حرب المنبوذين داعش والحشد الشيعي

الخميس 2016/03/31

أذاع التلفزيون العراقي قبل أيام بيانا عسكريا ذكر أن القوات المسلحة العراقية بدأت، يوم الخميس المصادف لـ24 مارس 2016، حملة على مقاتلي تنظيم داعش في محيط مدينة الموصل بغطاء جوي من التحالف بقيادة الولايات المتحدة، وأنها أخرجتهم من عدة قرى.

الميليشيات ذاهبة للقضاء على الموصل كما حدث في الرمادي. ولا أحد يعلم حقا كيف سيبدو العراق دون الرمادي والموصل؟ إن كلا من داعش والحشد الشعبي يخوضان حربا عبثية في العراق اليوم، وهما مطوقان تماما بالعزلة والاحتقار عربيا وإسلاميا. الحكومة التي لم تنتصر على الفساد كيف تنتصر على داعش؟ الانحراف لا ينتصر على الانحراف.

العراق هامش بائس وحزين. الفلوجة تدفن أطفالها من الجوع، والرمادي بيوت متهدمة تماما. الموصل هي الأخرى ينتظرها خراب لا أحد يعرف حجمه. ربما يتم بيع المسلمات كالإيزيديات إذا سمح العالم بدخول الميليشيات. والمدن الجنوبية مظلمة ومهملة، والعاصمة بغداد مصنفة الأسوأ عالميا، حتى المجتمع منهار ومتفكك.

الحرب على داعش اليوم لا معنى لها كالسابق، فقد كانت حربا على المذهب السني إلا أن صعود نجم السعودية وتحالفاتها العسكرية والسياسية، حوّلَ الحرب على داعش إلى مجرد حرب على مجرمين خارجين على القانون. الوجدان السني أصبح كله في السعودية، المشكلة هي أن حربا من هذا النوع لا تثير حماسة الميليشيات.

بعض الشباب لا يفهم السبب، لماذا داعش لم يعد بالأهمية القديمة؟ السبب هو تحرك الدول السنية، مناورات عسكرية ضخمة وتدمير الحوثيين وتحطيم صورة حسن نصرالله، وخوف المشاغبين الشيعة من تهمة الإرهاب في الخليج. هذه كلها إنجازات ضخمة، جعلت من داعش يبدو كعصابة. عواطف السنة وقلوبهم هي في مكان آخر اليوم، في قبضة الملك سلمان بن عبدالعزيز.

ما حدث في اليمن أرعب حيدر العبادي من أول يوم، فقد يتكرر ذلك في العراق، ويرغم الميليشيات الشيعية الحاكمة على القبول بالشرعية التي هي مشاركة السنة في السلطة. ومهما يكن من أمر يبدو أن العراق يستنزف نفسه بقضية اسمها داعش، وتنتظره حرب أكبر. لم تعد إيران وحدها في المنطقة كالسابق.

هناك فقدان ثقة بين السعودية والولايات المتحدة أدى إلى قيام تحالف عربي إسلامي قوي ومستقل. تصريحات باراك أوباما الأخيرة كشفت عـن عمق الاختـلاف في وجهات النظر، حيث أنه اتهم السعودية بـ”تصدير” الفكر المتشدد إلى دول عدة بينها إندونيسيا.

لا توجد ثقة عربية بسياسات الغربيين كالسابق، فقد رأينا الأوروبيين في “فجر أوديسة” قد أسقطوا الحكومة الليبية بالطائرات، وها هي البلاد مكتظة بالمتطرفين والميليشيات، كما ينتظر على سواحلها حوالي مليون مهاجر غير قانوني للعبور إلى أوروبا.

وفي سوريا رأينا العبث الغربي الذي سمح بفناء شعب بأكمله وتحوله إلى جيش مخيف من اللاجئين المسلمين. والقضية الأخطر هي العراق الذي تحول إلى دولة معادية وقاعدة للمشاريع الإيرانية. لقد تم إنقاذ مصر من العبث الديمقراطي والإسلام السياسي وكذلك تونس. كادت المنطقة تنهار تماما لولا أن تداركها السعوديون والإماراتيون والعرب.

المشكلة أن السعودية قد التزمت بالتحالف مع أميركا رغم عدم قناعتها باحتلال بغداد. وبعد أن حدث المتوقع قامت أميركا بالتحالف مع إيران سرا لحل المشكلة. لهذا نرى السعودية تؤسس تحالفات خاصة بها، وتستثمر ثقلها الدولي والإسلامي لعزل الميليشيات وإيران.

ماذا قدمت إيران لمناطق نفوذها في العراق واليمن ولبنان وسوريا؟ لا شيء سوى الخراب وغضب العرب والمسلمين. لا توجد أرباح ولا معارك محسومة. لقد تم وضع حجر كبير على صدر العالم، ولا توجد إمكانية للترحيب بالمشروع الإيراني.

قبل تدخل السعودية وانطلاق عاصفة الحزم كنا وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها “السني” هو إرهابي. اليوم تغيرت الأمور منذ تم طرد بعض المنتمين إلى حزب الله من الخليج، وإصدار قوانين تصفهم بالإرهاب، وتشويه صورة حسن نصرالله كوجه من وجوه الإجرام.

حتى بعد الجريمة التي حدثت في بلجيكا قبل أيام لا يشعر السنة بحرج وخوف كالسابق. فالسعودية عرضت التدخل البري في العراق وسوريا للقضاء على الإرهاب ولكن أميركا رفضت. لم يعد الرأي العالمي حاسما، هناك رأي إقليمي قوي خفف الضغط عن العرب والمسلمين كثيرا.

الذين يسرقون بلادهم في العراق، لا يفكرون بفقير ولا محتاج، ولا بسلاح يحمي الشعب من غاصب لماذا يقاتلون داعش؟ لأجل النهب والسلب والاغتصاب وحرق البيوت. لا يختلفون عن داعش في شيء، ذات الإجرام. منذ متى يدافع اللصوص عن وطن وشرف؟

إن داعش الإرهابي محكوم بالإعدام عالميا، والميليشيات حين تصل إلى الموصل ستكتشف بأنها قوات منبوذة من القراصنة والإرهابيين وسفاحي العراق. لن يسمح العرب بدمعة على داعشي، ولن يسمحوا بدمعة على الميليشيات. إن حرب المنبوذين الأهلية تمت السيطرة عليها عربيا. حرب السفاح أبودرع مع السفاح شاكر وهيب.

شيء خطير أن يسمح العرب بأغنية من مطربة مصرية للميليشيات الشيعية، أو قصيدة ونشيد مغربي لقتلى الحشد الشعبي. شيء جيد أن العرب انتبهوا لخطورة شيء كهذا وسارعوا إلى طرد المتعاطفين ووصمهم بالإرهاب. السعودية تمتلك كل الثقل والتأثير.

القضية أصبحت مثيرة للريبة، كيف أن العلماني الشيعي الوحيد في العراق هو إياد علاوي، ويعتبره كثيرون حليفا للبعث والسنة؟ كيف حدث أن الشيعة جميعا لم ينتجوا سوى الإسلام الشيعي السياسي وعلى أي أرضية سيقاتلون التطرّف الداعشي؟

ثم إن هناك إشكالا قانونيا يدفع الرئيس الأميركي إلى الرقص الأسباني في الأرجنتين بعد جريمة بروكسل والتهرب من واجباته، لأنه مُصِر على التحالف مع إيران والميليشيات المصنفة إرهابيا في العالم العربي، وهذا يعني أنه يدعم الإرهاب. الصورة أصبحت معقدة حقا بسبب عدم إصغاء البيت الأبيض لحلفائه التقليديين خاصة دول الخليج.

لقد ذهبت تلك الأيام التي يدعي البعض فيها بأن الهلال الشيعي قتالي، فيه الجيش الإيراني والعراقي وحزب الله الذين خاضوا معارك وتراكمت لديهم خبرات قتالية. اليوم نرى مناورات رعد الشمال الضخمة بخاصرة العراق في حفر الباطن. إنها إشارة إلى أن السعودية لن تتخلى عن العراق.

لا يوجد مانع من انتصار ميليشيات الحشد على داعش الإجرامي. المهم ألا يُحتسب لها ذلك نصرا ولا يتم الاعتراف بتضحياتها، فهذه الميليشيات هي الوجه الآخر لداعش. في نهاية المطاف هي في قائمة داعش والإرهاب. مثلها مثل بشار الأسد وحزب الله والحوثيين. من الضروري كسر طموحات إيران بالهيمنة، لأنها عبرت عن رغبة بإلغاء السنة وهدم السعودية. وهي أخطر على السعودية من داعش، بسبب طبيعة العقول التي تخطط لها.

الآن وقد أصبح للعرب قرارهم الخاص في تحديد مَن هو الإرهابي، يمكننا القول إن الحرب بين الحشد وداعش لا تختلف عن حرب جبهة النصرة وداعش. هذه عبقرية السياسة السعودية، أصبحت حرب استنزاف بين طرفين منبوذين.

كاتب عراقي

8