حرب الكبار في سوريا شوهت حاضر الصغار وقضت على مستقبلهم

خلفت الحرب السورية المستمرة منذ خمسة أعوام، وفق إحصائيات منظمات حقوقية وتوثيقية، أكثر من 18 ألف ضحية من الأطفال ويتّمت عشرات الآلاف منهم ومثلهم من ذوي الإعاقة الدائمة، فضلا عن حرمان نحو أربعة ملايين طفل من الدراسة.
الخميس 2016/02/11
المجهول ينتظرني

تركت الانتهاكات الهائلة التي سببتها الحرب الدائرة في سوريا آثارا نفسية مريعة بحق الأطفال، وصدمات ناجمة عن فقدان الأهل والأصدقاء، وتدمير المنازل والتشريد والحرمان من التعليم، إضافة إلى مشاهدة أعمال العنف وعمليات القتل والإعدام.

ومن أخطر إفرازات مشاهد العنف والسلاح في سوريا وانعكاساتها ظهور معارك حقيقية بين الأطفال الذين باتوا يحملون في الشوارع مسدسات وبنادق بلاستيكية ويطلقون النار على بعضهم البعض في مشهد يُحاكي المعارك التي يرونها في الواقع، وكل هذا دفع بعض السوريين إلى ترميم ما يمكن ترميمه من هذا الجيل الصغير الضعيف الذي يواجه مستقبلا مجهولا.

وبات أطفال سوريا يحلمون بالأمان والسلام والعودة إلى منازلهم ولم شمل الأهل، كما يمنون النفس بالعودة إلى المدرسة وأماكن اللعب، والأهم من ذلك أن تتوقف آلام الحرب ومشاهدها الموحشة، حرب دموية نسفت أحلامهم وشوّهت حاضرهم ومستقبلهم وخيّبت أمانيهم وولدت لديهم مشاكل نفسية.

وعن أبرز المشاكل التي يواجهها أطفال سوريا، قالت نسرين حسن، مديرة المركز السوري لحقوق الطفل لـ”العرب” “من أهم القضايا الحساسة التي يواجهها أطفال سوريا قضية استغلال الأطفال الجسدي والنفسي والاقتصادي، ناهيك عن ظاهرة تجنيد الأطفال وإشراكهم في حمل السلاح، إضافة إلى الأدلجة الفكرية والمناهج التعليمية المتطرفة دينيا وفكريا، حيث تُروّج بعض المدارس في بعض مخيمات اللجوء لعقائد دينية وأجندات لا علاقة للطفل بها، فقد انتشرت ظاهرة بيع القاصرات من الأطفال وتزويجهن المبكر إضافة إلى ظاهرة خطيرة وهي الأمية، حيث أن غالبية الأطفال بمناطق الشمال السوري غير مسجلة في المدارس.

أغلب الجهات العاملة لأجل الأطفال وخاصة في الداخل تشتغل منفردة دون تنسيق، وهمّهما متعلق فقط بملف الإغاثة

ولا توجد إحصائيات دقيقة تقدر أعداد الأطفال المقاتلين في الحرب من كل الأطراف، لكن بعض التقديرات غير الرسمية تشير إلى انخراط الآلاف منهم في الحرب، حيث يتم استغلالهم في عمليات القتال المباشرة وغير المباشرة واستعمالهم لأغراض الوقوف على الحواجز والمراقبة والرصد وتوصيل المعلومات والتجسّس والحراسة وكذلك نقل الذخائر وغيرها.

المركز السوري لحقوق الطفل، الذي يوصف بأنه جهة غير حكومية تعمل من أجل التدخل الإيجابي في حياة الأطفال في سوريا عبر طيف من الأدوات لتمكينهم من المهارات الأساسية ومساعدة المتضررين نفسيا واجتماعيا والدفع باتجاه تعزيز السلوكيات والأفكار المجتمعية الإيجابية لدى الأطفال، يعد أحد المراكز التي تعمل داخل سوريا وتحاول ترقيع ما يمكن ترقيعه في ما يخص حياة الطفل السوري.

وعن فعالياته ونشاطاته وما يمكن أن يقوم به في خضم الحرب الدائرة، تقول مديرة المركز نسرين حسن “أطلقنا المركز بتمويل ذاتي، بهدف الاهتمام بأمور الأطفال ومستقبلهم وحمايتهم من جنون الحرب وآثارها ودمويتها وكنّا في غاية الهدوء والحذر، ذلك لأن الحرب التي اشتعلت في سوريا جعلت مساحة العمل الميداني ضيقة جدا، وخلفت آثارا مأساوية نفسية طالت السوريين بكافة أطيافهم وخاصة الأطفال”.

وعن النواحي المتعلقة بالطفل والتي يمكن الاشتغال عليها في هذا الوقت بالذات، أوضحت حسن قائلة “نقوم بزيارات لأكبر تجمعات يتواجد فيها الأطفال في أغلب المناطق ومن أغلب الشرائح العمرية داخل سوريا وفي مخيمات اللجوء في البلدان المجاورة كتركيا والأردن، ونقوم برصد احتياجاتهم والفوائد التي يمكن تقديمها لهم، كما نرصد حالات الأطفال وهمومهم ومشاكلهم النفسية والصحية والتعليمية، ونسعى إلى الحد من الأسباب التي تجعل حياتهم في خطر نطمح إلى تقليصها، كما نقوم بتحديد الاحتياجات ونبدأ بتأمينها سواء أكانت نفسية أو تربوية”.

نسرين حسن: الحرب خلفت آثارا مأساوية نفسية طالت السوريين بكافة أطيافهم
لكن جهد المنظمات الأهلية المستقلة لا يكفي لسد احتياجات الملايين من الأطفال السوريين في الداخل والخارج، المتضررين والمتأثرين بالحرب، وتبقى الثغرة واسعة جدا بين ما هو ضروري توفيره وما هو متوفر آنيا.

وعن هذا الجانب قالت مديرة المركز نسرين حسن لـ”العرب”، إن “أغلب الجهات العاملة لأجل الأطفال وخاصة في الداخل تشتغل منفردة دون تنسيق، وهمّهما متعلق فقط بملف الإغاثة وتركيزها منصبا على قضية الأمن. أما تدخلها في مجال التعليم فهو ضئيل ومتأخر في الكثير من المناطق دون مراعاة للجودة والتوعية في هذا القطاع الحساس. وهو أمر يزيد من الإلحاح على ضرورة بناء برنامج شامل يخدم هؤلاء الأطفال ويسد الفراغ النفسي والاجتماعي والتربوي، ويتعاطى مع قضاياهم بشكل صحيح عبر بناء الهوية الديموغرافية التربوية الصحيحة للطفل السوري التي تنسجم مع القيم الاجتماعية والثقافية”.

وتابعت “يمكن الجزم بأن عمل المنظمات الدولية شبه معدوم ويقتصر على الدعم الإنساني الذي تبلور فقط بالعمل الإغاثي، حيث أن الأموال المحولة لا تخصص لشؤون الطفل مباشرة وتكتفي بتوجيهات وسياسات الدول المانحة، كما أن وجودها لم يكن مسموحا به. فدخولها لا بد أن يتم عبر بروتوكولات قانونية بين الدول ومنظماتها المتواجدة في سوريا. ولعل من أبرز الملفات التي تجاهلتها المنظمات الدولية ملفات الحماية والتعليم والتشغيل التي تضمن الأمان النفسي والاجتماعي والتربوي والبناء الصحي للطفل، والتي تضمن بدورها التعليم والتشغيل الأسري عن طريق الدعم الاقتصادي لأسر الأطفال ومدارسهم".

ونفت حسن أن تكون هناك منطقة واحدة في سوريا أكثر أولوية واحتياجا للاهتمام بحقوق الطفل. وأوضحت “كل الأماكن السورية تحت إطار الأولوية، لكن يمكن القول إن المناطق الشمالية أكثر سوءا من غيرها في ما يتعلق بوضع الأطفال، كونها أكثر تخبطا سياسيا، ولا توجد سلطة واحدة حاكمة تمكن مساءلتها في ما يتعلق بشؤونهم”.

21