حرب القرم إلى الواجهة مجددا استعدادا للانفصال

الخميس 2014/03/06

اتسم عهد روسيا القيصرية بقدر كبير من العداء والدموية، فمنذ سيطرة القياصرة على الحكم في روسيا، امتلك الروس حزمة من الأطماع التوسعية لكي تكون روسيا دولة كبرى على مسرح السياسة الأوروبية والدولية، واختلطت هذه الأطماع في بعض الأحيان بعواطف دينية متعصبة، متمثلة في حماية الأورثوذكس في العالم، وكذلك السيطرة على الأماكن المقدسة المسيحية في فلسطين.

حرب القرم كانت في القرن الثامن عشر مسرحا للمعارك والمواجهات، وللسيطرة على شبه الجزيرة تمهيدا لوصول روسيا القيصرية إلى المياه الدافئة، وهو الحلم الذي ظل يراود الروس لفترة طويلة من الزمن ولا يزال إلى اليوم.

عندما وسع القياصرة الروس حدود دولتهم نحو المياه الدافئة بعد احتلال شبه جزيرة القرم، حيث كان يعيش على أرضها شعوب تركية مختلفة تم ترحيلها وإسكان فلاحين روس مكانها، بدأ القياصرة باستعمار السهول الواقعة بين القوقاز ونهر الدانوب.

ووفقا لاتفاقية باريس التاريخية التي عقدت بين روسيا والدولة العثمانية والتي تتنازل بموجبها المملكة العثمانية لروسيا عن سلطتها في جزيرة القرم، في حال تحول ملكية الجزيرة إلى دولة ثالثة، عندها يحق للدولة العثمانية المطالبة بها. وبعد ذلك تم إنشاء ولايات جديدة سميت بـ”روسيا الصغيرة”، وهي المناطق التي تعرف بأوكرانيا الشرقية وتضم المدن الآتية (أوديسا وخاركوف ودانيتسك وخيلسون وسيفاستوبل ودنبر وبتروفسك) أما غرب أوكرانيا فكان جزءا من بولونيا ومن الإمبراطورية الرومانية، وقد تم ضمه للاتحاد السوفيتي عام 1939 إثر اتفاق بين وزير خارجية الاتحاد السوفيتي مولوتوف وروبنتروب وزير الخارجية الألماني، حول اقتسام بولونيا وأكبر مدنها” الفوف وروفنا”.

وينتمي سكان القسم الشرقي من أوكرانيا إلى العرق “السلافي” ومن أتباع المذهب الأورثوذكسي، أما سكان القسم الغربي من أوكرانيا فينتمون أيضا إلى العرق السلافي ( بولون وأوكران)، ولكن من أتباع المذهب الكاثوليكي ويضمرون عداوة كبيرة لروسيا.

وبعد نجاح حركة التجديد في الحزب الشيوعي السوفيتي بعد وفاة جوزيف ستالين بقيادة نيكيتا خرتشوف (الأوكراني القومي والشيوعي الأيديولوجية والسوفيتي الهوية)، قام خرتشوف بوصفه الأمين العام للحزب بإعادة رسم الخريطة الإدارية للجمهوريات السوفيتية وألحق جزيرة القرم في عام 1954 بجمهورية أوكرانيا الاشتراكية الشعبية وفصلها إداريا عن العاصمة الروسية موسكو، لتسيير شؤون المواطنين في نفس الجمهورية، فالإدارة ليست تنازل أو بيع ضمن ملكية قانونية مسجلة.

ومع انهيار الاتحاد السوفيتي وإعلان أوكرانيا انفصالها عن روسيا بتاريخ 19 أغسطس 1991، بقيت جزيرة القرم ضمن سيادة الدولة الأوكرانية على الرغم من أن أغلبية السكان من التابعية الروسية ويحملون الجنسيات الروسية ويتلقون أموال التقاعد من روسيا الاتحادية.

والقرم جمهورية ذات نظام حكم ذاتي يدخل ضمن دولة أوكرانيا له برلمان محلي “مجلس سوفيات القرم”، ومجلس رئاسة وحكومة ودستور.

ولم تحاول روسيا حتى الأمس القريب المطالبة بالقرم، لأنها كانت تلتزم أخلاقيا مع الشقيقة أوكرانيا والتي تدخل معها في دول الاتحاد الاقتصادي، وبالتالي روسيا كانت تعتبر أوكرانيا دولة صديقة وجارة تاريخية تربطهما علاقات كبيرة جدا لا يمكن تفكيكهما بالرغم من أن المتطرفين الأوكرانيين كانوا يضمرون الحقد والبغض لروسيا.

روسيا التي كانت تعتبر وجود أسطولها في البحر الأسود (قاعدة “سيفاستوبل” العسكرية)، ضمانا لجاليتها الروسية الكبرى ولمصالحها الاقتصادية والمالية، وهذا الأسطول في حد ذاته يعتبر حاميا للمدن الشرقية والكنيسة الأرثوذكسية.

ومع تصاعد الحركات المتشدّدة في أوكرانيا وسيطرة المزاج المتعصب، بدأت القوى الأوكرانية تطالب بإنهاء وجود الأسطول الروسي في البحر الأسود وعدم تجديد اتفاقية وجوده في القاعدة العسكرية، لكن في ظل تشديد القبضة الروسية وتحديدا بعد سيطر البرتقاليين على الدولة، استطاعت روسيا تمديد الاتفاقية إلى عام 2042.

وبعد السقوط السريع لنظام فيكتور يانوكوفيتش والنكسة التي تعرضت لها موسكو، فتحت كل أبواب المواجهة لكن الرد الروسي الرسمي لا يزال في حالة تريث وانتظار، ولكن الرد الشعبي جاء سريعا من شبه جزيرة القرم من خلال التظاهرات والتمرد على القيادة الأوكرانية الجديدة التي وصفوها بأنها فاشية، وهذه الانتفاضة والتمرد في القرم يأتيان من خلال إشارة موسكو الضمنية وموافقتها على رفع شعار الانفصال عن أوكرانيا ما يعرَض الدولة إلى نزاع داخلي تحت شعار الانفصال.

فالبرلمان الروسي يحاول تسريع استحداث جوازات لسكان القرم الروس والذين يبلغ تعدادهم حوالي 60 بالمئة من أجل التحرك لحماية الجالية الروسية، وهذا السيناريو تم استخدامه سابقا في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية ضد جورجيا.

في المقابل تخرج إلى العلن أزمة جديدة مكونها الجديد هم “تتار القرم”، الذين يطالبون بالانفصال عن روسيا وأوكرانيا نهائيا وهذا المكون هو سكان البلد الأصليين، الذين عادوا بعدما تم تهجيرهم مرة جديدة من قبل ستالين واتهامهم بالولاء لهتلر آنذاك.

قانونيا يمكن لروسيا مطالبة أوكرانيا باستعادة القرم، من خلال دعم الانفصاليين الروس والمطالبة بحمايتهم من خلال عقد الاتفاق مع الدولة الوريثة.


كاتب لبناني

5