حرب السحرة والمشعوذين

إن ما تشهده بعض مناطق تونس وليبيا ومصر هذه الأيام من حملة تطهير المقابر من أعمال السحر والحديث عن اكتشاف أكداس من الحروز والطلاسم، تجعلنا نعتقد لأول وهلة أننا شعوب مسحورة ومربوطة بحبال المشعوذين.
الخميس 2020/09/10
مطاردة السحر.. في المقابر

لا أدري كيف يتصرف الإنسان في زمن ثورة الاتصالات وتعديل الجينات وعبقرية الروبوتات، إذا قيل له إنه مسحور من قبل جماعة كشف الأسرار المخفية والمندل والخاتم السليماني والعلم الروحاني ومعتمدي اللؤلؤ والمرجان في تسخير ملوك الجان، والمهتمين بمدهش الألباب في أسرار الحروف وعجائب الحساب، والمبحرين في أسرار مزامير داوود وسحر هاروت وماروت ومستعملي الجواهر اللماعة في استحضار ملوك الجن في الوقت والساعة، أو الحافظين لمؤلفات ابن برخيا والطوخي والبوني والحنفي والكشناوي وابن الحاج الكبير وغيرهم.

ولا أتخيّل كيف سيكون موقفه إذا قيل له إنه تم العثور في إحدى القبور المنسية على طلاسم تحمل اسمه واسم أمه وصورته وقد ثقبت بالمسامير مع أظافر رضيع وشعر ماعز أسود وريش هدهد أفريقي، وأن عليه دفع مبالغ مالية من أجل فك العمل على يد شيخ صاحب قدرة روحانية ومتخصص في الرقية الشرعية؟

إن ما تشهده بعض مناطق تونس وليبيا ومصر هذه الأيام من حملة تطهير المقابر من أعمال السحر والحديث عن اكتشاف أكداس من الحروز والطلاسم، تجعلنا نعتقد لأول وهلة أننا شعوب مسحورة ومربوطة بحبال المشعوذين، وأن ما نواجهه من فقر وجهل وفساد وتخلف وتطرف وإرهاب هو بسبب الجان والشياطين، وأن إنتاج السحرة لدينا يفوق إنتاج المزارعين، ونشاطهم يتجاوز نشاط الأطباء والمهندسين والباحثين الأكاديميين، حتى أن بعض الدراسات قالت في العام 2014 إن إنفاق العرب على السحر والشعوذة يبلغ خمس مليارات دولار سنويا، وهو ما يتجاوز بكثير حجم الإنفاق على البحث العلمي.

لكن موضوع التفتيش في المقابر ورغم ما يكشف عنه من حالة تستحق الرثاء والازدراء، فإنه يبدو أقلّ حدة مما تعرفه ليبيا بمختلف مناطقها منذ أسابيع من تجند رسمي وشعبي لمطاردة السحرة والمشعوذين والقبض عليهم، مع متابعة خبرية حينية للمستجدات أولا بأول، ودخول المسؤولين السياسيين على الخط لتوجيه الرأي العام، وترحيب شيوخ الدين من السلفيين بهذه الخطوة التي يبدو أن من بين أهدافها الخفية التضييق على المتصوفين باعتبارهم في مقدمة المتهمين.

لكن المشكلة أن هذه الحملة التي تتزامن مع وقت مفصلي في عمر الأزمة الليبية، جعلت أغلب المواطنين في حالة اضطراب بين من يعتقد أنه مسحور وبين من يخشى أن يتعرض للسحر، وبين من بات يشك بأن أية عراقيل تعترض خطاه إنما هي وليدة الأعمال السفلية أو الطلاسم الشيطانية التي أعدّت له من أحد المقربين في الأسرة أو الحاسدين من الجيران والمنافسين في العمل.

بعض المشاهدات تذكرنا بما كان يحدث في أوروبا خلال الفترة الكلاسيكية لمطاردة الساحرات أوائل العصر الحديث أو حوالي ما بين عام 1450 إلى 1700 بقيادة الكنيسة الكاثوليكية بداية ثم البروتستانتية، ومرورا باضطرابات الإصلاح وحرب الثلاثين عاما ما أسفر عن الآلاف من عمليات الإعدام وما أدى إلى مقتل بين 40.000 إلى 60.000 امرأة بتهم تتعلق بالسحر والشعوذة، حيث شهدت تلك الفترة حالة من الهلع الجماعي والشحن والخوف من السحر، وبات الزوج يتهم زوجته والأخ يتهم أخاه والابن يتهم أمه وأباه بتسليط المشعوذين عليه وإرسال الشياطين إليه.

يبقى أن ذلك كان في الغرب الأوروبي والأميركي قبل مئات السنين، وهم لا يهتمون به حاليا إلا في أفلام الرعب التي يسوقونها، أما نحن فيبدو أننا أدركنا الوقت المناسب لنطلق هذه الحملات حتى نقول للعالم المتقدم إن بيننا وبينه ذات المسافة التي تفصل شعوبه بين زمن حرب الساحرات وزمن ثورة الاتصالات والإنترنت وتعديل الجينات وعبقرية الروبوتات واختراق الفضاءات حيث يعتقد جماعتنا أن للجن مزارع وللشياطين قصورا وشاليهات.

24