حرب ترامب على الفلسطينيين

ليس المطلوب التفاوض حول وضع القدس واللاجئين والتنازل عن تفاصيل معينة مقابل تنازل إسرائيل عن أمور أخرى، وإنما إسقاط تلك القضايا وشطبها من جدول التفاوض.
السبت 2018/09/15
استخدام المساعدات الإنسانية وسيلة ابتزاز سياسي عمق الصورة السلبية للولايات المتحدة

تواصل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تصعيدها السياسي والاقتصادي ضد الفلسطينيين. فبعد القرار الشهير المثير للجدل بنقل السفارة الأميركية في إسرائيل لمدينة القدس، قامت الإدارة الأميركية بوقف الدعم الذي تقدمه لمنظمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) والمقدر بنحو 200 مليون دولار. وتلا ذلك تصعيد جديد الأسبوع الماضي تمثل بإغلاق مقرّ منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن.

منذ النكبة الفلسطينية وتأسيس الدولة الصهيونية في العام 1948، وقفت الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل، وتطورت علاقتهما بصورة سريعة لتصبح علاقة عضوية تحمي فيها واشنطن الدولة الصهيونية وتقدم لها المساعدات الاقتصادية والعسكرية وتمتنع حتى عن انتقادها في المحافل الدولية، وذلك مقابل الحصول على قاعدة سياسية عسكرية متقدمة في الشرق الأوسط تعمل باستمرار على ضمان المصالح الأميركية جنبا إلى جنب مع خدمة مصالح وبقاء الدولة الصهيونية.

بهذا المعنى لم تكن الولايات المتحدة حيادية في أي يوم من أيام الصراع العربي الإسرائيلي. ومع ذلك، يبقى تصعيد إدارة ترامب المتواصل ضد الفلسطينيين استثنائيا بعض الشيء، حيث يمثل انقلابا على السياسة الأميركية الرسمية تجاه الفلسطينيين والتي تمثلت بسياسة العصا والجزرة.

لم يكن لدى الإدارات الأميركية المتعاقبة الكثير من الحوافز التي يمكن أن تقدمها للقيادة الفلسطينية، وفضلت دوما استخدام العصا عن طريق دعم سياسات إسرائيل العدوانية وإحباط محاولات التضامن الدولي مع الفلسطينيين. لكنها مع ذلك، ومنذ توقيع اتفاق أوسلو والاعتراف بمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، حافظت على مفهوم الجزرة وذلك عبر التواصل الدبلوماسي مع القيادة الفلسطينية، وتجنب اتخاذ مواقف متطرفة تجاه المواضيع الحساسة والتي تحظى بالإجماع الدولي كملف القدس واللاجئين الفلسطينيين.

لكن إدارة ترامب فضلت التخلي تماما عن سياسة الجزرة والاحتفاظ بالعصا واستخدامها بوتيرة متزايدة. هكذا شنّ الرئيس الأميركي حربا اقتصادية وسياسية شاملة ضد الفلسطينيين منذ وصوله إلى البيت الأبيض. شملت ضغوط ترامب قطع المساعدات عن مستشفيات القدس الشرقية التي تقدم خدمات صحية للمرضى الفلسطينيين بقيمة عشرين مليار دولار. وقد أثار استخدام المساعدات الإنسانية كوسيلة ابتزاز سياسي انتقادات دولية واسعة، عمّقت الصورة السلبية التي تظلل الولايات المتحدة منذ وصول ترامب للبيت الأبيض.

كان تجنب تلك الانتقادات والظهور بمظهر الحريص على المدنيين الفلسطينيين هو ما منع الإدارات السابقة من تبني تكتيكات ترامب المثيرة للجدل، حيث وجدت أن تكلفتها الدبلوماسية أكبر من العائد الذي يمكن أن تقدمه. ففي نهاية المطاف كانت إسرائيل ماضية بسياسات تغيير الأمر الواقع والتي أدّت مع مرور الوقت إلى تفتيت الضفة الغربية وإنهاء حلم القيادة الفلسطينية بدولة فلسطينية مستقلة. كانت الإدارات الأميركية تراقب ذلك بصمت، في وقت تتظاهر بالحياد وبتقديم الدعم الإنساني للفلسطينيين وللاجئين. فكيف نفسر إذن انقلاب الرئيس الأميركي على تلك السياسة التي أثبتت نجاحا كبيرا بتكلفة قليلة؟

تركز معظم التحليلات على هدف زيادة الضغوط السياسية والاقتصادية على الفلسطينيين من أجل “العودة إلى طاولة المفاوضات”. ويعتبر ذلك هو الهدف المعلن لإدارة الرئيس الأميركي الذي لم يخف الأمر من خلال تغريداته الكثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي. على أن المطلوب حقيقة ليست العودة إلى طاولة المفاوضات، إذ أن إسرائيل هي الطرف الرافض للتفاوض، وإنما القبول بتسوية تعدّها الإدارة الأميركية وتسميها صفقة القرن.

ولكن تصعيد الإدارة الأميركية لا يرتبط فقط بالضغط على الفلسطينيين لتوقيع اتفاق سياسي مجحف، بل يتعلق أيضا بشخصية ترامب، رجل الأعمال المسكون بالعجرفة والصلف والمعروف بسلوكه الانتقامي. بدأ كل شيء بحاجة الرئيس الجديد إلى تنفيذ الوعد الانتخابي الذي قطعه للناخبين الأميركيين وللوبي الصهيوني الداعم له أثناء الحملة الانتخابية والمتمثل بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس. وقد ترتبت على ذلك انتقادات دولية وعربية واسعة جدا، وهو ما دفع ترامب لاستخدام تكتيكه المعروف عندما يتعرض للضغوط والانتقادات والمتمثل بالتمسك بموقفه والتصعيد.

يضاف إلى ذلك الأثر الذي تركه الموقف الاستثنائي والنادر الذي اتخذته القيادة الفلسطينية والمتمثل بالمقاطعة الدبلوماسية للمسؤولين الأميركيين. فبعد نقل السفارة الأميركية إلى مدينة القدس، رفضت قيادات السلطة الفلسطينية لقاء وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون الذي كان في زيارة لإسرائيل والمنطقة.

 وتمسكت بموقفها لاحقا رافضة لقاء وزير الخارجية الجديد مايك بومبيو ومبعوث الرئيس الأميركي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي وصهره جاك كوشنر. لا يتقبل ترامب مثل تلك الأفعال السياسية الحادة حتى من أنداده الأميركيين فكيف الحال بطرف سياسي لا يكنّ له الرئيس الأميركي الأبيض سوى مشاعر الاحتقار والدونية.

وفي جميع الأحوال، لا يمكن للضغوط الأميركية مهما بلغت حدّتها أن تغيّر من موقف الإدارة الفلسطينية من “صفقة القرن”. إذ ليس المطلوب هو التفاوض حول وضع القدس واللاجئين والتنازل عن تفاصيل معينة مقابل تنازل إسرائيل عن أمور أخرى، وإنما إسقاط تلك القضايا بصورة تامة، أي شطبها من جدول التفاوض.

 المطلوب من الفلسطينيين هو الاستسلام التام، المطلوب هو الانتحار. بالطبع، من السخيف أن تطالب شخصا ما بالانتحار وتهدّده باستخدام الضغوط الاقتصادية في حال لم يمتثل. ولا يمكن لطرف سياسي يتمتع بقدر ضئيل من العقلانية أن يتبع مثل هذا التكتيك التفاوضي. ولكن، للرئيس الأميركي رأي آخر.

9