حرب التهديدات تتواصل بين الكوريتين

الأربعاء 2013/07/24
تحول الصراع بين الكوريتين إلى معضلة دولية وصراع مصالح في المنطقة

لندن- هناك مدرستان فكريتان بخصوص ما يعتبر خطابا حربيا من طرف بيونغ يانغ حتى حسب المقاييس الكورية الشمالية. فالمتفائلون يرون أن التهديدات الأخيرة – الدعوات إلى قسم ظهر الأعداء المجانين وحز قصباتهم الهوائية بالكامل – ليست أسوأ من الوعود الطقوسية التي استمرت على مدى عقود بتحويل كوريا الجنوبية إلى "بحر من النار". ومن هذا المنظور فنحن إزاء زعيم عديم الخبرة يحاول دعم قاعدته السياسية الضعيفة في الداخل مختبرا ثبات الرئيسة الكورية الجنوبية المنتخبة حديثا، ومنتقدا بشدة آخر جولة من العقوبات الأميركية والمناورات العسكرية المشتركة الأميركية – الكورية الجنوبية. أما المتشائمون، وفق دراسة صدرت عن معهد دراسات بريطاني، فيحذرون من أن الأمر يختلف هذه المرة، إذ قامت كوريا الشمالية باختبار سلاح نووي للمرة الثالثة وتنصلت رسميا من الهدنة مع جارتها الجنوبية، وقطعت خطا عسكريا ساخنا وأعادت تشغيل مفاعل يونغ بيون المنتج للبلوتونيوم، كما عطلت الوصول إلى منطقة كايسونغ الصناعية المشتركة الشمالية الجنوبية وسحبت عمالها في الثامن من نيسان/ أبريل. وعلاوة على ذلك، وعلى الرغم من عدم فهمنا الكلي لطبيعة تغير العلاقة بين القائد وجنرالاته منذ الانتقال الغامض للسلطة من كيم جونغ ايل إلى ابنه، قد يكون الزعيم الحالي تحت ضغط ما لإثبات رباطة جأشه أمام القوات المسلحة.

ما الذي يمكن أن تفعله كوريا الشمالية؟

في وصفه للوضع اختار رئيس الوزراء ديفيد كاميرون كلماته بعناية تامة عندما وصف كوريا الشمالية بأنها تهديد نووي مستمر ومتزايد" ولكنه تهديد لم يصبح "واقعا" حتى الآن. غير أن تأكيده لاحقا بأن "كوريا الشمالية لديها الآن تكنولوجيا صواريخ قادرة حسب قولهم على الوصول إلى كل تراب الولايات المتحدة (...) ويمكنها أن تصل إلينا نحن أيضا" كان كلاما مبالغا فيه ومضللا". في الواقع، كوريا الشمالية غير قادرة على تحميل رأس نووي على صاروخ باليستي وتوجيهه إلى الأراضي الأميركية. وكانت الصورة التي يظهر فيها كيم جونغ أون وفي خلفيته صور خطط لضربة صاروخية على المدن الأميركية، بدافع الطموح والإيهام.

قد تكون بيونغ يانغ قادرة على ضرب اليابان وكوريا الجنوبية أو بعض القواعد العسكرية الأميركية القريبة، ولكن العدد الكبير من منصات الدفاع الصاروخي الأرضية منها والمحمولة على متن السفن التي قامت الولايات المتحدة بنشرها في المنطقة وفي قواعد أبعد من ذلك في الأيام والسنوات الماضية، ستكون قادرة على التعامل مع قدرات كوريا الشمالية المحدودة للغاية.

ثانيا، من بين الدوافع العديدة المحتملة لتصرف كوريا الشمالية نذكر دافعين مهمين، الأول هو الرغبة في استئناف المحادثات الدبلوماسية بشروط ملائمة (بمعنى مربحة)، والثاني هو خوف حقيقي متجذر في ضعف النظام، والرغبة في ردع أي عمل من شأنه أن يزيد بشكل مباشر أو غير مباشر في تعميق حالة الضعف. وقد تشعر بيونغ يانغ بالخوف من التدريبات العسكرية الحالية الكورية الجنوبية – الأميركية وتعتبرها تمهيدا لهجوم ضدها.

الحرب المحدودة


في شهر آذار – مارس 2010، أطلقت غواصة كورية شمالية النار على سفينة تابعة للبحرية الكورية الجنوبية مما أسفر عن مقتل 46 بحارا، وقد أفلتت كوريا الشمالية من العقاب عبر تأخيرها لتبني الهجوم. ومثلت الذكرى الثالثة لهذا الهجوم تذكيرا مفيدا لخيار كوريا الشمالية في شن أعمال صغيرة يمكن إنكارها إلى حد ما. وفي وقت لاحق من نفس السنة، أطلقت كوريا الشمالية 170 قذيفة مدفعية وصواريخ على جزيرة يونبيونغ في كوريا الجنوبية، وربما كان ذلك أخطر أزمة في شبه الجزيرة منذ الحرب الكورية، ولكن مرة أخرى كانت كوريا الجنوبية مقيدة في كيفية الرد.وهنا تكمن معضلة سياسية، فمن المغري الحث على اتباع الدبلوماسية غير أن الحل ليس بالضرورة الرضوخ للابتزاز. ومن المفيد ربط الاتصالات بين الكوريتين وبين بيونغ يانغ وواشنطن زمن الأزمات، ولكنه من غير الحكمة تقديم المساعدات السخية والاهتمام الدبلوماسي لنظام أقام علاقة مشروطة بين سياسة الدفع إلى حافة الهاوية النووية والتنازلات على طاولة المفاوضات. إن كوريا الشمالية ترغب في مزيد الاهتمام، لكن يجب ألا تُمنح ما تريد بهذه الشروط.ومن المرجح أن تكون الأسلحة النووية لكوريا الشمالية سمة دائمة للمشهد الآسيوي، بالطريقة نفسها التي تم بها استيعاب ملف الأسلحة الباكستانية والهندية – ولو بدرجات مختلفة ومحدودة – في سياسة الولايات المتحدة.

وفي نفس الوقت يجب على واشنطن أن تتذكر أنّ إمضاء صكوك على بياض للحلفاء قد يمهد لتصعيد غير مقصود، وأن كل رد فعل انتقامي يجب أن يكون في نطاق ضيق قدر المستطاع. من جانب آخر، انتقلت كوريا الجنوبية إلى الاتجاه المعاكس، إذ أعلنت أنها لن تقتصر فقط على مهاجمة وحدات كوريا الشمالية ولكن أيضا 'مركز التحكم'، الأمر الذي قد يفسر في الشمال بالخطوة الأولى لشن هجوم أكبر.

بكين وبيونغ يانغ

يمثل هذا الوضع أيضا فرصة مهمة للضغط على الصين لدفعها إلى إظهار حسن نواياها في كبح جماح كوريا الشمالية فإذا لم تظهر بكين استعدادا أكبر لاستخدام نفوذها، فإنها لن تلوم سوى نفسها على تنامي الوجود العسكري الأميركي في المنطـــقة إضافة إلى تزايــد الإحســاس داخــل آسيا بأن الصين قد فشلت في استخدام قوتها المتنامية مع التحلي بــروح المســؤولية.

وفي هذا الصدد فإن فشل الصين في صياغة سياسة فعالة تجاه كوريا الشمالية قد تترتب عنه آثار طويلة الأمد لما يسمى بتحول الولايات المتحدة إلى آسيا ويزيد في التوترات بين واشنطن وبكين وقد يصبح نشر منصات أميركية متقدمة ذات قدرات نووية على المدى الطويل بهدف طمأنة سيول مسألة ذات أهمية خاصة.

في الخفاء، يشعر المسؤولون الصينيون بالقلق من أن الضغط على كوريا الشمالية قد يؤدي إلى انهيار النظام وتــدفق جماعي للاجئين إلى الصين، وبــأن كوريا المــوحدة قد تسمح ببقاء القوات الأميركية على عتبة الصين، وهي مخاوف معقولة ولكن سياسة الصين بالابتعاد عن المخاطر حتى الآن يدفع بيونغ يانغ إلى مزيد التهور، وبالتالي زيادة مخاطر التسبب في نتائج كارثية على الصين نفسها.

وما زال على الصين إلى الآن أن تعمل على تضييق الخناق على نقل البضائع العسكرية والمعدات ذات الاستخدام المــزدوج، كما لم تستخدم نفوذها الاقتصادي فهي تؤمن 90 بالمئة من الطاقة لكوريا الشمالية و80 بالمئة من السلع الاستهلاكية وقرابة نصف احتياجاتها الغذائية.

وقد اكتفت بعبارات الإدانة الشكلية للتجارب النووية الكورية الشمالية.

بكين تراجع تاريخها مع بيونغ يانغ

بكين- بعد ستة عقود على معالجة جنود صينيين عائدين من الجبهة الكورية ما زال الطبيب تشو مقتنعا بأن تضحياتهم لم تذهب سدى، ولو أن التحالف المجبول بالدم بين بكين وبيونغ يانغ ضعف.

وأثناء الحرب الكورية (1950-1953) أرسلت الصين مئات الآلاف من الجنود إلى شبه الجزيرة. وأجبرت هذه "الأمواج البشرية" قوات الجنرال الأميركي دوغلاس ماك آرثر التي اجتاحت الشمال على الانكفاء.

هذه الحرب التي انتهت باتفاق هدنة أبرم في 27 تموز – يوليو 1953 تحتل مكانة خاصة في تاريخ الصين الحديث. فقد بدأت بعد أقل من 12 شهرا على تأسيس الحزب الشيوعي برئاسة ماو تسي تونغ الجمهورية الشعبية في أعقاب حرب أهلية دامية. وقتل ماو انيينغ نجل ماو تسي تونغ، في معارك في الحرب الكورية وهو يعتبر رمزا للعلاقات الوثيقة بين البلدين اللذين غالبا ما يوصفان بأنهما "قريبان قرب الشفتين من الأسنان".

في الصين سميت الحرب رسميا "حرب لمقاومة الاعتداء الأميركي وإنقاذ كوريا". لكن بعد 60 عاما وبعد تصاعد قوة الصين اقتصاديا وسياسيا على الساحة العالمية بدأ يبرز تدريجيا امتعاض الصين من جارتها ومسرحياتها النووية. فالرئيس الصيني الجديد شي جينبينغ، المولود قبل شهر على الهدنة في 1953، اعتمد نبرة صارمة غير معهودة حيال "الذين يثيرون الفوضى لأغراض أنانية" في تصريح اعتبر أنه يعني كوريا الشمالية ولو أنه لم يسمها.

وأتت هذه التصريحات بعد أشهر من الاستفزازات من طرف بيونغ يانغ ومن بينها إطلاق صاروخ اعتبرته سيول تجربة صاروخ عابر للقارات، وتجربة نووية جديدة، وتهديدات متكررة بضرب الأعداء.

واعتبر ادم كاثكارت، خبير العلاقات الصينية الكورية في جامعة كوينز في بلفاست، أن دعم الصين لكوريا الشمالية "يتراجع بشكل جلي". واعتبر كاثكارت أن تغير المواقف هذا يفسر بالرحيل التدريجي للجيش الذي عايش الحرب وتلكؤ كوريا الشمالية في الاعتراف بالتضحيات الصينية وكذلك الحرية التي منحت للمؤرخين في الصين لبحث هذه الحقبة من التاريخ.

وأوضح المؤرخ "من الجلي أن الصين تشهد مراجعة للتاريخ، فيما يصر الكوريون الشماليون على نسختهم التي تعتبر أن بطل (الحرب) الرئيسي هو كيم ايل سونغ" مؤسس النظام، "الأمر الذي يعتبره الصينيون مثيرا للسخرية".

6