حرب الرمادي تلوح دامية ودون مقومات لحسم سريع

مقومات النصر على تنظيم داعش في العراق ليست ميدانية عسكرية فحسب، بل أيضا سياسية واجتماعية. ذلك ما يقر به ساسة عراقيون من بينهم رئيس البرلمان سليم الجبوري وينطبق بشكل عملي على معركة الرمادي الوشيكة والمثيرة للمخاوف والقلق.
الخميس 2015/05/21
يتجهون من الرمادي إلى بغداد بأمل ضئيل في الحصول على "فيزا" لدخول عاصمة بلادهم

بغداد - المنامة – حذّر رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري في حديث خاص لـ“العرب” من أن عدم وجود عملية سياسية ناجحة في العراق يؤدي إلى استيعاب تنظيم داعش لبعض العراقيين، مؤكّدا أن تحقيق النصر في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم لا يتم إلا بمساندة أهالي تلك المناطق أنفسهم.

وجاء كلام الجبوري فيما كانت الاستعدادات على أشدّها تحضيرا لمعركة الرمادي التي توصف بـ“المصيرية” وتثير القلق والمخاوف بشأن نتائجها وعلى مصير المدنيين فيها وعلى مآل المدينة التي يُخشى أن تدمّر بشكل كامل.

وتمكنت القوات العراقية أمس من صدّ هجوم مباغت شنّه مقاتلو تنظيم داعش قرب مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار وهدفوا من ورائه إلى منع تمركز تلك القوات استعدادا للمعركة.

كما واصل التنظيم تدعيم مواقعه في المدينة وإعداد دفاعاته، فيما تواصل توافد الآلاف من ميليشيات الحشد الشعبي المكون أساسا من تشكيلات شيعية على قاعدة الحبانية، حيث يتم تجميع هؤلاء المقاتلين.

وعبّرت جهات سياسية عن تخوّفها من أن تنحو معركة الرمادي بفعل مشاركة الميليشيات الشيعية فيها منحى طائفيا صرفا.

وحسب مراقبين فإنّ معركة الرمادي، ومن ورائها معركة الأنبار ككلّ تختزل أخطاء وعوائق الحرب ضد تنظيم داعش في العراق والتي تتجاوز الإشكالات العسكرية والميدانية إلى الوضع السياسي والاجتماعي في البلاد.

ورافق الانتكاسة الكبيرة التي شهدتها الحرب خلال الأيام الماضية والتي تجسّدت في انهيار القوات المكلّفة بحماية مدينة الرمادي وفرارها أمام تنظيم داعش، عجزٌ حكومي عن حماية المدنيين من تبعات الأحداث، الأمر الذي يزيد في تعميق الهوّة بين سكان محافظة الأنبار السُنّة وحكومة بغداد التي يقودها الشيعة.ٌ

فشل على جبهة القتال وإخفاق مماثل في حماية المدنيين وتجنيبهم ويلات الصراع وتبعاته

وأفاد نازحون عراقيون عالقون في معبر بزيبز على أبواب العاصمة بغداد أمس بأن خمس حالات وفاة سجلت بين العوائل النازحة من مدينة الرمادي، مؤكدين أن الحكومة سمحت بدخول الحالات الإنسانية فقط إلى العاصمة وبشرط الكفيل دون أن تسمح للعوائل الأخرى.

وأضاف النازحون أن امرأتين وثلاثة أطفال توفوا الثلاثاء بسبب حرارة الجو ونقص الأدوية وتم دفنهم على عين المكان.

ومن جهته قال مسؤول محلي عراقي إن ضابطا رفيعا بالجيش اعتدى بالضرب والسب والشتم على الأسر النازحة والمهجرة الواقفة في جسر بزيبز، مطالبا القيادة العامة للقوات المسلحة بمحاكمته عسكريا.

ونقلت وكالة الأناضول عن رئيس مجلس قضاء العامرية شاكر محمود، قوله إن “ضابطا بالجيش برتبة عقيد اعتدى بالضرب والشتم والسب على الأسر النازحة والمهجرة الواقفة في جسر بزيبز الذي يربط عامرية الفلوجة بالعاصمة بغداد”، مضيفا أن “الضابط اعتدى على نساء ورجال من خلال ضربهم بيديه وساقيه فوق جسر بزيبز، وذلك أثناء محاولة تلك الأسر النازحة العبور إلى العاصمة بغداد”.

وتعتبر مثل هذه السلوكات المنفّرة مظهرا لضعف عامل الوحدة الاجتماعية في العراق، وسببا لنفور جزء كبير من العراقيين من الاصطفاف إلى جانب الحكومة، بل دافعا للبعض إلى التطرف ومساندة تنظيمات متشددة مثل داعش، حسب تأكيد رئيس البرلمان العراقي نفسه.

وقال سليم الجبوري الذي التقته “العرب” على هامش زيارته الأخيرة إلى مملكة البحرين إنه لا يمكن تحقيق النصر في المناطق التي يسيطر عليها داعش إلا بمساندة أهالي تلك المناطق أنفسهم، داعيا مواطني الأنبار والموصل وصلاح الدين إلى أن يكونوا أول من يسهم في عملية تحرير مناطقهم، ومشددا على أنه لو هيئت جميع السبل اللازمة لمواطني المناطق التي يسيطر عليها داعش لاستغنوا عن أبناء المحافظات الأخرى في إشارة إلى الحشد الشعبي.

الجبوري يشدد على ضرورة أن يكون طرد داعش والقضاء عليه بـ"أياد عراقية، ومساعدة من المجتمع الدولي وفي مقدمته الدول العربية"

وأضاف الجبوري “هناك عزيمة لدى العراقيين في مواجهة التحدي بالقضاء على داعش وتحرير المناطق منه وتحقيق الأمن والاستقرار، وذلك لن يكون إلا بمساعدة الدول العربية ومساندتها أولا، ثم المجتمع الدولي في الوقوف مع العراق بصفة أوضح”.

وأكد أن القضية الكبرى في العراق، والتي يجب أن تكون هي وقوف العراقيين صفا واحدا أمام التحدي، من دون صراعات واعتبارات طائفية.

وقال رئيس مجلس النواب العراقي “لدينا ثقة في إنهاء الإرهاب، ولكن بجهود استثنائية جدا، وهذه المهمة ستكون أسهل لو كانت هناك مساندة من المحيط العربي خصوصا”.

وحول التدخلات الإيرانية وموقف سُنّة العراق منها، قال إن “حال أهل السنّة كما حال العراقيين جميعا يرفضون أي تدخل في شؤونهم الداخلية، ولا يرغبون في التدخل في شؤون أي دولة أخرى، نحن نريد أن تسير الأمور باتجاه تحقيق الإرادة الشعبية وصناعة القرار لدينا. لقد عانينا من تدخل جهات أقليمية عديدة في الشؤون العراقية، وكان لها أثر كبير، ولم تكن تلك التدخلات مبررة وأثّرت بنحو كبير على واقعنا العراقي، ومن خلالها نشأ الصراع والخلاف الكبير”.

وشدّد الجبوري على ضرورة أن يكون طرد داعش والقضاء عليه بـ“أياد عراقية، ومساعدة من المجتمع الدولي وفي مقدمته الدول العربية”.

وبشأن ما إذا كان وجود ميليشيات الحشد الشعبي يشرع لحديث الكثرين عن تخوفات جدية من فتنة طائفية قد تقود إلى حرب أهلية واسعة النطاق، أجاب الجبوري بأن الحشد الشعبي هو “حالة واضحة في مساندة الجميع ضد الإرهاب، وهو أمر مرحب به، ولكن نحن ضد عمليات التخريب والحرق والفتنة الطائفية التي تعقب عمليات التحرير”، معتبرا أن “تلك العمليات يستفيد منها الإرهاب وداعش، وبالتالي فهي تحقق لتلك الجماعات مبتغاها حينما تنشب الخلافات، وعند ذلك ينصرف العراقيون عن هدفهم الأساسي”.

وأضاف أن “مجابهة تنظيـم داعـش تحتـاج إلى سلاح ومقدرات تسهم في إدامة وقود المعركة وهي ليست بالمعركة السهلة. وبالتالي العشائر حينما تريد أن تساند الجيش، فلابد أن يكون هناك من يقف إلى جانبها ويدعمها”.

3