حرب باردة تغير التوازنات الدولية

السبت 2014/05/31

تصاعدت حدة الصراع بين أوروبا وأميركا من جهة، وروسيا من جهة أخرى، بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة في أوكرانيا. إذ أضفى انتخاب رئيس قوي مستعد للسير قدما في المواجهة مع روسيا، تماسكا كان مفقودا على الحكومة الأوكرانية الموالية للغرب. وبدا ذلك واضحا من خلال العملية العسكرية السريعة التي شنتها القوات الأوكرانية لاستعادة مطار مدينة دونيتسك، بعد ساعات من وعود الرئيس بوروشينكو، بإعادة السيطرة على المناطق الخاضعة للانفصاليين.

هي حرب باردة إذن، تلك المندلعة بين الجانبين. وفي حين يعتبر البعض أن إقدام روسيا على ضم شبه جزيرة القرم التابعة لأوكرانيا كان التاريخ الرسمي لبداية تلك الحرب، ثمة من يعتبر أنها بدأت مع اندلاع الثورة السورية، ومع المساندة الروسية الحاسمة والمتعددة الجوانب لنظام الرئيس بشار الأسد. وليس ما يحدث اليوم سوى أن الحرب البادرة لا تني تكتسب قدرا متزايدا من حرارة الصدام.

يحدث ذلك، بالرغم من الترجيحات التي سادت في أعقاب انعقاد مؤتمر «جنيف1» لإحلال عملية سياسية في سوريا، والتي صبت في اتجاه تراجع حدة المواجهة المحتدمة بين روسيا وأميركا. وإذا بالصراع بينهما يبلغ ذروته بعد انتهاء أعمال المؤتمر بفشل ذريع، ودخول الأزمة الأوكرانية على خط المواجهة.

إذ ارتفعت حدة التوتر بسبب الانتشار الموسع لقوات حلف شمال الأطلسي بالقرب من الحدود الروسية. فضلا عن العقوبات الغربية على دبلوماسيين روس مقربين من الرئيس بوتين، وهي عقوبات لم يسجل حدوثها حتى في ظل أسوء العلاقات مع الاتحاد السوفييتي سابقا. ربما تحمل تلك العقوبات تأثيرا معنويا أكثر من كونها تمثل خسارة اقتصادية لروسيا. لكن طول أمدها، حتى من دون توسيعها، ربما يكون له عواقب وخيمة على الاقتصاد الروسي. إذ تعتبر الشخصيات التي طالتها العقوبات بارزة على مستوى الإدارة الاقتصادية في البلاد، بل إن بعض الممنوعين من السفر والذين جرى حجز أموالهم، هم من مالكي مؤسسات اقتصادية عملاقة سوف تتأثر سلبا وتؤثر بدورها على قطاعات متعددة في الاقتصاد.

الأخطر أن العقوبات تتجه نحو التصعيد، مع تحذيرات الاتحاد الأوروبي من احتمال فرض قيود على الواردات من السلع الروسية، وعلى الأسواق المالية، وحظر بعض الاستثمارات الجديدة في روسيا، وصولا إلى عقوبات شديدة ربما تحدث انقلابا في المشهد الدولي وفي علاقات روسيا مع الغرب فيما لو حدثت، وهو حظر كامل لواردات النفط والغاز من روسيا.

ذلك أن الاتحاد الأوروبي يستورد نحو 30 بالمئة من احتياجات الطاقة لديه من روسيا. وما يجعل هذا “السلاح” خيارا غير متاح بسهولة، هو اعتماد عدد من دول الاتحاد الأوروبي على الطاقة الروسية بصورة شبه تامة. كما تمتلك بعض الدول الأوروبية علاقات اقتصادية متينة مع روسيا في مجالات التجارة والصناعة، وخصوصا ألمانيا التي تعتبر دولة قائدة ومؤثرة في الاتحاد الأوروبي، والتي تميل إلى التهدئة لتفادي الآثار الاقتصادية السيئة المحتملة على اقتصادها.

لكن روسيا المنتعشة بالأحلام التوسعية تبدو كما لو كانت تستعد لمواجهة طويلة ومتصاعدة مع الغرب. وذلك من خلال تعزيز علاقاتها مع الصين. في هذا السياق أتت الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الروسي إلى الصين، والتي أدت إلى توقيع اتفاق تصدير الغاز الطبيعي. الأمر الذي يؤشر إلى أن روسيا تستعد لحرب باردة طويلة، من خلال إنشاء حلف واسع مستعد لتصعيد الصراع.

وبصورة أقل، تعمل روسيا على توطيد علاقاتها بدول عديدة في الشرق الأوسط لضمان موطئ قدم، ولـ”دحر” الهيمنة الأميركية هناك. فهي لا تزال تحافظ على حليفها في سوريا، وتعزز علاقاتها مع إيران.

لقد كانت المؤشرات في العام 2013 تشير إلى أن الجانبين الروسي والأميركي يبذلان جهودا كبيرة لتذليل العقبات التي تعترض بدء مرحلة من التقارب بينهما. وذلك بدفع أكبر من الجانب الأميركي الذي كان يسعى نحو التهدئة. وخصوصا مع تولي جون كيري لحقيبة الخارجية، إذ خفّض هدوءه ودبلوماسيته من حدة العلاقة المتوترة التي سادت أثناء تولي هيلاري كلينتون للمنصب. وكانت أميركا تشعر بخطر صعود الصين كقوة اقتصادية، فحاولت حينها العمل على حصار التوسع الصيني عبر التحالف مع روسيا.

لكن الأحلام التوسعية لكل من روسيا والصين تعاضدت بتوجيه ضربة قوية ومؤثرة للهيمنة الغربية على العالم بشكل عام، وللهيمنة الأميركية بصورة خاصة. ويبدو البلدان اللذان يمتلكان تاريخا سابقا في مقارعة الولايات المتحدة أثناء الحكم الشيوعي، مصرّين على المضي قدما في المواجهة، وتحطيم السطوة الأميركية على العالم، بما يُنذر بحدوث تغيّر نوعي في علاقاتهما المشتركة مع الغرب، وبما قد يغيّر من النظام الدولي المعاصر.


كاتب فلسطيني سوري

8