حرب العراق وطموح الصين يحصدان الجوائز القومية للكتاب بأميركا

الأربعاء 2014/11/26
الفائزون الأربعة ومعهم فيل كلاي الذي حصد أرفع جائزة أميركية مخصصة للأدب

حصل الجندي المتقاعد من البحرية الأميركية “فيل كلاي” على أرفع جائزة أميركية مخصصة للأدب، بفوزه بالجائزة الوطنية للكتاب في فرع القصة القصيرة، عن مجموعته الأولى التي تتناول قصصها الجنود في نضالهم من أجل تقبل الخراب والفوضى في حرب العراق، وترصد تجربة فيل كلاي الشخصية مع الحرب، بما فيها من رعب وضجر وطرافة في بعض الأحيان.

“لا يسعني أن أفكر في حوار أهم من هذا الحوار، فالحرب أغرب من أن يتدبرها المرء بمفرده”. لم أسمع من قبل ما هو أبلغ من تلك الجملة التي تردّد صداها على خشبة تشيبرياني وول ستريت أثناء تسلم قائلها الجائزة القومية للكتاب، جائزة أميركية عريقة يمتدّ تاريخها على مدى 60 عاما.

قالها القاص الأميركي فيل كلاي أمام سبعمئة من الحضور وهو يتقبل الجائزة المقدّمة من مؤسسة الكتاب القومي عن مجموعته القصصية “إعادة نشر الجند” التي احتلت وفقا لجريدة “نيويورك تايمز” قائمة أفضل الكتب مبيعا في هذا العام، وانتزعت الجائزة من كتب تباينت مواضيعها وأسلوبها الأدبي، من بينها رواية “امرأة لا لزوم لها” للكاتب اللبناني ربيع علم الدين.

فاز كتاب “عصر الطموح: السعي إلى الثروة والحقيقة والإيمان في الصين الجديدة” لإيفان أوزنوس، أحد كُتاب مجلة “ذي نيويوركر”، بالجائزة عن فئة الكتاب غير القصصي. يفكك الكتاب عملية التحوّل الحثيث الذي شهدته الصين في سبيل أن تصبح قوة اقتصادية عظمى، والصدام بين تطورها الرأسمالي وإجراءات صارمة يفرضها نظامها السلطوي لخنق أية حرية سياسية واجتماعية.

وفي خطابه الموجز إلى الحضور، شكر أوزنوس المتعاونين معه من الصينيين لأنهم خاطروا برزقهم، بل وبأرواحهم، من أجل إنجاز كتابه، “إنهم يعيشون في مكان على غاية من الخطورة حين يتحلى فيه الإنسان بالصدق”.

قطوف من قصة "إعادة نشر الجند"
كلب يلعق دم قتيل
كنا نطلق الرصاص على الكلاب. ما كانت مصادفة، وإنما عن عمد. سميناها “عملية كَلُّوب”. أحبُ الكلاب، لذا انشغل تفكيري بما صنعناه. كانت المرة الأولى غريزة.

أسمعُ أولاري يهتف، “يا يسوع،” فيرتطم بصري بكلب بني أعجف يلعق دماء مثلما يلعق الماء من سلطانية. ما كانت دماء أميركية، ومع ذلك، ها هو ذلك الكلب، يلعقها. أظنها كانت القشة الأخيرة، وبعدها بات الموسم مفتوحا لصيد الكلاب.

لا تُفَكِّر وقتذاك فيها. تُفَكِّر في أناس داخل ذلك المنزل، بم يتسلحون؟ كيف سيقتلونك أو يقتلون أصحابك؟

تمضي من المبنى إلى الآخر، تحارب ببنادق مداها 550 مترا، وتردي الناس قتلى على بعد خمسة أمتار وهم يحتمون بصندوق خرساني. يأتيك التفكير في وقت تال عندما يتيحون لك الوقت.

الفكرة هي أنها ليست عودة مفاجئة مثل الطلقة، من الحرب إلى متجر جاكسنفيل.

حين انتهت فترة انتشارنا، وضعونا في قاعدة التقدم الجوية، قاعدة لإيواء الجنود في الصحراء، تركونا لنفك عن أنفسنا قليلا.

لستُ واثقا ممّا عنوه بذلك التعبير، نفك عن أنفسنا، فهمنا أنه يعني الإكثار من الاستمناء تحت الدش. تدخين الكثير من السجائر ولعب الكثير من الكوتشينة.

وبعدها أخذونا إلى الكويت ووضعونا في طائرة تجارية عائدة إلى الوطن. ها أنت ذاك. كنتَ في منطقة حرب لا تَقْبل الهراء، وبعدها تجد نفسك جالسا على كرسي فاخر، ترتقي عيناك إلى فوهة صغيرة تُطلق الهواء المكيف، يجول في بالك، ما هذا الخراء؟ تدس بين ركبتيك بندقية، ويدس مثلها جميع الآخرين.

يحوز بعض الجنود مسدسات عيار إم 9، ولكنهم يأخذون منك الحِراب لأنه غير مسموح لك بأخذ سكاكين على الطائرة.

وبالرغم من استحمامكم، تبدون جميعاً وسخين في منتهى النحول. عيون الجميع غائرة، وأزياء الحرب المموهة رثة مهلهلة. تتخذ مجلسك هناك، وترخي جفنيك، وتفكر.

كما فازت السيرة الذاتية الشعرية “فتاة سمراء تحلم” لجاكلين ودسِن في فئة أدب البالغين. وتروي فيها نشأتها كفتاة من أصول أفريقية في ولاية ساوث كارولينا ونيويورك خلال الستينات والسبعينات. وفي فئة الشعر فازت لويز جلوك عن ديوان “ليلة مخلِصة وعفيفة” المرشح أيضا لجائزتي “فوروارد” و”تي إس إليوت”.

ونالت ملكة الفانتازيا والخيال العلمي أورسولا كيه لو جوين “ميدالية المساهمة البارزة في الآداب الأميركية”. لقد امتدّ مشوار لو جوين على نحو أربعين عاما، أصدرت خلالها أحد عشر كتابا للأطفال وما يربو على عشرين رواية وعددا من الدواوين والتراجم والمجموعات القصصية.

وحين تلقت ميداليتها، انتهزت الفرصة حتى تصبّ غضبها بلسان لافح على المجتمع الأدبي بسبب إقصاء الخيال العلمي والفانتازيا عن الجوائز، كما لامت الكُتاب على خضوعهم لضغوط الناشرين من أجل إصدار كتب تدرّ أموالا أكثر، “لقد عشتُ مسيرة مهنية طويلة وناجحة، وهنا في نهايتها، لا أريد حقا أن أشهد خيانة الأدب الأميركي.”


صوت كالعاصفة


يسرد فيل كلاي اثنتي عشرة قصة بصوت أشبه بالعاصفة الجديرة بموضوعه، حرب العراق وعواقبها. لا يبخل علينا بأية تفاصيل، يتتبع دوريات عسكرية مروعة لا ينقصها العبث، يروي لنا إحساس الجندي العائد إلى وطنه ومحاولاته المستميتة المذنبة للتأقلم مع الحياة المنزلية في الضواحي الآمنة، يحيط به أناس، “لا يعلمون موقع الفلوجة على الخريطة حيث مات ثلاثة أفراد من فصيلتك”.

لا يتكل كلاي على الملحوظات المبتذلة أو الرجولة الحربية أو حتى الشعارات الوطنية، شعارات مجوّفة ترمي الأشلاء في كل اتجاه، وإنما يفند اعتقادات قد تبدو راسخة في أذهان الغرب عن الشرق الأوسط، يحللها بدون توسّل الدموع منا أو الاعتماد على استفزاز العواطف التافهة.

تغوص قصصه بشجاعة وعناد في واقع الحرب خلال القرن الواحد والعشرين وآثار الرعب والسأم التي تنزل بالمقاتلين في الصفوف الأمامية. كان كلاي قد خدم جنديا في محافظة الأنبار العراقية عام 2007، واستنادا إلى حقائق خبرها بعين المشاهد يسلط عينين مصدومتين على حربي العراق وأفغانستان ليتمكن في النهاية من إسباغ شيء من العقل على أحداث لاعقلانية.

"عصر الطموح: السعي إلى الثروة والحقيقة والإيمان في الصين الجديدة" لإيفان أوزنوس، فاز بجائزة "الكتاب غير القصصي"

تستوقفنا قصة “إعادة نشر الجند” بوصفها المقابل للشرق أوسطي لقصة “الأشياء التي حملوها” للكاتب الأميركي تيم أوبراين عن حرب فيتنام. وفيها يقتل جندي كلابا تأكل الجثث، لا نعلم تمام العلم إن كان يلهو أم أنه اضطرّ إلى الفعلة لقسوة المنظر، ربما ينطوي داخل صدره الدافعان.

كان كلاي قد أفضى إلى الحضور وهو يتسلم الجائزة أن الآخرين عاملوه وكأنه مضطرب نفسيا عند عودته من الحرب، في حين سأله الأطفال المرة بعد الأخرى، “هل قتلتَ أيّ أحد؟”

تتخلل كل القصص مشاهد حافلة بالوحشية والقتل العبثي، مشاهد تتوازى أحيانا مع مشاعر مفعمة بالإيمان تحل على بعض المقاتلين. يتناهى لدى بعضهم اليأس فيما يتشبث بعضهم بالحياة.

تلمّ بهم خسارة لم تَذكرها وسائل الإعلام ضمن أعداد القتلى والمصابين، ويعي الكاتب أنها خسارة تتوارى خجلا مقارنة بخسارة العراقيين والأفغان. لا تخلو المجموعة -صدق أو لا تصدق- من شيء من الكوميديا، السوداء ولا شك. ويتبدّى المؤلف وكأنما يسخر من نفسه أو منا أو من العالم.


طلقات لغوية


أسلوب كلاي تقليدي، وإنما فعال، تلفي فيه كل ما يمكن توقعه من حرفيّ يجيد القصة المعاصرة. لم يخترع جديدا على مستوى التكنيك، ولكنه وظّف المعلوم خير توظيف، ويظل البطل هو المحارب وقصته، لا الأسلوب. غالبا ما تتصف جمل كلاي بالقصر، تنفعل وتتفجر كما الطلقة، تقول بما تصرح به، وبأشياء أخرى توحي بها.

لا يهدر كلاي اقتضابه في سبيل الاستطراد، كل كلمة مقصودة ولها هدف، وفي الوقت ذاته لا يتوخّى غموضا، فلا غموض في الحرب، فالغموض ينمّ عن المداراة، وغايته هي تعرية الوهم. لا يهاب القارئ، ولا يدّعي أبطاله -وما هم بأبطال إغريقيين، فقط جيرانك أو معارفك- ما لا يعلمونه، فقط يحكون ما يعيشونه.

وعلى العكس من شخصيات تعاني الريبة والتململ، تَنعم مجموعة كلاي الأولى بثقة كبار الكتاب، تصف الأديبة الأميركية روكسانا روبنسون قلمه بأنه “يزخر بكل أنواع السُلطات، سلطة أدبية، سلطة عسكرية، وأخرى إنسانية خالصة”.

ليست صدفة في الحقيقة أن ينقلب عدد لافت من المحاربين إلى أدباء يكتبون عن العراق نثرا وشعرا عند عودتهم إلى وطنهم.

تستدعي “إعادة نشر الجند” إلى الذاكرة مجموعة الأميركي بينجيمِن بيرسي القصصية “تحديث، تحديث” الفائزة بجائزة آن باورز. تستلهم كلتاهما إرث إرنست هيمنجواي وأدبه عن الحرب، وتستعين كلتاهما بطبقات وطبقات من الحكي، وعلينا نبش الطبقات منقبين عن المغزى وسط الفوضى. لغتهما قاسية كمشرط الجراح، وتمتزج فيهما كلمات عامية بذيئة، والبذاءة هي ما قد نصف به الحرب، أي حرب.
15