حرب السعودية على الفساد لها أبعاد سياسية.. فليكن!

الأربعاء 2017/11/08

محاربة الفساد في السعودية تحولت أيضا إلى حرب على عقول ملتبسة. لا أحد يدري ما المطلوب فعله في هذه المنطقة بالضبط. الخطأ صار صحيحا، والصحيح صار خطأ. المنطقة تمر بمرحلة إعادة قراءة لكل المفاهيم التي أقرت البشرية بناء عليها نظام الحياة اليومية في العصر الحديث.

الأمير محمد بن سلمان يواجه مأزق المنطقة مع نفسها الآن. إذا لم يحارب الفساد والمفسدين يجد من يتهمه بالتقصير، وإذا عصف بهم في ضربة واحدة، يلوك نفس هؤلاء بالهمس واللمز نوايا الحكم وأهدافه.

“الحرب على المفسدين ليست في جوهرها حربا على الفساد” وفقا لكثيرين هذه الأيام. لا يوجد معنى متماسك لمثل هذه الاتهامات حتى الآن، لكن فليكن.

خلط الفساد كعنوان براق بترتيبات سياسية في الداخل ليس هذا الشيء الذي يمكن أن يختبئ منه حاكم، طالما أن أيدي المعتقلين ملوثة بالفساد فعلا.

دعنا لا نقفز على النتائج بعد. في النهاية لم يتم الإعلان عن أسماء المحتجزين بشكل رسمي من قبل هيئة قضائية سعودية، ولم يتم الكشف بعد عن طبيعة الاتهامات.

بعد تثبيت هذه الحقيقة الضرورية صار المدى الآن مفتوحا بكل منطق وموضوعية لكي تقول ما تشاء، سواء كنت مع هذه الإجراءات أو ضدها. المهم أن يحمل ما تقوله بعضا من منطقية وموضوعية وتفهم لطبيعة السياسة في بدائياتها الأولية.

السياسة تقول إن إجراء الإصلاحات الجذرية التي يطمح إليها الأمير محمد يتطلب إزالة العقبات التي تقف أمامها. قد تكون هذه العقبات استنزافا لموارد الدولة في صورة فساد يلتهم المليارات كل عام، وقد تكون عقبات سياسية وقد تكون غير ذلك.

بين محمد بن سلمان في أعلى هرم المجتمع، وبقية الشباب السعودي في قاعه، ثمة طبقة تحارب من أجل الحفاظ على مصالح وثروات تراكمت على مدار عقود من التسيب والضعف الرسمي أمام مراكز القوى

في النهاية هذه العقبات يجب أن تختفي. قرار كهذا هو ما يميز بين قائد تقليدي يحكم بما هو متاح من أدوات ويتعايش مع الظروف المفروضة عليه، وبين زعيم يخلق أدواته بنفسه ويقلب هذه الظروف ويوظفها في خدمة رؤيته.

في السعودية التحديات مزدوجة. عقبات الإسراع في تنفيذ “رؤية 2030” هي تقويض لشرعية حكم ولي العهد السعودي بطريقة غير مباشرة. الفساد وسوء الإدارة وشلل المؤسسات الحكومية والإقطاعيات العائلية لا تقل خطورة على نهوض السعودية من إيران وأذرعها من جهة، وداعش والمتطرفين من جهة أخرى.

الاستسلام للمسار الذي كانت الدولة تدار به طوال عقود كارثة. الكارثة تكمن هنا في أن عقلية المجتمع المحافظ وفلسفته الدينية كانت تشكل طوال الوقت خطرا على استقرار المنطقة بأسرها. لكي تتحول قوة ما إلى مصدر لتغيير عقائد الملايين من البشر حولها نحو المزيد من المحافظة، وأحيانا التشدد، كان حتميا أن تتداعى ولو ببطء باتجاه الانهيار.

“مسار الانهيار” كان عاما وواقعيا لدرجة التسليم به إقليميا ودوليا.

تحويل هذا المسار إلى اتجاهات كفيلة بصنع دولة ومجتمع طبيعيين في اعتدالهما النفسي والديني والوطني كان حلما يراود كل دول المنطقة طوال عقود. لم يكن متخيلا أن يأتي حاكم شاب في السعودية ليحدث الناس بجرأة عن العودة إلى الاعتدال. من كان يحلم باتخاذ قرار قيادة المرأة للسيارة بهذه البساطة، دون اهتزاز البلد؟ هل كان طبيعيا في السابق مثلا أن يفكر مسؤول سعودي بوضع عوض القرني وسلمان العودة في السجن بهذا الهدوء والتماسك؟ هل وجد من بين أكثر المتفائلين في السعودية من توقع أن تتحول السعودية إلى رأس حربة في معاداتها للإخوان المسلمين، ثم تنتقل بعد ذلك لتصفية الحسابات مع السلفيين المتطرفين دون أن يرف لها جفن؟

إذا كنت شخصا موضوعيا في نظرتك للسعودية وتقييمك لها فستكون إجابتك على كل الأسئلة السابقة بـ“لا”، أو ستصمت.

الحقيقة هي أن السعودية واقعيا لم تعد تحتمل البقاء خلف خطوط “الربيع العربي”. نعم، هذا هو “الخريف الأسود” وسبب الفوضى في المنطقة وكل هذا الكلام الذي يحلو لنا جميعا أن ننعت به ثورات المنطقة. هو كلام صحيح وليس به تجن إطلاقا. التجني الحقيقي على هذا “الربيع” هو رؤية الفوضى فقط، دون قراءة النتائج التي تظهر لاحقا كنتيجة لتفاعلاتها. المنطقة تنهض واقعيا من وسط الرماد.

أحد أكبر دلائل النهوض ما يجري اليوم في السعودية. ثمة محاولات جدية للتحول من قوة تقليدية تعادي التغيير، إلى محرك التحديث الذي يقود هذه المرة التغيير بأبعاده العميقة في المنطقة. المشكلة في السعودية أن زخم التطلع إلى واقع جديد صار ينحصر في الحكم وقوة الشباب، الذي يشكل 60 بالمئة من المجتمع السعودي.

الشباب لا يحملون عادة أجندات تخدم مصالح، ببساطة لأنهم في عمر لم يمكنهم بعد من بناء أي مصالح. النتيجة أن غرائز الشباب وأحلامهم دائما ما تكون صادقة ولا تملك شيئا كي تقايض به سوى التجرد.

بين محمد بن سلمان في أعلى هرم المجتمع، وبقية الشباب السعودي في قاعه، ثمة طبقة تحارب من أجل الحفاظ على مصالح وثروات تراكمت على مدار عقود من التسيب والضعف الرسمي أمام مراكز القوى. الثروات النفطية الهائلة التي يتمتع بها البلد، كانت تتركز في يد مجموعة صغيرة من الأمراء ورجال الأعمال، بينما نسب البطالة في زيادة كل عام. الكبار كانت تسند لهم عقود الدولة ومشاريعها الكبرى، والسعوديون العاديون ليسوا محل اهتمام حقيقي.

الشباب لا يحملون عادة أجندات تخدم مصالح، ببساطة لأنهم في عمر لم يمكنهم بعد من بناء أي مصالح. النتيجة أن غرائز الشباب وأحلامهم دائما ما تكون صادقة ولا تملك شيئا كي تقايض به سوى التجرد

إذا سرت في شوارع الرياض أو جدة أو الدمام أول سؤال سيخطر في بالك: هل هذا بلد عضو في مجموعة العشرين الكبار في العالم؟ أين ثروات أكبر مصدري النفط على الإطلاق؟ أين تذهب؟ ولماذا لم يستغل السعوديون مواردهم الضخمة في الانتقال إلى دائرة الدول المتقدمة، والمجتمعات التي تملك وعيا حقيقيا؟

أخيرا بدأنا نرى جوابا عمليا على هذه الأسئلة التي كانت تراود كل من هو ليس سعوديا. الملك سلمان والأمير محمد يحتاجان إلى دعم كل إنسان سوي مازال يرى في الفساد مشكلة أخلاقية واجتماعية وتنموية.

قد تمتد الحرب على الفساد لتأخذ طابعا سياسيا مؤقتا، وقد توظف لتعزيز سلطات أو لسحب صلاحيات. في مجتمعاتنا، كل ذلك تفاصيل في ظل غياب الديمقراطية وعدم اهتمام الناس بها أو استعدادهم لقبول تبعاتها بعد. المهم هو الهدف النهائي من كل ما يحصل الآن، وهو تحويل السعودية إلى بلد جديد. بلد مديني حقيقي يستحق منا جميعا أن نقف إلى جواره وأن ندعمه وأن نشد على أيادي قادته، دون ظلم أحد.

كاتب مصري

8