حرب السعودية على الإرهاب وراء التحامل عليها

أغلب شعوب المنطقة باتت تعول على دور المملكة المؤثر والفاعل والاستراتيجي في القضاء على الإرهاب كفكر ومشروع، ومَن خلفه كجماعات متدثرة بلبوس الدين في سعيها المحموم للتمكين والسيطرة على مراكز السلطة والقرار.
الخميس 2018/12/06
حملات تشويه متعمدة

لم يعد خافيا على أغلب المراقبين أن حرب المملكة العربية السعودية على الإرهاب باتت تمثّل أبرز دوافع التحامل عليها وعلى قيادتها، وبالأخص على ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. حيث ورغم كل ما قيل، ويقال، عن موقف دولي موحد ضد الجماعات الإرهابية، إلا أن الواقع يشير إلى أن قوى عالمية وإقليمية لا تزال تحتاج إلى الإرهاب كرصيد في بنك الاحتياط الاستراتيجي، تدخره للوقت المناسب، بقصد تحقيق أهداف بعينها يتم تحديدها، ثم الانطلاق إلى تنفيذها بواسطة تلك الجماعات المقاتلة باسم الإسلام وهو براء منها.

إن التحول الكبير الذي تشهده المملكة منذ عامين تقريبا على جميع الأصعدة، وخاصة في المجالين الاجتماعي والثقافي، أطاح بالمخططات القائمة منذ سبعينات القرن الماضي، والتي كانت تبنى على جعلها منطلقا لدعوات التجييش والاستقطاب السلفي السني، وخاصة بعد عملية التهجين التي تم تنفيذها من قبل  الجماعة السرورية، حيث تم تصنيع ما سمي لاحقا بالسلفية الجهادية عبر دمج السلفية العلمية بالخطاب الإخواني القطبي التكفيري، وهو ما نتج عنه لاحقا تأسيس عبدالله عزام وأسامة بن لادن لتنظيم القاعدة الذي كفّر الدول والأنظمة والمجتمعات، وتسبب في انتشار ظاهرة الإرهاب في المنطقة والعالم بشكل لم يكن موجودا قبله.

والتيار السروري المعروف كذلك بالتيار الصحوي، أنشأه محمد سرور زين العابدين، أحد رموز الإخوان في سوريا، قبل أن ينشق عنهم ليؤسس تياره المتشدد من على أرض المملكة التي لجأ إليها، وعمل مدرسا في معاهدها العلمية، وانطلق من هناك مروجا لفكرة الدمج بين السلفية والجهادية، ما أدى إلى انتشار الفتنة في دول عدة، وفي ظهور جيل من الدعاة المتشددين، كان لهم دور في تجييش جانب من الشباب العربي المسلم، والدفع به إلى أتون الحروب من أفغانستان إلى العراق، ومن الصومال إلى ليبيا، فسوريا وغيرها من البلدان، وكذلك إلى تنفيذ العمليات الإرهابية سواء في الدول الإسلامية أو في غيرها، قبل أن يتوفى منشئ الجماعة في قطر ويدفن في ترابها في نوفمبر 2016، ليبقى مشروعه قائما، ولكن مجيء الأمير محمد بن سلمان إلى الحكم، وجه ضربة موجعة لهذا التيار، ما أدى إلى حالة انكفاء في صفوف أتباعه.

إن أبرز ملامح التيار السروري هي تلك التي توضحت خلال ما سمي بثورات الربيع العربي، عندما قاد الدعاة السروريون معركة الاستقطاب عبر الإفتاء والخطابة في المنابر وعلى وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، فكان التحالف بين الإخوان وتنظيم القاعدة في أكثر من بلد عربي، وخاصة في ليبيا وسوريا والعراق ومصر واليمن، وتم إطلاق أسماء عدة على فروع تنظيم القاعدة من بينها “أنصار الشريعة” في تونس وليبيا، و”جبهة النصرة” في سوريا، و”أنصار الجهاد” في سيناء، بهدف التمويه الذي تقف وراءه جماعة الإخوان لتجاوز أي إحراج داخلي وخارجي، رغم أن قوى إقليمية وغربية كانت تدعم هذا التوجه وتشجع عليه، وتطلق على الإرهابيين صفة الثوار المبشرين بالحرية والديمقراطية.

إن مجرد العودة قليلا إلى الوراء، والوقوف عند صورة الإخواني محمد مرسي وهو يجلس إلى جانب محمد قطب ومحمد الظواهري شقيق أيمن الظواهري في احتفالات نصر أكتوبر في العام 2013، أو عند مشاركة عناصر الجماعة الليبية المقاتلة التابعة لتنظيم القاعدة إلى جانب الإخوان في أول حكومة ليبية بعد الإطاحة بالنظام السابق، أو حضور عدد من عناصر حركة النهضة الإخوانية في تونس أنشطة تنظيم أنصار الشريعة في العام 2012، يجعلنا ندرك حجم المؤامرة التي كانت تقاد ضد دول المنطقة وتستهدف دولا أخرى، بما فيها دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، بمباركة من عواصم غربية كانت واشنطن على رأسها، كما لم تكن إيران بعيدة عن ذلك المشروع الذي اختارت بدورها أن تطلق عليه اسم الصحوة الإسلامية في تماه شيعي مع منهج ما سمي بالتيار الصحوي السروري السني.

وعندما أعلنت المملكة الحرب على الإرهاب، كانت تدرك أن البداية يجب أن تكون من الفكر والمنهج الإرهابيين، وهو ما أثار حفيظة الإخوان والجماعة السرورية وتنظيم القاعدة معا، وأزعج الواقفين وراء تلك الجماعات من أتراك وقطريين وإيرانيين، وكذلك من القوى الغربية التي كانت تدّخر احتياطيّها من الإرهابيين لمشروعات استراتيجية منها الحرب على روسيا والصين، مثلما فعلت سابقا في حربها على الاتحاد السوفييتي، وعلى الأنظمة العربية التي تراها معادية لها.

لقد جاء الإعلان السعودي على الحرب ضد الإرهاب بمختلف أشكاله، وضد دعاته ومموّليه ومن يقف وراءهم في المنطقة، ليثير غضب أطراف وقوى إقليمية ودولية لا تريد لهذا السلاح الفتاك أن يُدمّر، وإنما تريد له أن يستمر في ممارسة نشاطه، أو أن يستعد لمعارك قادمة، ولكن بعيدا عن مصالحها، لذلك تعرضت المملكة وقيادتها وخاصة ولي العهد محمد بن سلمان إلى حملات تشويه متعمدة، ولو بحثنا عمّن يقف وراء تلك الحملات لوجدناها تنطلق من رعاة الإسلام السياسي ومن أبواق الإخوان وإيران، ومن دعاة السلفية الجهادية التكفيرية، وممّن يروّجون إلى الصحوة، ومن أجهزة مخابرات غربية كانت وراء أكبر حروب الإبادة، وأبشع أشكال التمرد في المنطقة، وممّن عجزوا عن استيعاب أن حرب المملكة على الإرهاب تعني الاتجاه نحو إسلام حضاري متسامح مُحاور لثقافات العالم بلغة التعاون والتفاعل الإيجابي.

ولا شكّ أن أغلب شعوب المنطقة باتت تعوّل على دور المملكة المؤثر والفاعل والاستراتيجي في القضاء على الإرهاب كفكر ومشروع، ومَن خلفه كجماعات متدثرة بلبوس الدين في سعيها للتمكين والسيطرة على مراكز السلطة والقرار، وهي تدرك جيّدا أن السعودية باعتبارها صاحبة الثقل الديني والحضاري والثقافي ومهبط الوحي ومدار المعارف الإسلامية، قادرة على السير قدما في طريق الإصلاح، ولو كره المتشددون والإرهابيون ومَن يقف وراءهم إقليميا ودوليا.

9