حرب المعاجم

السبت 2017/05/27

في بداية كل سنة، يُطل معجم “لو روبير” الفرنسي في طبعة جديدة ومحينة، وذلك منذ أكثر من ستين سنة. أما وصفةُ مجموعة إدِتيس ناشرة المعجم، في ضمان الحياة لكل هذه الطبعات المتعاقبة وفي إقناع القارئ باقتناء نسخته الجديدة والاستغناء عن طبعة السنة السابقة، فتكمنُ في قدرة المعجم على الإنصات لتحولات اللغة ولحياتها داخل المجتمع، وفي التقاط الجديد من الكلمات التي تتوالد في خضم الحياة اليومية.

ولذلك، يبدو عاديا أن تحملَ الطبعة الحالية من “لو روبير” كلمات قد لا تروق المحافظين من المنتصرين للغة الفرنسية، من قبيل كلمات “سيلفي” و”يُوتُوبر”، نسبة إلى مستعمل اليوتوب! أو إعادةَ تعريف كلمات سابقة، كما هو الأمر بالنسبة لكلمة “هجوم”، التي تُقر ماري-هِلين دريفو، مديرة تحرير المعجم، أنه تم بعد الاعتداء الإرهابي على باريس وبروكسيل، أو تأنيثَ عدد كبير من الكلمات الذكورية.

ويشكلُ البحث عن الكلمات الجديدة أيضا سلاحَ لو روبير في حربه مع غريمه “لاروس”، في خضم تنازعهما على المليوني ونصف المليون نسخة التي تباع سنويا من القاموسين. وهي حربٌ تصل إلى حد التستر على يوم صدور كل منهما.

في خضم هذه الحرب اللغوية والتجارية، يترك القاموسان مهمة الحفاظ على اللغة الفرنسية، كما يجب أن يتم تداولها من طرف الملايين من المتحدثين بهذه اللغة في العالم، وبصيغتها العالمة، لقاموس الأكاديمية الفرنسية، الذي يتم إعداده على نار هادئة، منذ منتصف القرن السابع العاشر. وهو القاموس الذي لم يغط، إلى حد الآن، كلَّ حروف اللغة الفرنسية، إذ يحتاج إدماجه لكلمة جديدة عشر سنوات على الأقل بعد ظهورها.

إنها بالضبط الوصفة الحقيقية والأفضل لضمان الحياة المتجددة لأية لغة، وفق إيقاعين. الأول يلتقط الكلمات الجديدة، بما فيها المتداولة في الشارع أو في وسائل الإعلام. بينما يشكل الثاني صمامَ الأمان الذي يحافظ على نقاء اللغة ورونقها.

وإذا كان هذا حال الجارة فرنسا، التي عرفتْ معجمَها الأول بعد بضعة قرون من ظهور “معجم العين” للخليل بن أحمد الفراهيدي، فإنه يندر أن نجد معجما عربيا حديثا وُلد لكي يَحيا ويُحيي معه لغتنا، خارج حالات معدودة كان آخرها صدور “معجم الغني” قبل أربع سنوات. يحدث ذلك بشكل مفارق للتراث العربي العريق على مستوى صناعة المعاجم.

أما مجامع اللغة العربية فيبدو أن أغلبها صار منكوبا. فآخر إصدارات مجمع اللغة العربية بدمشق، يعود إلى سنة بداية الثورة، أما مجمع اللغة الليبي فكانت آخر قراراته منع استعمال الأسماء غير العربية، قبل أن يندثر.

وحده المجمع العلمي اللبناني حافظ على ماء وجهه، إذ صدر قرار بحله، بعد سنتين فقط من إنشائه، بدعوى ترشيد ميزانية الدولة.

كاتب مغربي

17