حرب الأزهر على الإرهاب تبدأ بمراجعة منظومته الداخلية واستقلاله عن السياسة

الأحد 2015/11/22
المؤسسة الدينية في مصر تعاني عطبا كبيرا، وترهلت بسبب الصراع داخل أفرعها المختلفة، سواء الأوقاف أو دار الإفتاء

القاهرة - أكّدت مصر أن مساهمتها في مكافحة الإرهاب لن تكون قاصرة على الشق الأمني فقط، بل تسعى إلى أن تلعب دورا على المستوى الفكري، الذي أصبح أحد الشواغل الرئيسية في العالم، خصوصا بعد أحداث باريس التي راح ضحيتها نحو 130 شخصا، في 13 نوفمبر الجاري.

ولبحث سبل تطوير هذه الوسيلة الفكرية الدفاعية ضدّ الإرهاب، وتفعيل العمل الدعوي على مستوى العالم، اجتمع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بمجلس حكماء المسلمين، وهي هيئة دوليّة مستقلّة تأسست في 2014 ومقرها أبوظبي وتضم عددا من كبار علماء المسلمين حول العالم ممن يوصفون بالوسطية.

وترأس الاجتماع شيخ الأزهر أحمد الطيب الذي شدّد على صعوبة المهمة وتعقيدها، نظرا لأنها متعدّدة الأبعاد؛ لكنّه أكّد على ضرورة إيجاد سبيل لإطفاء الحرائق وردم بؤر التوتر في العالم العربي والإسلامي، من خلال السير في اتجاه التصدي للفكر الإرهابي بكافة صورة وأشكاله وتجفيف منابعه.

واقترح منظومة متكاملة تشمل التعليم والثقافة والشباب والإعلام وخطابا دينيا معبرا عن حقيقة الإسلام وشريعته، بالإضافة إلى إطلاق مبادرات تحثّ على محاربة ثقافة الكراهية والحقد، على غرار قافلات السلام حول العالم، التي أرسلها مجلس حكماء المسلمين إلى 11 عاصمة مختلفة في أوروبا وأفريقيا وآسيا وأميركا، لنشر ثقافة السلام، تحت شعار “كل شعوب العالم نظراء في الإنسانية، ومن حق الجميع أن يعيش في أمن وسلم سلام”.

وقال مراقبون إن اجتماع السيسي بمجلس حكماء المسلمين يؤكّد على أن هذه الخطوة ليست فقط محاولة من جانب مؤسسة الأزهر لتصحيح المفاهيم المغلوطة حول الإسلام، بل لتأكيد أن مصر، التي عانت ولا تزال تعاني من الإرهاب، مقتنعة أن الحلول الأمنية لن تستطيع بمفردها التخلص من المخاطر الإرهابية، بل لا بد من عناصر أخرى تسير بالتوازي مع التوجه الأمني.

لكن لم يخف المراقبون خشيتهم من عدم مواصلة السير في هذا الاتجاه، فقد أكدت تجارب سابقة أن هناك فورة تظهر مع كل حادث إرهابي كبير، ثم تختفي، بمجرد أن تهدأ العاصفة.

وثمّن حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، دور الأزهر كقلعة للوسطية في المنطقة، ومواجهة دعوات العنف والأفكار التي تحرض على الفوضى والقتل. لكنه أضاف أن الأزمة التي تواجهها مصر تكمن في أن الأزهر لم يعد يتمتع بالمصداقية الكاملة التي تجعل من أرائه وكلماته وتحركات علمائه ذات تأثير كبير على المتلقين في مختلف الدول الإسلامية.

وأكد لـ”العرب” أن هناك حاجة ماسة ليتحرك الأزهر بوصفه مؤسسة مستقلة عن كافة الأنظمة، وخدمة الدين وليس النظام السياسي، لا سيما أن التطرف يشكل تهديدا خطيرا على العالم كله، ولا يمكن لأيّ مؤسسة مرتبطة بنظام سياسي يدافع عن مصالحه وليس عن الإسلام أن يمارس دورا في رعاية الدين والمحافظة على الإسلام الصحيح.

الأزهر لم يعد يتمتع بالمصداقية الكاملة التي تجعل من أرائه وكلماته وتحركات علمائه ذات تأثير كبير على المتلقين في مختلف الدول الإسلامية

وقال مصطفي زهران، الباحث في شؤون الحركات الإسلامية لـ”العرب”، إن المؤسسة الدينية في مصر تعاني عطبا كبيرا وترهّلت بسبب الصراع داخل أفرعها المختلفة، سواء الأوقاف أو دار الإفتاء، مؤكّدا أن انشغال المؤسسة الدينية الرسمية بالسياسة دفعها للتراجع عن الحقل الدعوي، الذي كان من المفترض أن تشغله بقوة بعد سقوط تيارات الإسلام السياسي. لذلك فمحاولات مجلس حكماء المسلمين، ما لم تكن بعيدة عن كنف المؤسسات الرسمية فهي لن تكون مجدية.

وأشار الباحث إلى أن فكرة القوافل الدعوية وحملات مواجهة الإرهاب لن تقدّم جديدا ما لم يتم تفعيلها بشكل جاد من خلال التعرف على أدبيات التنظيمات الجهادية ومناقشة أيديولوجياتها، ضمن خطة شاملة يحتاجها الأزهر لاستعادة دوره بشكل كامل.

وأوضح أن الجماعات الجهادية لديها عقيدة وفكر وشبهات لا بدّ من دحضها، والإجابة عليها بقوة ومنطق، ومن الضروري إعادة تأهيل خريجي الأزهر ليصبح بمقدورهم الدخول في مناظرات علنية مع أصحاب الفكر الجهادي والتكفيري.

واعتبر خالد عكاشة الخبير الأمني، أن الوقت حان لتفعيل المواجهة الفكرية في مكافحة الإرهاب بمنتهي الجدية، ودخول الأزهر على خط المواجهة مع القوى الظلامية خطوة تأخرت كثيرا، لكن لا بد من دعمه بكل قوة، وأن يتحد الجميع في مواجهة الإرهاب، فكريا وثقافيا وتعليميا بالتوازي مع المواجهة الأمنية.

وقال لـ”العرب” إن مصر، في أشد الحاجة إلى مثل هذه الخطوة، وإذا نجحت في جعلها ذات تأثير وفعالية على أرض الواقع، سوف تحصد نجاحا في مجال مكافحة الإرهاب، وسيلقي بتأثيره على العالم أيضا.

ولفت إلى أن هذه الفكرة طرحت أكثر من مرة في عدة دول مشدّدا على ضرورة توحيد المسارات في مواجهة الإرهاب والأفكار المنحرفة، بالأفكار الصحيحة والمعتمدة شرعيا للقضاء على سرطان الإرهاب المتفشي في جسد الأمة العربية.

من جانبه، دعا المفكر السياسي سعدالدين إبراهيم للانتظار حتى تظهر نتيجة القوافل الدعوية التي يرسلها مجلس حكماء المسلمين لعواصم العالم، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن تأثيرها قد يكون محدودا، ولن يستفيد منها سوى المشاركون فيها.

وقال لـ”العرب” إن هذه الخطوات بها الكثير من شبهات “الشّو الإعلامي” ولن تقدم جديدا، متسائلا أين كان الأزهر وعلماء المسلمين طوال الفترة الماضية التي ترعرع فيها الإرهاب والفكر المتطرف بعقول الشباب المسلم؟

6