حرب اقتصادية من طرف واحد بين الحكومة اليمنية والحوثيين

مصادر يمنية تؤكد وجود مراكز قوى في الشرعية ولدى الحوثيين لتعطيل أي اتفاق لتوحيد القنوات المالية في اليمن مستفيدة من الصراع الذي خلق أسواقا سوداء.
الجمعة 2021/06/25
شظايا الحرب الشاملة تصيب الريال في مقتل

عدن- أعلن البنك المركزي غير المعترف به والتابع للميليشيات الحوثية منع تداول عملة جديدة أصدرتها الحكومة اليمنية، مطابقة لشكل العملة اليمنية القديمة المتداولة في مناطق سيطرة الميليشيات.

واعتبر خبراء ماليون أن الإجراء الحوثي يزيد من حدة الحرب الاقتصادية المستمرة بين الحكومة اليمنية والحوثيين والتي انعكست بشكل كبير على سعر صرف الريال اليمني الذي يشهد تباينا في قيمته مقابل العملات الأجنبية بين مناطق الشرعية ومناطق الحوثيين.

وأصدر الحوثيون قرارا منعوا بموجبه التعامل مع طبعة جديدة صادرة عن البنك المركزي اليمني الخاضع لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليا، واصفين تلك العملة من فئة الألف ريال وتحمل تاريخ 2017 بأنها “مزورة” ودعوا لعدم التعامل معها أسوة بالطبعات التي أصدرتها الحكومة اليمنية منذ نقل البنك المركزي إلى العاصمة المؤقتة عدن في العام 2016.

عبدالحميد المساجدي: الحوثيون قد يصلون إلى مرحلة انعدام النقد على غرار الحالة الصومالية

وعلقت مصادر قريبة من الحكومة اليمنية على قرار الحوثيين بأنه جزء من سياسة ممنهجة لتعميق الانقسام المصرفي والاقتصادي، وإفشال أي محاولات تبذلها الحكومة الشرعية لردم الهوة المصرفية والمالية بين المناطق المحررة وتلك الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وتندرج الإجراءات الحوثية بحسب محللين ماليين في إطار حرب اقتصادية ومالية من طرف واحد تسببت في انهيار العملة اليمنية وتفاقم الوضع المعيشي للمواطنين، وخصوصا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين التي توقف فيها صرف رواتب موظفي الدولة.

واعتبر الباحث الاقتصادي اليمني عبدالحميد المساجدي في تصريح لـ”العرب” إصدار العملة إحدى الأدوات القانونية المكفولة للبنك المركزي اليمني في إطار سياسته النقدية، كونه الوحيد الذي يمتلك السلطة الشرعية لطباعة العملة وتصديرها وهو الجهة الوحيدة المخولة بتحديد ما هو المزور وما هو الشرعي.

وكشف المساجدي أن العملة النقدية من الشكل القديم، وخاصة فئة ألف ريال موضع الخلاف الحالي بين الحكومة والحوثيين، تمت طباعة 400 مليار ريال منها في العام 2017 بناء على عقد موقّع مع البنك المركزي قبل نقله إلى عدن وصدرت للسوق في شهر يوليو 2017 وتداولها الناس في جميع المناطق اليمنية بما فيها مناطق سيطرة الحوثي، وهي أوراق تحمل توقيع أول محافظ للبنك المركزي بعد نقله إلى عدن منصر القعيطي.

وتعليقا على انعكاس إصدار مثل هذه الطبعات المالية على قيمة الريال اليمني أكد المساجدي على ضرورة عدم اللجوء إلى طباعة العملة لتمويل عجز الإنفاق الحكومي وحشد الموارد وترشيد النفقات كأولويات هامة للحفاظ على سعر العملة الوطنية.

ووصف المساجدي موقف الحوثيين من العملات التي يصدرها البنك المركزي اليمني في عدن بأنه “عبارة عن مساومة مسبقة بعد تسرب أنباء عن وصول 60 مليار من الأموال المطبوعة بالشكل القديم، من أجل الضغط لتقاسم هذه الأموال وهو ما أكدته عدة مصادر مصرفية، فضلا عن إيجاد مبرر وذريعة جديدة لتنفيذ حملات مداهمة للبنوك والشركات ومحلات الصرافة لنهب الأموال ومصادرتها ومن ثم تحويلها لشراء الغاز والمشتقات النفطية من المناطق المحررة، أو تحويل الجزء الأكبر منها إلى تلك المناطق من أجل المضاربة في العملات والتسبب في المزيد من تدهور العملة الوطنية”.

وردا على سؤال لـ”العرب” حول طبيعة الإجراءات التي تتخذها سواء الحكومة اليمنية أو الحوثيون في إطار الحرب الاقتصادية والنقدية المستعرة بينهما، وإمكانية ترجيح كفة أي من الطرفين في هذه الحرب، قال الباحث الاقتصادي اليمني إنّ “استمرار الحرب الاقتصادية لن يكون ضحيتها بدرجة أولى سوى المواطن اليمني في جميع المناطق، كون طباعة المزيد من العملة تعني ارتفاع حجم التضخم وتدني القوة الشرائية للعملة وتدهور قيمتها أمام العملات الأجنبية، وبالتالي ارتفاع عُمُولاَت تحويل الأموال وفقدان المواطنين لقيمة أصولهم بعد مصادرتها من الحوثيين أو انخفاض تقييمها وارتفاع أسعار السلع والخدمات، وبالتالي المستفيدون من الفوضى الحاصلة في هذا الجانب هم تجار الحروب في طرفي الصراع، وما لم يكن هناك تدخل عاجل لتوحيد السياسة النقدية ومنع أي عملية طباعة جديدة فإن قيمة العملة اليمنية ستنهار في المناطق المحررة، مقابل أزمة حادة في السيولة في مناطق الحوثيين الذين قد يصلون قريبا إلى مرحلة تشبه الحالة الصومالية من انعدام النقد واللجوء إلى مرحلة النقد الإلكتروني رغم صعوبة تنفيذه في اليمن لعدة اعتبارات”.

ماجد الداعري: حرب الشرعية والحوثي أخذت بعدا اقتصاديا خطرا

ومن جهته اعتبر الباحث السياسي اليمني ماجد الداعري أنّ حرب الشرعية والحوثي لا تقتصر على الجبهات العسكرية التي تأخذ طابع الاشتداد والفتور بين لحظة وأخرى وإنما أخذت بعدا اقتصاديا أخطر وأكثر اشتدادا وتوترا من خلال الاستماتة الحوثية في إسقاط مأرب والسيطرة على منابع النفط والغاز هناك والإصرار على فتح مطار صنعاء وميناء الحديدة أمام سفن المشتقات النفطية دون قيد أو شرط قبل أي عودة للمفاوضات.

ولكن الأكثر تطورا في هذه الحرب الاقتصادية المستعرة بين الجانبين يتمثل، حسب رأي الداعري، في اشتداد الصراع على طباعة العملة مع استمرار الحوثيين في رفض التعامل بالطبعة الجديدة ذات الأحجام الصغيرة وصولا إلى التعميم الاستباقي من بنكهم المركزي بصنعاء برفض قبول التعامل مع طبعة نقدية جديدة لفئة الألف ريال بالحجم الكبير السابق للعملة اليمنية من غير الفئات “التسلسلية أ” بوصفها مزورة رغم عدم وجود ما يؤكد طباعة عملة وإنما من باب التخوف من إمكانية لجوء الشرعية الى هذا الحل الاضطراري لتوحيد قيمة صرف العملة في كل مناطق اليمن.

وفشلت محاولات سابقة قادتها الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي لعقد جولة مشاورات اقتصادية بين الحكومة اليمنية والحوثيين في العاصمة الكينية نيروبي بهدف التوصل لهدنة اقتصادية بين الطرفين تنعكس إيجابيا على الوضع المعيشي والإنساني المتدهور في اليمن.

وتؤكد مصادر يمنية مطلعة وجود مراكز قوى في الشرعية ولدى الحوثيين تعمل على حد سواء لتعطيل أي اتفاق لتوحيد القنوات المالية في اليمن مستفيدة من مظاهر الصراع التي خلقت أسواقا سوداء تتبادل فيها قيادات حوثية وقيادات نافذة في الشرعية المصالح.

ولفتت المصادر إلى تقاعس الشرعية عن استخدام أوراق قوية تمتلكها للرد على الحرب الاقتصادية التي يمارسها الحوثيون، متسائلة عن سبب ترك الحكومة الشرعية حتى الآن العديد من مؤسساتها المالية المهمة تحت سلطة الحوثيين، مثل إيرادات الاتصالات والإنترنت ورسوم استخدام المجال الجوي اليمني وشركة طيران اليمنية وقطاعات أخرى إيرادية ما زال الحوثيون يتحكمون فيها بعد مرور سبع سنوات من الحرب.

3