حرب جديدة بين موسكو وواشنطن بدأت في سوريا فمصر ثم أوكرانيا

الأربعاء 2014/03/05
أزمة أوكرانيا تنذر بفتح جبهة جديدة للصراع الأميركي الروسي التقليدي

لندن - باندلاع شرارة الأحداث في أوكرانيا، تجد روسيا نفسها في موقف لا تحسد عليه، فهي في مواجهة المجتمع الدولي مرة أخرى، على غرار مواجهتها السابقة له لما وقف إلى جانب نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

يبدو أن صراع نفوذ القوى الكبرى بين الولايات المتحدة وروسيا ستتحدد معالمه بعد انضمام أوكرانيا إلى سجل الحسابات السياسية للبلدين، إثر الأزمة السورية، التي يتسابق فيها الطرفان في سياق تحد مصيري لفرض الوجود بين الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي يسعى إلى الحفاظ على أحادية النظام العالمي وبقاء الولايات المتحدة على رأسه، وبين الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الطامح إلى “الانتقام” من خسارة “السوفييت” في الحرب الباردة والباحث عن فرصة لعودة روسيا وفق مبدأ “الانتصار للقوي”.

في هذا الشأن توقع الخبير المصري في الشؤون الإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية، سامح راشد، أن يقلل الخلاف الروسي الأميركي في أوكرانيا، من فرص حل الأزمة السورية، واصفا فرص الحل بأنها “ضئيلة، وستصبح أكثر صعوبة بعد المستجدات في أوكرانيا وشبه جزيرة القرم”.

وأشار راشد إلى أن “تعقد الأزمة في أوكرانيا، سيؤدي، إضافة إلى تصعيد التسليح للطرفين المتصارعين في سوريا من قبل الدولتين الكبيرتين، إلى تشدد روسيا أكثر في مواقفها بمجلس الأمن، حيث ستمنع أية محاولات لإصدار قرار جديد حول سوريا”.

مثلما هو الحال في سوريا ووقوفها بجانب بشار الأسد، اتخذت روسيا موقفا مساندا للرئيس السابق فيكتور يانوكوفيتش، الذي واجه ثورة شعبية ضده، باعتبارها تتعاطى مع أوكرانيا ودول الاتحاد السوفيتي سابقا، على أنها فضاء خاص بها لا يمكن السماح لأطراف أخرى بالتواجد فيه، وهو في الحقيقة ما عقد الأزمة أكثر في ظل رفض غربي بالإجماع وانتقادات حادة لما قام به الكرملين في أوكرانيا بتدخله العسكري، بعد اضطرابات عنيفة، أسفرت عن اتخاذ البرلمان قرارا بعزل الرئيس فيكتور يانوكوفيتش، الذي رفض في نوفمبر التوقيع على اتفاق للتبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي، مفضلا بدلا من ذلك التقارب مع روسيا.

رغبة بوتين في الحفاظ على نفوذ بلاده في منطقة الشرق الأوسط لا تنحصر في سوريا فحسب

وأضاف راشد أن التشدد الروسي “يقابله تشديد الولايات المتحدة من ضغوطها على النظام السوري، وعلى موسكو، وليس بالضرورة أن يكون ميدان الضغوط على الأخيرة في سوريا، بل في أماكن أخرى مثل لبنان، حيث تعيد الأزمة في أوكرانيا أجواء الحرب الباردة والصراع الغربي الشرقي، ولكن على نطاق أضيق مما كان عليه في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.

ويرى مراقبون أن النظام الحاكم في روسيا لديه قناعة بأن موسكو لها الإمكانات الكافية للقيام بدور قيادي على الساحة العالمية، باعتبارها دولة كبيرة لديها مصالحها، ومناطق نفوذها التي كانت، بحكم التجربة التاريخية، تخضع لسيطرتها، وهو ما يجعل التدخل العسكري مقبولا طالما أنه يحقق المصالح الروسية.


بين كييف ودمشق


في ما يتعلق بتأثيرات الأزمة الأوكرانية على مفاوضات السلام حول سوريا في مؤتمر جنيف2، ذهب راشد إلى القول إن “جنيف2 ولد ميتا بالأساس، وكان يحمل في داخله أسباب فشله، والأزمة الحالية لن تزيد الأمور صعوبة، لأن الحل السلمي الحالي بناء على جنيف2 غير واف، فالأسباب تتعلق بجنيف، والدعوة إلى المؤتمر واستبعاد الأطراف، والخلاف على أوليات الحل، من الحديث عن الحكم الانتقالي، أو وقف العنف”.

ونفى أن تكون هناك مقايضة في الأزمتين كما تتناول الأوساط، مؤكدا أنه “لا يعتقد أن يكون هناك تنازل أميركي في أوكرانيا، مقابل تنازل روسي مماثل في سوريا، وأن هذا السيناريو يكون واقعا في ظل التوافق ضمن إطار صفقة ما، ولكن ما يحدث حاليا هو نوع من التصعيد والتوتر، فإن حدثت تنازلات ستكون اضطرارية، وهذا ينطبق في الحالتين في أوكرانيا وسوريا”.

سامح راشد: جنيف 2 ولد ميتا بالأساس وكان يحمل في داخله أسباب فشله

من جانب آخر، رأى أن القطبين العالميين “ليسا على استعداد لعقد الصفقة حاليا، ولكن موازين القوى، والوضع الميداني، هما من سيفرضان على الأطراف قرارتهما السياسية، وحدوث التنازل، ومثال ذلك، أن طرفي جنيف من النظام والمعارضة، لم يكونا على استعداد للذهاب إلى جنيف وبشكل واضح للجميع، وإنما ذهبا مضطرين، وينطبق نفس الأمر على الأزمة الأوكرانية”.

وتابع قائلا “الصفقة تعتمد على موازين القوى على الأرض، ومما يؤكد ذلك، أن روسيا لم تنتظر طويلا، واعتبرت التغير السياسي الذي طرأ في أوكرانيا، تهديدا لا يحتمل المناورات والسياسة والمشاورات مع الغرب، فسارعت إلى التدخل المباشر الميداني، واتخذت إجراء عمليا بأقصى وأبعد صور التدخل، وهو التدخل العسكري، وهذا يؤكد أن الخيار في الأزمتين هو للأقوى على الأرض، ومن ثم الانتقال لاحقا إلى مائدة التفاوض”.

وتفاقم الوضع خلال الأيام الأخيرة في منطقة شبه جزيرة القرم، التابعة لأوكرانيا، والتي تتمتع بحكم ذاتي، حيث شهدت توترا متصاعدا، خاصة بعد أن استدعت روسيا حشودا عسكرية شرقي البلاد، ما اعتبره الغرب احتلالا روسيا لشبه الجزيرة.


واقع جديد


عن آفاق الصراع بين الدولتين الكبيرتين، اعتقد راشد أنه “سيحدث نوع من التوازن، مما يمكن تسميته بتبادل الانتصارات، أو تبادل الهزائم، وكلا التعبيرين يصلح، بمعنى أن روسيا حققت سبقا في أوكرانيا، وفرضت أمرا واقعا جديدا، سيكون لها اليد الطولة فيها”، متوقعا أن “ترد الولايات المتحدة على ذلك، ربما ليس في أوكرانيا وإنما في منطقة أخرى، ربما تكون سوريا، أو في نقطة خلاف أخرى في وسط آسيا”.

وأشار إلى أنه في هذه الحالة “ستفرض الولايات المتحدة واقعا جديدا في منطقة ما ردا على روسيا، حيث ستكون الأمور متبادلة، فالدولتان تملكان القوة، وتعانيان من مشكلات وثغرات اقتصادية، تجعل من العسير على أي منهما تحقيق تفوق شامل وعام، وذلك على المستوى العالمي ككل”.

وقد بدأ البيت الأبيض في اتخاذ أولى الخطوات التصعيدية مع الدب الأبيض، وذلك بالتلويح بالعزلة الدولية، واستخدام ورقة الضغط الاقتصادي على موسكو، وإنهاء عضويتها في مجموعة الثماني، فضلا عن إعلان عدد من الدول عدم حضورها قمة مجموعة الثماني التي تستضيفها روسيا هذا العام.

تعقد الأزمــة في أوكرانيا سيؤدي إلى تصعيد التسليح للطرفين المتصارعين فـي سوريا

رغم أن المسؤولين الأميركيين يتجاهلون ما يتم تداوله سياسيا عن الصراع الخفي بين واشنطن وبين موسكو إلا أن العديد من التقارير الإعلامية تؤكد أن هناك حربا باردة جديدة بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية، هذه الحرب بدأت تتشكل في سوريا ثم انتقلت إلى مصر واليوم وصلت إلى ذروتها في أوكرانيا، فرغبة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الحفاظ على نفوذ بلاده في منطقة الشرق الأوسط لا تنحصر في سوريا فحسب، وتحسين العلاقات المصرية الروسية يصب في صالح موسكو، خاصة مع توتر علاقات القاهرة بواشنطن.

والتقى بوتين وزير الدفاع المصري المشير عبدالفتاح السيسي، خلال زيارته لموسكو مؤخرا، وأيد ترشحه لرئاسة مصر حتى قبل إعلان الأخير عن دخوله السباق الرئاسي، كما تناولت الزيارة مباحثات حول صفقة عسكرية بقيمة ملياري دولار، في الوقت الذي علقت فيه أميركا جانبا من المساعدات العسكرية لمصر. وهنا تظهر المحاولات الروسية في أن تتحول إلى أكبر قطب مؤثر إقليميا ودوليا في منافسة الولايات المتحدة.

7