حرب الأسد على نفسه

الأربعاء 2014/08/27

فلندع البرابرة والهمج يقتلون بعضهم. هكذا ينظر الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى العرض الذي قدمه النظام السوري لمشاركة واشنطن في حربها على الإرهاب الذي يمثله نظام داعش. أغرى أوباما النظام بأنه لا زال قادرا على القيام بحركة التفافية بارعة تعيده إلى الواجهة، وتجعله يظهر من جديد في المشهد بصفته طرفا لا مجال للاستغناء عنه في لعبة الحرب على الإرهاب الداعشي التي يتم تصميم تفاصيلها حاليا.يعيد الرئيس الأميركي تنفيذ الخديعة التي مارسها ضد المعارضة السورية، حين أعلن عن الشروع في تنفيذ ضربات جوية ضد النظام، وتراجع عنها في اللحظة الأخيرة.

النظام وقع الآن في الخديعة نفسها، فهو كان يجتهد لتحويل مجرى الصراع في سوريا من صراع بين نظام فاشي وشعب ثائر، إلى حرب ضد الإرهاب، الذي ارتدى الثوب الداعشي حصرا دون أن تلقى دعواته الحد الأدنى من القبول، نظرا إلى تهافتها ووضوح القرابة التي تربط بينه وبين وداعش.

جاءت لحظة إغراء أميركا للنظام السوري بالدخول في الحرب ضد داعش في لحظة بات فيها النظام منهكا متعبا وغير قادر على حسم أي معركة. هكذا كانت النتيجة لأول معركة فعلية له ضد الإرهاب أن استطاع هذا الإرهاب الداعشي السيطرة، بشكل كامل، على محافظة الرقة التي تبلغ مساحتها حوالي عشرين ألف كيلومتر، أي ما يعادل عشرة بالمئة من مساحة سوريا، وراح يستعد للهجوم على مطار دير الزور العسكري، الواقع شرق الرقة، بغية تدمير القدرات الجوية للنظام في تلك المنطقة. حرص التنظيم الإرهابي على تمكين صورة الإرهاب وبث الرعب في قلوب جنود النظام، عبر نشره صورا صادمة للعشرات من الجنود مقطوعي الرؤوس. كان من نتيجة هذا الاصطدام مع داعش كذلك أن وسّع غواية القوة التي يمثلها التنظيم، حيث أشارت معلومات إلى أن حوالي 2000 مقاتل انضموا إلى التنظيم بعد هذا الانتصار.

حرصت أميركا على تعميم صورة تظهر فيها وكأنها بصدد الشروع في قيادة حرب كونية ضد تنظيم داعش. تاليا استنتج جهابذة النظام أن كل من ينضم إلى هذا الحلف سوف تغفر ذنوبه جميعها، ويصبح، بقدرة قادر، جزءا من العالم الحر.

كان رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال ديمبسي قد صرح قبل أيام قليلة بأنه لا جدوى من ضرب النظام في العراق وتركه حرا في سوريا. عاد وصرح بأن القوات الأميركية قد تستهدف التنظيم في سوريا إذا شكّل تهديدا مباشرا للولايات المتحدة أو أوروبا. بعد تصريح ديمبسي خرج الرئيس الأميركي أوباما ليعلن أنه لم يتخذ بعد أي قرار بشأن القيام بضربات محتملة في سوريا.

روسيا اكتفت على لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف بحض الحكومات الغربية والعربية على العمل مع الأسد للتصدي لمسلحي داعش.

المواقف الأوروبية بدت متحمسة لضرب داعش في سوريا مع رفض القيام بأي تنسيق مع الأسد. وزير الخارجية البريطاني كان قد صرح بأن “إقامة أي تحالف مع نظام الأسد لن يكون أمرا عمليا أو حكيما أو مجديا”. بعد ذلك ظهر موقف ألماني عبر عنه المتحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية مارتن شيفر قائلا “لست على علم بأي تفكير أو نقاش يتعلق بالعمل مع نظام الرئيس الأسد، سواء في القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية أو غير ذلك. لا أعلم بأي اتصالات سياسية أو دبلوماسية بين ألمانيا والحكومة السورية”.

ربما اعتقد النظام السوري أنه بمجرد إعلان أميركا الحرب ضد داعش فإن أوروبا ستتبعها، وأن التصريحات الأوروبية الرافضة لأي شكل من أشكال التعاون معه، وفصل الحرب على الإرهاب عن موضوع إعادة الاعتراف به، إنما هما نوع من الاستجابة للمعطيات القانونية والأخلاقية الأوروبية، التي لن تلبث أن تتحول إلى خطاب يؤيّد الموقف الأميركي ويدعمه.

النظام نفسه هو من روج لفكرة أن الحرب على داعش في سوريا لا يمكن أن تتم إلا من خلاله، لذا عرض التعاون على هذا الأساس معتبرا على لسان وليد المعلم أن أي صيغة أخرى ستعتبر بمثابة عدوان.

المفارقة الساخرة تكمن في أن الدعوة الأسدية للمشاركة في الحرب ضد الإرهاب جاءت بعد مشهد سيطرة داعش على الرقة وعلى مطار الطبقة، الذي يضم كميات هائلة من السلاح تكفي لخوض عدة معارك كبيرة.

المأزق الذي كان يعيشه الجيش الحر لحظة ظهور داعش ينفجر الآن في وجه النظام الذي يقدم أوراق اعتماده للغرب بمحاربة داعش، في اللحظة التي ينسى فيها الجميع أن هناك ثورة ضده لا زالت قائمة، وهي تضم، إضافة إلى الجيش الحر، فصائل عديدة إسلامية وغير إسلامية وعليه أن يخوض حربه معها بالتوازي مع حربه ضد داعش. هذا التشرذم في أوساط النظام تسبب في فتح مفاجئ لجبهة الزبداني، حيث تمت السيطرة على خمسة حواجز للنظام أبرزها حاجز الزعطوط وحاجز الشلاح.

اللافت أن النظام شرع في تقديم أوراق اعتماده في الحرب على الإرهاب بكلفة 500 قتيل دون أي اتفاق واضح ودون أي ضمانات. بعد معركة الرقة التي خسرها ظهرت أوركسترا دولية سمفونية متعددة الأصوات ولكنها تردد اللحن نفسه. يقود الرئيس الأميركي هذه الأوركسترا ويعزف على وتر التردد والحذر، ترافقه بريطانيا وألمانيا بالعزف على أوتار المنظومات الأخلاقية والقانونية، في إطار لحن عدم التدخل وترك الهمج يأكلون بعضهم.

الاختيار بين الدكتاتورية والإرهاب غير ممكن، لأنهما، ببساطة، ليسا كيانين منفصلين بل يمثلان عملة واحدة. وحده النظام الإرهابي ظن أنه يستطيع صيانة دكتاتوريته بالدخول في الحرب على إرهاب صنعه كي يفاوض لاحقا على رأسه. لم يفهم، وهو ليس قادرا أن يفهم أن الإرهاب في نظر العالم هو منظومة قيم قبل كل شيء. من هنا لا يمكن للحرب على إرهاب داعش سوى أن تكون حربا عليه كذلك. إنه داعش وهو قد تُرك الآن يحارب نفسه، وينتحر بالسم الذي كان يريد أن يسقيه للجميع.


كاتب لبناني

9