حرب المناورة والمواقع في الساحة السياسية الجزائرية

الخميس 2016/05/19

كيف نفسر تحرك أجهزة النظام الجزائري في هذه الأيام لتلطيخ سمعة رجل الأعمال أسعد ربراب الذي ينتمي إلى الإثنية البربرية الأمازيغية الجزائرية، وذلك بنشر وثائق مزوّرة ضده على صفحات جريدة النهار اليومية بعد أن سبق الإعلان عنها في القنوات التلفزيونية التي تمولها السلطة، حيث اتّهمته بأنه يتحايل على القانون ولا يدفع الضرائب، كما تتّهمه أيضا بالتورط في لعبة السعي بخطى مدروسة لإنشاء لوبي إعلامي ضخم للضغط على الحكومة؟

وأكثر من ذلك فإن الأجهزة الإعلامية التابعة للنظام الجزائري نشرت في الأسبوع الماضي بيانات تفيد بأن أسعد ربراب شملته أوراق بنما كأحد رجال الأعمال الكبار الفاسدين، وفضلا عن ذلك فإنه متّهم من طرف الأجهزة المذكورة بأنه فاقد للوطنية جرّاء شرائه لأسهم ضخمة من شركات أوروبية وفي طليعتها شركات فرنسية كانت على حافة الإفلاس بمبلغ مليار يورو في السنوات الثلاث الأخيرة لإنقاذها من الاندثار وتوفير مناصب الشغل للعمال الأوروبيين، بدل الاستثمار في الجزائر لمحاربة البطالة ومساعدة الاقتصاد الوطني على النموَ.

لكن الرجل برّأ ذمته ورفض كل التهم الموجهة إليه، وأعلن أنه بصدد رفع دعوة قضائية لدى المحكمة الجزائرية ضد يومية النهار التي يتهمها بأنها تابعة بشكل غير مباشر للسلطة، وأوضح بأن كل ما نشر مزيّف وأن القصد منه تشويه سمعته.

قضية رجل الأعمال ربراب لا يمكن حصرها في الجانب الاقتصادي أو التجاري، بل إن هذه المسألة لها ذيول كثيرة وهي تتعلق، أساسا، بلعبة حربي المناورة والمواقع التي نشهد الآن انفجارها في الساحة السياسية والإعلامية الجزائرية تمهيدا للانتخابات الرئاسية القادمة في عام 2019.

القراءة الصحيحة لانقلاب النظام الجزائري، على أسعد ربراب الذي يقال بأنه استفاد في الماضي من الدعم الحكومي وهو ما تؤكده تصريحات بعض قادة حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية المنشورة في الصحافة الوطنية، إذ تكشف أن هذا الرجل لم يعد الابن المدلّل للنظام وأن علاقته بالسلطة قد تغيّرت، وبسبب ذلك أصبح يصنّف من طرف السلطة في خانة الحياديين الذين يخدم موقفهم مصالح المعارضة.

وفي الحقيقة فإن تحركات النظام الجزائري وما رافقها من تغييرات على المستوى السياسي أو على المستوى الاقتصادي أو الأمني أو العسكري تدخل في إطار الصراع المقنَّع حينا والمكشوف حينا آخر بين مختلف الأجنحة سواء داخل بيت السلطة أو خارجها، والهدف من وراء هذه المعركة هو قطع الطريق أمام كل من يخرج عن بيت الطاعة، أو يشجع المعارضة أو يطمح أن يصل إلى منصب رئيس الجمهورية بعد انتهاء ولاية الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة.

الجدير بالذكر أن أسعد ربراب ليس رجلا سياسيا بالمعنى المحض للكلمة، إذ ليس له حزب سياسي معتمد أو يعمل في السر، وفضلا عن ذلك فإنه لم يتخذ أيّ موقف علني من قضية حقوق الإثنية الأمازيغية التي يعد أحد أبنائها، كما أنه ليس منضويا في صفوف المعارضة السياسية ولم يساند، ماديا ومعنويا، أيّ شخصية معارضة أو حزبا معارضا أو أيّ حزب من أحزاب الموالاة في الانتخابات السابقة، ورغم ذلك فإن موقفه الحيادي لم يشفع له، بل ينظر إليه من طرف السلطة الجزائرية بعدم الرضى خاصة وأنه اتهم من قبل بأنه كان من بين رجال الأعمال الجزائريين الذين تسببوا في السنوات الماضية في انتفاضة الزيت والسكر التي كادت تفجر الأوضاع في الجزائر.

وفي الحقيقة فإن النظام الجزائري يعد من بين الأنظمة الأكثر حيلة في العالم الثالث التي تعرف كيف تلعب أوراقها لكي تسيطر على السلطة حتى في أقسى وأخطر الأزمات. هذا الذكاء السلبي مكّن النظام الجزائري مرارا من مراوغة العواصف التي عصفت به منذ الاستقلال، بدءا بالأزمة التي انفجرت جراء الصراع على السلطة بعد الاستقلال مباشرة ثم الأزمة الناتجة عن التنكر لحقوق البربر (الأمازيغ) الثقافية واللغوية، مرورا بالأزمة الثانية الكبرى التي هدّدت الدولة بالزوال حين تم إلغاء المرحلة الثانية من الانتخابات التشريعية عام 1990 ونتج عنها صراع دموي على مدى أكثر من عشر سنوات.

الآن وفي ظل الأزمة المالية الخانقة جراء انخفاض أسعار النفط فإن النظام الحاكم يلجأ إلى خوض حربين في آن واحد، وهما حرب المناورة التي تعني فتح الصراع مع الخصوم، وحرب المواقع التي تتميز بالتحركات الخفية الهادفة إلى ربح معركة التأثير والهيمنة في الساحة السياسية.

ودون ريب فإن هذا النظام بأجهزته المختلفة يتقن حرب المناورة والمواقع، إذ نراه يسخر تقنيات هذين النوعين من الحرب من أجل تصفية الخصوم بطرق مختلفة وفي مقدمتها تشويه السمعة والتهميش أو الإقالة التعسفية من المناصب الحساسة في أجهزة الدولة أو الإقصاء من الساحة السياسية عن طريق رفض اعتماد هذا الحزب أو ذاك، أو العقاب الاقتصادي لكلّ من لا يقبل بالأمر الواقع الذي يعني بقاء النظام في سدة الحكم إلى يوم يبعثون.

كاتب جزائري

9