حرب الهوية تعيد أمازيغ الجزائر إلى الواجهة وصراعات إثنية تتأجج في الجنوب

السبت 2014/03/15
أمازيغ الجزائر كأشقائهم في الأقطار المجاورة يفخرون بصمودهم الثقافي والحضاري

الجزائر - إلى غاية وقت قريب قلّة قليلة، من غير الجزائريين، كانت تعلم أن هناك مواجهات إثنية تدور رحاها في الجزائر، وأن الوضع مضطرب بين “الأقليات”، خاصة الأمازيغيين والعرب. وبينما تتقدُ جذوة النزاعات المذهبيَّة والدينيَّة في كثير من دول المنطقة، برز الحديث عن مشاكل الأقليات في الجزائر، ضمن ملفات يرى مراقبون أن غاياتها سياسية بالأساس وهدفها ترسيخ مبدأ التقسيم الذي يهدّد المنطقة، على أساس طائفي.

التعدّد العرقي مصدر ثراء المجتمعات وشاهد على حضاراتها ومكوّناتها التي تشكّلت مع الزمن. وهذه المكوّنات التي تتغيّر وفق الأحداث والأزمنة والتواريخ والحكومات، بمخلتف أشكالها وفتوحاتها، خلقت مفهوم الأقليات العرقية والإثنية.

المد السلفي في المنطقة ساعد على الطعن في عقيدة الأباضيين الأمازيغ

والأمازيغ جزء من مكوّنات المجتمع وصفحة هامة من صفحات تاريخ شعوب الشمال الأفريقي ككل. يتواجدون بشكل كبير في الجزائر، حيث يمثّلون حوالي ثلث السكان، وفي المغرب. كما لهم امتداد في تونس وليبيا وموريتانيا، وأيضا في مصر، ويتواجد جزء منهم في دول الساحل والصحراء على غرار مالي ونيجريا.

مقارنة بالأقليات الأخرى، المكوّنة للمجتمعات العربية، يعتبر الأمازيغ من أكثر الأقليات اندماجا في مجتمعاتهم. وهو اندماج يختلف من مجتمع إلى آخر، ففي المغرب مثلا حصل الأمازيغ على الكثير من حقوقهم. وفي تونس، بدأ، خصوصا بعد ثورة 14 يناير2011، صوت الأقلية الأمازيغية يعلو مطالبا بالاعتراف الدستوري والمجتمعي بهم كأقلية لها خصوصياتها في المجتمع التونسي متعدّد الأعراق. وذات الأمر في ليبيا، حيث يطالب الأمازيغ بالاعتراف بهم كجزء من المجتمع الليبي له خصوصياته التي تميزه عن بقية الليبيين.

الأمازيغ يقاطعون انتخابات الجزائر
بعد إعلان الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة قرار ترشحه للمرة الرابعة للانتخابات الرئاسية المقررة في 17 أبريل القادم، انفجر الشارع الجزائري بعد موجة غليان وغضب كبيرين، من إعلان الرئيس المريض الذي لا يزال حسب رأيهم متمسكا بكرسي الحكم والسلطة، دون الالتفات إلى مصالح شعبه، قبل أن تتدخل قوات الشرطة لقمع المتظاهرين واعتقال بعضهم وتفريقيهم بالقوة.

وتمنع السلطات الجزائرية المسيرات في العاصمة منذ عام 2001، إثر مظاهرات لـ “حركة العروش”، التي تمثل سكان منطقة القبايل، بعد أن تحولت إلى مواجهات عنيفة مع الأمن، حيث تعرف هذه الحركة الأمازيغية بمعارضتها الشديدة للنظام الجزائري، وانتقاداتها الشرسة له.

ويذكر أن حركة العروش ذات التوجه الأمازيغي في منطقة القبايل الجزائرية قد انتقدت في بيان شديد اللهجة تعديل بوتفليقة للدستور لتمديد ولايته على الجزائر لفترة ثالثة عام 2008، معلنة أن الجزائر تشهد انقلابا على الدستور، ممن سماه البيان بائتلاف العسكريين الانقلابين.

وللأمازيغ موقف واضح من رفضهم ومعارضتهم الشديدة للعهدة الرابعة لبوتفليقة عبر عنه محسن بلعباس رئيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الأمازيغي، والذي أعلن مقاطعته للانتخابات الرئاسية المقبلة وقد كان الحزب أول المقاطعين، احتجاجا على مسار التحضير للانتخابات وعرقلة السلطات الجزائرية لمطالب المعارضة التي تريد ضمانا لنزاهة الاقتراع.

وكان رئيس الحزب محسن بلعباس قد صرح في وقت سابق لأعضاء المجلس الوطني للحزب- بأن الانتخابات الرئاسية المقبلة، ليس بإمكانها إحداث القطيعة مع كل الممارسات الاحتيالية في البلاد منذ 1962، وبأن السلطة تحاول فقط إضفاء الشرعية الشعبية على السلطة من خلال هذه الانتخابات.

ونظرا إلى أن الأمازيغ كأقلية، يمثلون قضية متشعّبة، تشترك في جوهرها مختلف دول منطقة المغرب العربي، وتختلف من دولة إلى أخرى في بعض تفاصيلها ومطالبها وذلك وفق مدى الاندماج والتجانس بين مختلف مكونات وأقليات هذه المجتمعات، سيتم التطرّق إلى كل مجتمع على حدة، ضمن الملف الذي تخصصّه صحيفة “العرب” لـ”الهويات القلقة”.

من هم الأمازيغ

ساهمت بعض الوجوه الفنية والأدبية الجزائرية في التعريف بالمكوّن الأمازيغي الأصيل في الجزائر. وهو مكوّن يفخرُ بأن عراقته تتماهى مع تاريخ الجزائر نفسها بل ومنطقة الشمال الأفريقي ككلّ، لكنه مكوّن يتعامل بحيطة مع وصف آخر مجاور وهو “البربر” (الواردُ من المدوّنة الخلدونية لكن أمازيغ الجزائر كغيرهم في تونس والمغرب وليبيا يرفضون استعماله).

و”أمازيغ” الجزائر كأشقائهم في الأقطار المجاورة يفخرون بصمودهم الثقافي والحضاري واللغوي في وجه كل الوافدين من إغريق وفينيقيين ورومان وبيزنطيين ووندال وعرب مسلمين، ويعزى صمودهم إلى تقوقعهم عن ذواتهم والنأي بأنفسهم عن الاختلاط، رغم اعتناق أغلبهم الإسلام بعد الفتوحات الإسلامية.

ورغم مسار التعريب الذي شهده المغرب العربي والجزائر، إلا أن القبائل الأمازيغية حافظت على خصوصياتها اللغوية، ولذلك انقسمت اللهجة الأمازيغية إلى لهجات متعددة تتوزع في مناطق عديدة من القطر الجزائري، حيث يعرف اليوم أن تلك اللهجات تستعمل كلغة تخاطب رئيسية في ولايات (محافظات) تيزي وزو وبجاية والبويرة وبرج بوعريرج، إضافة إلى بعض المناطق الأخرى من ولايات خنشلة وباتنة وأم البواقي وفي ولايات تمنراست وإليزي (حيث تستعمل لهجة الطوارق) وغيرها.

نضال هذه القبائل والجهات الجزائرية من أجل نيل “استقلالها اللغوي” والسماح لها بتدريس لغاتها المحلية، أتاح للبعض الحديث عن ظاهرة الأقليات اللغوية في الجزائر انطلاقا من التعريف القائل بأن الأقلية “مجموعة من الأشخاص يحمل أعضاؤها مميزات أو خصوصيات من الناحية الدينية أو العرقية أو اللغوية أو غيرها تختلف بها عن باقي السكان”، وعلى هذا الأساس فإن إحساس سكان تلك القبائل باختلافهم (اللغوي على الأقل) عن باقي سكان القطر الجزائري ومحافظتهم على خصوصياتهم جعلهم يقدمون أنفسهم أولا بوصفهم أقلية ودفع عندهم رغبة البحث عن الاعتراف بهم وباختلافهم. وتندلع أحيانا تحركات أو احتجاجات شعبية في المناطق التي تعتبر نفسها مسحوقة من الأكثرية اللغوية أو الحضارية أو الثقافية. لكن هذا لا يعني بأي شكل الإقرار بالرواية الحكومية الجزائرية القائلة بأن الاحتجاجات الأخيرة هي ضرب من المزايدات أو هي ناتجة عن ضلوع نشطاء محليين بتأجيج الوضع وتحويله إلى صراع بين الأقليات. فما يحدث في الجزائر مؤخرا لا يمكن عزله عن واقع الأقليات ولا يمكن أيضا إخراجه من تذمّر شعبي واجتماعي عارم حظي بـ”إجماع" كل المكونات الاجتماعية.

الكاهنة فارسة الأمازيغ
الملكة “الكاهنة” واسمها الحقيقي “الداهية بنت لاهية”، أشهر قائدة عسكرية وملكة أمازيغية خلفت الملك أكسيل في حكم الأمازيغ وحكمت شمال أفريقيا.

تشكل مملكتها اليوم جزءا من الجزائر وتونس والمغرب وليبيا. وعاصمة مملكتها هي مدينة خنشلة في جبال الأوراس الجزائرية.

قادت ديهيا عدّة حملات ومعارك ضد الرومان والعرب والبيزنطيين في سبيل استعادة الأراضي الأمازيغية في أواخر القرن السادس ميلادي.

واستطاعت أن تلحق هزيمة كبيرة بجيش القائد حسان بن النعمان عام 693م وتمكنت من هزم جيشه وطاردته إلى أن أخرجته من تونس الحالية.

وقد نشبت معركة أخرى بين ديهيا وحسان بن النعمان في منطقة جبال الأوراس فانهزمت فيها ديهيا.

إثارة الأقليات

نفي رئيس الوزراء الجزائري عبدالمالك سلال وجود مشكلة أقليات في الجزائر. وغياب إحصائيات رسمية دقيقة عن واقع المجموعات العرقية أو الدينية أو اللغوية في البلد، لا ينفي وجود “التميّز" الجزائري في هذا الصدد. وهو “تميّز" تشكل عبر قرون عديدة وخلق حالة اجتماعية جزائرية تختلف عن الأجوار. الجزائر تضافرت فيها عوامل التاريخ والجغرافيا والسياسة والاستعمار لتفرز مجتمعا اضطرّ أحيانا إلى كتم تنوعه وتعدده، لكن بعض المكونات تجاهر أحيانا بإعلاء صوتها في شكل احتجاجات أو تذمر شعبي أو جهوي.

في الجزائر، مثلا، يعود جذور الخلاف الإثني، بين الأمازيغيين وبقية مكونات المجتمع الجزائري، إلى عهود غابرة، وقد كان هذا الخلاف مصدر قوة استغلّها الاستعمار الفرنسي في الجزائر. ومؤخّرا بدأ الرماد يتطاير وتصاعد لهيب الصراع إثر مواجهات دامية عاشت على وقعها مدينة غرداية، جنوب الجزائر، حيث دارت منذ أشهر قليلة، رحى مواجهات، بين السكان العرب أتباع المذهب المالكي، والسكان الأمازيغ أتباع المذهب الأباضي. وهي مواجهات ولئن خفتت اليوم، إلا أنها مازالت تشكّل خطرا وتهديدا على الجزائر التي مازالت تتعافى من آثار عشرية التسعينات الدامية التي خلّفت حوالي 200 ألف ضحية جزائرية.

وبدأت النزعة الانفصالية في الانتشار بين السكان وتترسخ أكثر مع كل أزمة تشهدها محافظات كثيرة من الجنوب الجزائر، أين يتركّز الأمازيغ.

وما حدث مؤخرا في مدينة غرداية هو حلقة من مسلسل تعود جذوره إلى مئات السنين حيث يتعايش بنو ميزاب الأمازيغ الأباضيين والشعامبيين العرب السنة في المنطقة الصحراوية. لكن الخطير في هذا المسلسل اليوم هو محاولة اللعب على هذا الوتر لهدم التعايش بين مختلف الأقليات الجزائرية. وفي رأي الكثير من الملاحظين فإن النزاع الحالي لا علاقة له بالانتماء الديني أو اللغوي.

ويتهم الأمازيغ السلطات الجزائرية بالانحياز للقبائل العربية على حساب القبائل الامازيغية وإقصائهم عن المناصب داخل الشرطة والجيش وباقي المؤسسات السيادية.

مواجهات الأمازيغ والعرب

أضحت رواسب العلاقات التاريخية والنزعات العرقية بين أبناء العرب المالكيين والأمازيغ الأباضيين منذ الاستقلال، بمثابة البارود الذي يشعل فتيل المناوشات بين الطرفين. إذ غالبا ما تنتهي بخسائر بشرية وأضرار مادية فادحة، تزيد كل مرة في تعميق شرخ جدار التعايش المشترك بين أبناء المنطقة الواحدة الممتد عبر قرون من الزمن.

التعايش بين طائفتي بني ميزاب الأمازيغ الأباضية والشعامبيين العرب السنة الذي دام منذ مئات السنين، يبقى مهددا. وتقف السلطات المحلية عاجزة عن إيجاد حلول دائمة للمشاكل في المنطقة ولا حتى وضع حد للمواجهات.

ويتبادل الشباب من الطائفتين الاتهامات في جو يسوده شعور بالكراهية من الجانبين. ويتهم كل طرف من أطراف النزاع السلطات الجزائرية بتقصيرها في حماية طرف من ظلم الطرف الآخر. في هذا السياق يقول الناشط السياسي والحقوقي الأباضي كمال الدين فخار إن مشكلة الأباضيين ليست مع العرب، وإنما مع السلطة التي تريد تدمير الهوية الثقافية للأمازيغ وإرهابهم بافتعال الأزمات واستخدام “البلطجية” لتدمير الممتلكات والاعتداء على الأشخاص.

ويرى كمال الدين فخار أن القلق الذي يشكله بنو ميزاب، ذوو الأصول الأمازيغية، للسلطة، هو وجودهم في منطقة تتوسط منطقتي حاسي مسعود وحاسي رمل الغنيتين بالبترول، “والدول المتسلطة لها تاريخ في التعامل مع الأقليات وسياستها في القضاء على خصوصيات الجماعة وثقافتها”.

يعتقد الأمازيغ أن السنة الأمازيغية تبتدئ بعد تمكن ملكهم شيشنق من هزم جيوش الفرعون المصري

وكان الأباضيون عبر الأزمنة التاريخية الماضية جنبا إلى جنب مع بقية الجزائريين في حرب التحرير، وبرزت شخصيات وطنية لامعة في صفوفهم، ومنها شاعر الجزائر الكبير مؤلف النشيد الوطني وإلياذة الجزائر مفدي زكريا، والشيخ إبراهيم بيوض، عضو جمعية العلماء المسلمين وقائد ثورة الإصلاح في الصحراء ضد الفرنسيين.

ويرى مرؤاقبون أن المد السلفي في المنطقة ساعد في الطعن في عقيدة الأباضيين، إضافة إلى أن رواسب النزاع العربي الأمازيغي، الذي يشكل في كل مرة أحد الأبعاد الاجتماعية والثقافية والسياسية، ساعدت في تعقيد المشكلات وتضخمها، وبروز صراع الهوية والسلطة بين أبناء المنطقة.

تجار غرادية أجبرتهم المواجهات الأخيرة على غلق محلاتهم

مسؤولية السلطة

يحمّل المحامي صالح دبوز، رئيس مكتب الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان في الجزائر العاصمة، السلطة مسؤولية اندلاع مثل هذه النزاعات العرقية والمذهبية، حيث فشلت الحكومة في احتواء الأقليات واستعاب مشاكلهم، بل على العكس من ذلك ساهمت في تأجيج الصراعات بينها. ويوضح دبوز في حوار مع وكالة دوتشيع فيلله الألمانية أن “الطريقة التي تتعامل بها السلطة مع الأزمات المختلفة التي شهدتها الولاية الجنوبية، تزيد في تعميق إحساس كل طرف بالظلم والقهر”. والسبب في ذلك حسب تقدير دبوز يعود إلى عدم تطبيق القانون واحترام حقوق الإنسان، واللجوء في كل مرة إلى طرق تقليدية لتسكين الأزمة وليس اجتثاث أسبابها الحقيقية من جذورها.

يصف الباحث الجزائري عبد النور بن عنتر صراعات الهوية في الجزائر بـ “دكتاتورية الهوية”، حيث يرى أن كل طرف يقرأ تاريخ الجزائر وفقا لمواقفه الأيديولوجية وأهوائه السياسية. فبالنسبة إلى السلطة -حتى عهد قريب- فإن تاريخ الجزائر عربي إسلامي أساسا يبدأ مع مجيء الإسلام، وإن كان ما قبل ذلك لم يقص نهائيا لكنه هُمش. ويساندها في موقفها هذا تيار واسع من معربين وإسلاميين. أما دعاة الأمازيغية فيؤكدون على الماضي البربري، والتاريخ عندهم يكاد يتوقف عند الفتح الإسلامي.

وهكذا يقصي كل طرف جزءا من التاريخ… فجنوح النخب الجزائرية إلى الاكتفاء بالبعد العربي الإسلامي متجاهلة مراحل ما قبل الإسلام أدى إلى تشدد مطالب الهوية التي جاءت هي الأخرى إقصائية لأنها تنتقي فترات التاريخ. هكذا قابل دعاة الأمازيغية الغش التاريخي للسلطة بغش تاريخي مضاد عبر قراءة انتقائية استبعدوا فيها البعد العربي الإسلامي واحتفظوا بالبعد الأمازيغي. وهكذا أقصوا قرونا من التاريخ في تنظيرهم للهوية الوطنية.

والحقيقة أن تاريخ الجزائر كل لا يتجزأ، ومراحله المتداخلة هي التي صقلت الهوية الوطنية بمقوماتها المتعددة”.


اقرأ أيضا في العرب:


المشكلة الأمازيغية صنيعة فرنسية

6