها ودفعها للاستغاثة، ولكن بدأت إيران في انتهاك الحدود التي حددتها الصفقة بشكل صريح، قائلة إنها لا تستطيع الالتزام بالاتفاقية ما لم تعرض عليها الدول الأوروبية الموقّعة على الاتفاقية فترة راحة من العقوبات.

وفي الأسابيع الأخيرة، أسقطت إيران طائرة استطلاع أميركية ذاتية القيادة، واتُّهمت كذلك بإسقاط ألغام على ستة صهاريج نفط بالقرب من مضيق هرمز. كما استولت إيران على ناقلة نفط ترفع العلم البريطاني.

وفي الوقت نفسه، شنت طهران هجوما دبلوماسيا، حيث ظهر وزير الخارجية محمد جواد ظريف بشكل مفاجئ في قمة مجموعة السبع في فرنسا كجزء من جولة عالمية قبل اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر المقبل.

ويقول الخبراء إن إيران تسعى إلى تخفيف العقوبات وليس إلى الحرب، لكنهم قلقون من احتمال سوء التقدير، سواء من جانب طهران أو خصومها. حيث أمضت إيران عقودا من الزمن في بناء حلفاء أقوياء في لبنان وسوريا والعراق وأماكن أخرى، ويمكن أن تطالبهم بالمشاركة في حربها مع إسرائيل أو الولايات المتحدة.

ويشير خبراء في مركز ستراتفور للدراسات الأمنية والإستراتيجية إلى أنه إذا قررت القوات الإسرائيلية بدء حملة ضد المواقع الإيرانية المتمركزة في العراق، فسيخلق ذلك مشكلات لطهران التي ستعاني أكثر من مجرد خسارة وكلائها، خاصة إذا تطورت الخطوة الإسرائيلية لتشمل محاولة أخرى في اليمن ضد الحوثيين.

ويلفت الخبراء إلى أن إيران تخشى من أن يهدد اكتشاف أهمية وكلائها واستخدامها لأذرع غير حزب الله لردع إسرائيل مصداقية إستراتيجيتها الإقليمية. وستكون لهذا تداعيات محلية داخل البلاد أين سيواجه فيلق القدس العسكري التابع للحرس الثوري الإيراني تحديات إذا فشل في تحقيق النتائج التي وعد بها ضد إسرائيل.

رد حزب الله

إسرائيل

يحتاج حزب الله إلى أن يرد على هجمات الطائرات ذاتية القيادة من أجل إبراز قوته وإثبات قدرة ردعه، لكن طبيعة ونطاق رده سيتوقفان إلى حد كبير على الاعتبارات المحلية.

إن تعهد نصرالله بإسقاط الطائرات الإسرائيلية التي تدخل المجال الجوي اللبناني يتماشى مع أسلوب تهديده الذي يعتمده دائما في تصريحاته، لكن سيتعين عليه تقييم ردة فعله قبل أن تندلع على إثرها حرب شعواء. ولا يرغب الحزب في أن يُنظر إليه على أنه جر لبنان إلى حرب مدمرة أخرى مع إسرائيل.

ويغرق لبنان في أزمة اقتصادية يلقي الكثيرون مسؤوليتها على الحكومة التي يسيطر عليها حزب الله وحلفاؤه. ويصر نصرالله على أن مثل هذه الاعتبارات لن تحدد أبدا ردة فعله، لكنّ المسؤولين المقربين من قيادة حزب الله يقولون إنه يدرك أنه يجر البلاد إلى حرب مدمرة مع إسرائيل من شأنها أن تسرع من انهياره الاقتصادي.

وهناك اعتبار آخر يتمثل في الجهود الأخيرة التي توسطت فيها الولايات المتحدة لفتح محادثات غير مباشرة بين لبنان وإسرائيل تهدف إلى ترسيم حدودهما البحرية، والتي يأمل لبنان في أن تسمح له بالبدء في التنقيب عن النفط والغاز في وقت لاحق من هذا العام.

وقد كتب عماد مرمل، الصحافي المقرب من حزب الله، مشيرا إلى أن استجابة الجماعة ستكون “مدروسة ومتناسقة بطريقة تنقل رسالة قاطعة مفادها أن تغيير قواعد التدخل محظور، ولكن دون أن يؤدي ذلك إلى اندلاع حرب جديدة”.

ولكن قد يكون القول أسهل من الفعل، حيث اندلعت الحرب التي استمرت لمدة شهر بين إسرائيل وحزب الله في عام 2006 بفعل غارة عبر الحدود.

تبدو إسرائيل في الطرف الأقوى في هذه المعادلة، وقد تشجعها بعض العوامل على النظر في إمكانية اتخاذ إجراءات أكثر حزما ضد إيران وضربها في مناطق قوتها واختراق الدول التي حولتها إيران إلى حامية لها، لكن ذلك قد يبقى محدودا، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بتهديد المصالح الأميركية. فالوضع في العراق يختلف عن سوريا، حيث يمكن أن تنتج عن الضربة الإسرائيلية هجمات ضد القوات الأميركية، مما سيزعزع استقرار العراق الذي يمكن أن ترد عليه واشنطن بطريقة تجر المنطقة بأكملها إلى الحرب.

وفي خطوة نادرة، أقر المسؤولون الأميركيون بأن إسرائيل كانت وراء إحدى الضربات على الأقل، وأن البنتاغون نأى بنفسه عن الضربات العراقية، قائلا إن القوات الأميركية لم تكن متورطة. ويشي هذا الموقف بأن إسرائيل والولايات المتحدة على خلاف بالفعل بشأن الضربات الأخيرة.

7