حرب تجنيد مستمرة بين الدولة المصرية والتنظيمات الإرهابية

الأحد 2014/10/26
غياب الثقافة جعل بعض رجال الشرطة فريسة للتيارات الإرهابية

القاهرة – مقتل ضابط الشرطة المصري السابق أحمد الدوري في عملية انتحارية نفذها تنظيم داعش بالعراق أخيرا، فتح الباب على مصراعيه في مصر، للحديث عن نجاح بعض التيارات المتشددة في اختراق عدد من العاملين في المؤسسات الأمنية وتجنيدهم، فالدوري رائد شرطة استقال من عمله، ورشح نفسه لمجلس الشورى عام 2012 خلال عهد الإخوان، وانحاز إلى أفكارهم.

ولم يكن أحمد الدوري أول ضابط شرطة أو جيش ينضم لتنظيم إرهابي ويتحول إلى انتحاري، فالقائمة طويلة وتمتد لسبعينات القرن الماضي. ويعتبر التنظيم المعروف بـ “الفنية العسكرية” الذي تم الكشف عنه عام 1974 أول تنظيم إرهابي يضم ضباطا بالقوات المسلحة، وطلابا في الكلية الفنية العسكرية، بهدف اغتيال الرئيس المصري الأسبق أنور السادات قبل أن يتم القبض على معظم أعضائه، وتقديمهم لمحاكمة عاجلة .

في السادس من أكتوبر عام 1981 نجح عدد من ضباط القوات المسلحة، على رأسهم خالد الإسلامبولي، وعبود الزمر وعبدالعزيز علي وعصام القمري، في اغتيال السادات، من خلال تنظيم تشكل من ضباط بالجيش المصري، ممن كانوا منتمين لجماعات إسلامية متشددة، وبعد حوالي ثلاثة أعوام، قاد ضابط يسمي “أحمد سلامة مبروك” خلية إرهابية ضمت عشرات من ضباط الجيش والشرطة، كان هدفها السعي لقلب نظام الحكم بالبلاد، ولم تمض سوى ثلاث سنوات أخرى، حتى تم القبض على 70 ضابطا وضابط صف بالقوات المسلحة والشرطة المصرية، في القضية المشهورة بمحاولة إحياء تنظيم الجهاد.


ضباط وبشر


صبرة القاسمي، الذي كان قياديا سابقا في تنظيم الجهاد، والآن هو منسق الجبهة الوسطية لنبذ العنف ومقاومة التطرف، قال لـ”العرب” إن ضابط القوات المسلحة أو جهاز الشرطة بشر، قبل أن يكون عسكريا، ومن السهل أن يؤمن بأي فكرة تعرض عليه، سواء كانت إرهابية أو تنويرية .

وأضاف الجهادي السابق أن طبيعة عمل رجال الجيش والشرطة جعلت المشرع يعزلهم عن باقي المجتمع حتى لا ينخرطوا فكريا ضمن أي تيار أو اتجاه ديني أو سياسي، بما لا يؤثر علي الحيادية التي يتطلبها عملهم، مشيرا إلى أن غياب المواجهة الفكرية للتيارات المتطرفة ونجاحها في غزو المجتمعات العربية ونشر أفكارها عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، أسهم في سقوط الكثير من الشباب، بمن فيهم ضباط بالمؤسسة العسكرية وجهاز الشرطة في شباك هذه الجماعات.

وأكد القاسمي أن التوجهات السياسية والدينية لضباط الجيش والشرطة بدأت تظهر بعد ثورة 25 يناير 2011، حيث ظهر الضباط الملتحون، وما يسمى بضباط 8 أبريل، وانتشرت التوجهات العقائدية والسياسية داخل جهات في المؤسسة الأمنية، بصورة أصبحت تهدد استقرار البلاد، لأن بعضهم تحول إلى عملاء لبعض الجماعات المتطرفة، وسهلوا لها تنفيذ عمليات إرهابية، من خلال المعلومات المتوافرة لهم عن تحركات الضبط والقيادات الأمنية.

أكثر من 4 تنظيمات مسلحة شكلها ضباط جيش وشرطة تواطأت مع متشددين في مصر


الفئات المستهدفة


الفئات العسكرية التي تستهدفها الجماعات الإرهابية، تتوقف على طبيعة وجود التنظيم الإرهابي، فضلا عن المكان، ففي العراق مثلا استهدف داعش تجنيد مسؤولي الأحوال المدنية، وهو ما بدا جليّا في أحد فيديوهات التنظيم المعروفة بـ”صليل الصوارم”، حيث ظهرت العناصر في أحد الأكمنة بالشوارع وهي تراجع بيانات المواطنين لمعرفة موقفهم القانوني من الدولة الإسلامية، عبر قاعدة البيانات التي نجحوا في الحصول عليها باستقطاب قيادات في الداخلية العراقية، ومسؤولين بالسجلات المدنية.

وتسعى الجماعات الإرهابية دائما لاختراق ضباط الحراسات الخاصة بوزارات الداخلية في الدول العربية وتجنيدهم، نظرا لما يمتلكونه من معلومات حول شخصيات تصنفها تلك الجماعات في خانة الأعداء .

الجهادي السابق، قال أيضا لـ”العرب” إن مجندي الأكمنة الأمنية والعاملين فيها مستهدفون أيضا من قبل الجماعات الإرهابية، سواء بالقتل أو التجنيد، حيث يمكن من خلالهم تفجير أي مركز أمني بمنتهي السهولة، لافتا إلى أن ما حدث بمديرية أمن القاهرة، قبل حوالي عشرة أشهر، خير دليل على ذلك، فهناك شبهات كثيرة حول تورط مجندي الكمين في تقديم معلومات وتسهيلات للجماعة التي قامت باستهداف مبنى المديرية وتفجيره.

كما تسعي الجماعات الإرهابية، بحسب القاسمي، إلى تجنيد الضباط واضعي الاستراتيجيات الأمنية للدول بما يمكّنهم من إحباط تلك المخططات، مشيرا إلى أن الانتصار في الحرب بين التنظيمات الإرهابية والأجهزة الأمنية لا يتوقف على عدد القتلى بين الطرفين، بل ربما يكون العامل الحاسم هو مدى نجاح كل طرف في تجنيد واستقطاب عناصر من الطرف الآخر بما يمكّنه من إسقاطه وإفشال مخططاته.


حكم الإخوان


أكد ماهر فرغلي، الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، أن الحديث عن نجاح التنظيمات الإرهابية في تجنيد ضباط بالجيش والشرطة يحمل قدرا من المبالغة، والأمر مجرد حالات فردية قليلة قياسا بقطاعات أخرى مثل الطب والهندسة. مضيفا أن النظام الشرطي في مصر مثلا، يصعب اختراقه والتوغل فيه وكل القضايا أو الحالات التي تم كشف انتماء أصحابها للتيارات الإرهابية جرى تجنيدها خلال فترة حكم الإخوان. وأضاف أن استمرارهم أكثر من عام كان سيحوّل المؤسسة الأمنية في مصر إلى فرع من فروع الجماعة تفقد به وطنيتها وبذلك تصعب السيطرة على أفرادها.

وحول أشهر القضايا التي تورط فيها عسكريون مع تنظيمات إرهابية، قال فرغلي إن محاولة اغتيال وزير الداخلية المصري، تمّت العام الماضي من خلال عملية انتحارية نفذها ضابط سابق عضو بتنظيم بيت المقدس، بالإضافة إلى اغتيال الضابط محمد مبروك، حيث جرت بمشاركة ضابط في إدارة مرور القاهرة، وقدم معلومات مهمة للتنظيم الإرهابي الذي نفّذ الجريمة، موضحا أن أول طلب تطلبه الجماعات الإرهابية من أي ضابط تنجح في تجنيده، هو دعوته لزملائه للإيمان بالفكرة والالتحاق بالتنظيم، بما يمكّنهم من مواجهة الدولة بنفس رجالها وسلاحها.


غياب الثقافة


من جانبه كشف الخبير الأمني محمود قطري أن غياب الثقافة عن بعض رجال الشرطة جعل بعضهم فريسة للتيارات الإرهابية، وقال لـ”العرب” إن المراقبة المستمرة من جهاز الأمن الوطني لرجال الشرطة لمنع سقوطهم في فخ السياسة أو انتماء أحدهم لتنظيم الإخوان جعل عناصر الجهاز الشرطي يبتعدون ليس عن السياسة فحسب بل عن الثقافة العامة أيضا، ما جعل عقولهم أحيانا تعجز عن مواجهة أي شبهات تثار حولهم .

وأشار قطري إلى أن معاهد الشرطة بحاجة لخبراء نفسيين وعلماء اجتماع ورجال دين لدحض الشبهات التي تثيرها الجماعات الدينية وتفنيد أباطيلها ضد رجال الجيش والشرطة، مع ضرورة اتباع القواعد السليمة في التنقلات والترقيات.

وكان اللواء سيد شفيق، مدير الأمن العام بوزارة الداخلية، قد كشف في حوار مع جريدة “الأخبار” المصرية الأسبوع الماضي، عن قيام الوزارة باستبعاد مائة ضابط وشرطي من المتعاطفين مع الإخوان، وكذلك تم فصل عدد من طلاب الإخوان في كلية الشرطة، مؤكدا أن الباقي تحت المراقبة الدقيقة.

وأكّد خالد عكاشة الخبير الأمني والضابط السابق، أن انضمام ضباط شرطة وعسكريين لتنظيمات إرهابية، يعني وجود انحراف فكري لدى من يفعل ذلك، وقال لـ”العرب” إن الضابط أحمد الدوري الذي قتل في صفوف داعش استقال منذ أربع سنوات وكان يمارس عملا سياسيا وانضم لحزب مصر القوية الذي يترأسه القيادي الإخواني السابق عبدالمنعم أبو الفتوح .

وأوضح الخبير الأمني أن الدولة المصرية لديها أجهزة لمراقبة سلوكيات رجال الجيش والشرطة وتوجهاتهم وكل من يثبت انتماؤه لأي تيار ديني أو تبنّيه لأفكار متطرفة تتم محاكمته عسكريا وفصله من الخدمة فورا.

6