حرب حزيران والدور المشبوه لنظام البعث السوري

الثلاثاء 2014/06/03
طائرة ميغ-23 السورية معروضة في متحف القوات الجوية الإسرائيلية

كُتبَ الكثير من التحليلات والدراسات العسكرية والسياسية، وقُدِم العديد من الشهادات عن حرب 1967، تلك الحرب التي تركت آثارها وتداعياتها الواسعة والعميقة على الواقع العربي، الذي ما يزال أسير مفاعيلها على المستويين السياسي والوجودي حتى اللحظة الراهنة.

إن أهمية حرب الخامس من حزيران عام 1967 وتأثيراتها يجعلان من الضروري مواصلة الحفر في ذاكرة تلك اللحظة التاريخية، واستعادة وقائعها الحية، كما عاشها شاهد من أرض الحدث، لا لمجرد توثيق تلك الوقائع، بل لطرح الأسئلة الأكثر إلحاحا حول حقيقة ما حدث، والدور المشبوه لسلطة البعث العسكرية، التي لم يكن قد مضى على تفردها بالسلطة عام ونيف، بعد إقصائها لجناح القيادة القومية للبعث في انقلاب فبراير 1966.

إن أهمية هذه الوقائع والأحداث تكمن في تقديم صورة حيّة عما حدث، وبالتالي، فإن استعادة تلك الوقائع إن لم تُدِنْ بصورة مباشرة تلك السلطة، وتحملها المسؤولية الكاملة عن تلك الهزيمة، فإنها تطرح الأسئلة الكبيرة حول الدور الذي لعبته في الوصول إلى تلك المآلات الكارثية للهزيمة، التي جعلت منها انتصارا لها لمجرد استمرار بقائها في السلطة، دون أي اعتبار للكرامة الوطنية والقومية التي تمرغت في وحل الهزيمة، وللأرض التي اغتصبت، ولمئات الألوف من السوريين الذين شردوا من بيوتهم وأرضهم، وما زالوا في انتظار سراب العودة.


ما قبل الحرب


بناء على المعلومات الاستخباراتية التي قدمها السوفييت للقيادة السورية، فإن إسرائيل قامت بحشد ثلاثة ألوية عسكرية من قواتها في القطاع الشمالي المتاخم لحدودها مع هضبة الجولان استعدادا لشن هجوم على مرتفعات الجولان.

القيادة السورية تلقفت النبأ وبدأت بعملية تعبئة واسعة عبر أجهزة إعلامها ومن خلال تحركاتها السياسية لاسيما تجاه القيادة المصرية. لم تكن الإذاعة السورية طوال شهر مايو تتوقف عن عملية الشحن والتعبئة الإعلامية والداخلية من قبل الإذاعة السورية والقواعد البعثية، سواء من خلال الأغاني الوطنية الحماسية التي تتحدث عن الهزيمة المنكرة التي ستلحق بالعدو (ميراج طيارك هرب مهزوم من نسر العرب- بكلفني خمس قروش البيقرب صوب حدودي)، أو المهرجانات وحملات التبرع لدعم المجهود الحربي عبر المزادات التي كانت تقام في مسرح الحمراء بدمشق، تارة على مسدس، وتارة أخرى على جديلة تبرعت بها إحدى الرفيقات.

تلك الأجواء المشحونة بالتوتر جعلت الناس كأنهم يعيشون لحظات ما قبل الحرب، لكن لم يكن على المستوى الميداني العسكري أي تغيير أو تحركات تذكر على الأرض تشي بذلك، وكأن المعركة تحدث على أثير تلك الإذاعات، ما جعل المواطن السوري مشغولا بمتابعة ما يحدث من تطورات ومواقف زاد من تسخينها ما قام به جمال عبد الناصر من إجراءات لإغلاق المضائق ومنع الملاحة البحرية الإسرائيلية في البحر الأحمر، ووضع قواته العسكرية في سيناء في حالة تأهب للرد على أي عدوان إسرائيلي على سوريا.

كنا نتحلق ساعات طويلة حول المذياع لسماع آخر تطورات الوضع من نشرات الأخبار المتواصلة التي كان يقدمها راديو صوت العرب من القاهرة وإذاعة دمشق، دون أن ننسى الإذاعة الإسرائيلية وإذاعة لندن اللتين كانتا تحظيان بمصداقية أكبر عند عامة الناس.

في ثكنة البلدة هبطت حوامة كانت تقل حافظ الأسد وأحمد سويدان رئيس هيئة الأركان وكانت سيارة جيب بانتظارهما أقلتهما باتجاه الجبهة الأمامية للجولان. هذا هو الحدث الوحيد الذي لمسناه في منطقتنا التي كانت تعد الخط الخلفي للجبهة الأمامية. لم تكن الزيارة أكثر من استعراض إعلامي ومحاولة إظهار جدية النظام في الاستعداد لأي هجوم إسرائيلي محتمل.

المناطق التي سيطرت عليها إسرائيل بعد حرب 1967


ساعات الصباح الأولى


حوالي الساعة السابعة والنصف صباحا من يوم الخامس من حزيران بدأنا نسمع بأخبار الهجوم الإسرائيلي على سيناء من خلال البيانات التي كان يذيعها راديو صوت العرب وتنقلها عنه إذاعة دمشق. كانت تلك البيانات تنطوي على مبالغات كبيرة حول خسائر الطيران الإسرائيلي، في حين كان سلاح الجو المصري قد جرى تدميره على الأرض.

على الجبهة السورية كان صمت تام يخيم على مناطق الجبهة. بعد العاشرة صباحا لاحظنا أن بعض السيارات العسكرية جرى توزيعها على خجل قرب الأماكن العامة للتمويه، لكن لا شيء يدل على أن معركة قد بدأت على هذه الجبهة. بعد الساعة الحادية عشرة عبرت أجواء منطقتنا الأمامية طائرتا “ميغ” فكانتا هما الحدث الوحيد الذي يوحي بأن المعركة قد بدأت.

القيادة السورية تريثت حتى ذلك الوقت لاتخاذ قرار المشاركة في الحرب. الناس في مناطقنا وجدوا أنفسهم فجأة دون ملاجئ يأوون إليها. بعضهم سارع إلى حفر الخنادق في الأرض الزراعية المحيطة بالبلدة، وكانت أسرتي واحدة من تلك العائلات، بينما فضَّل بعضهم الانتقال إلى مناطق الوديان القريبة للاحتماء هناك من الطيران الإسرائيلي على الرغم من أنه حتى تلك الساعات لم تظهر أية طائرة إسرائيلية في أجواء منطقتنا.

عند المساء كان رتل من قوات جيش التحرير الفلسطيني يتقدم باتجاه الجبهة على الطريق العام الذي يخترق البلدة باعتباره الطريق الرئيسي باتجاه الخطوط الأمامية في الجبهة الجنوبية. توقف الرتل في بداية البلدة وطلب من أحد الشباب أن يرافقهم كي يدلهم على الطريق الفرعي الموصل إلى الجبهة. بعد أن اجتازوا بلدتنا بربع ساعة كان الطيران الإسرائيلي يهاجم مقدمة الموكب ومنتصفه، ويوقف تقدم قوات جيش التحرير التي لم تكن هناك أية حماية جوية له، على الرغم من أن المطارات العسكرية السورية كانت تعمل، وكان طيرانها يقوم بغارات على مناطق مختلفة في إسرائيل.

بعد أكثر من ساعة بدأت تتوافد القوافل العسكرية إلى بلدتنا، وتنتشر بين البيوت وفي الحقول المجاورة لبيوت المدنيين، ثم يجري تمويهها دون أي حساب لأرواح المدنيين.

كل شيء كان يجري على عجل ومن دون استعداد، وكأن الحرب بدأت الآن، وأنه لم يكن هناك تهديد جدي بالهجوم الإسرائيلي قبل شهر. ما زلت أتذكر سائق تلك السيارة الذي كان يجلس قرب سيارته وحيدا ويرجونا أن نبقى في بيتنا بسبب شعوره بالخوف في عتمة تلك الليلة، التي نمنا فيها مع مجموعة من العائلات في الحقول القريبة من البلدة. في اليوم التالي بدأت أولى غارات الطيران الإسرائيلي على المناطق العسكرية الموجودة في البلدة مما دفع بالأهالي إلى الاتجاه نحو الوديان القريبة أو باتجاه قرى حوران بعد أن أصبح الطيران الإسرائيلي يهيمن بصورة مطلقة على الأجواء. كنا نرى جنود المشاة المساكين بالعشرات وهم يحتمون في حقول القمح عند سماع أصوات الطائرات يقترب منهم، وكنا ننضم إليهم خوفا منها. كان شعور بالرعب والذل يطغى على الجميع.

مئات الألوف من السوريين شردوا من بيوتهم وأرضهم خلال حرب 1967 وما زالوا في انتظار سراب العودة


طائرات


كانت بلدتنا تقع في خط الدفاع الثالث وفق المصطلحات العسكرية آنذاك، ولذلك لم نكن نعرف من الحرب سوى عربدة الطيران الإسرائيلي في أجواء مكشوفة أمامه، وأصوات المدافع التي تأتي من الخطوط الأمامية. واصل الطيران هجومه في باقي الأيام على المقرات العسكرية في وسط البلدة وأطرافها، وفي اليوم قبل الأخير لم يوفر سيارة أو أي موقع مهما كان صغيرا، مما أدى إلى تدمير الكثير من المنازل التي هجرها أصحابها. في صبيحة يوم الحادي عشر من حزيران وحوالي الساعة العاشرة أذاع راديو دمشق البيان العسكري المشؤوم الذي يتحدث عن سقوط القنيطرة، فكان البيان أشبه بقذيفة تسقط فجأة بيننا. أخذ الجميع في التراكض والبحث عن أفراد عائلته لتجميعهم استعدادا للرحيل باتجاه حوران. كان الرعب الشديد هو الطاغي.

ما إن وصلنا إلى منطقة تدعى عين ذكر (تقع الآن قرب خط وقف النار في المنطقة الجنوبية) حتى وجدنا عشرات العائلات بعضها يقود أطفاله وحيواناته، وبعضها الآخر أضاع جزءا من عائلاته في زحام البشر الذي كان يسلك ذلك الطريق الترابي باتجاه حوران. كان الخوف هو سيد المشهد. قبل أن نصل إلى بلدة نوى الواقعة على الخط الفاصل بين حوران والجولان، والتي تربط المنطقة الجنوبية والوسطى من الجولان بحوران، فوجئنا بطائرتين إسرائيليتين تهاجمان عددا من الدبابات السورية المنسحبة، فسارع الرجال إلى الاختباء في حقول القمح المتاخمة للطريق، على الرغم من أنهم قاموا بلف البندقيتين اللتين يحملانها بقطع من القماش منذ انطلقنا من أماكن اختبائنا الأولى.

بعد أن ابتعدت إحداهما قليلا خرجوا جميعا وتابعنا طريقنا. على يسار الطريق كنا نشاهد على قمة التل المتاخم لمنطقة الخوخدار (مفتاح المنطقة الجنوبية) مدفعا مضادا للطائرات يتصدى ببسالة للطائرات الإسرائيلية التي تحاول جاهدة تدميره، وبينما كنا نتابع المشهد استطاعت إحدى الطائرات أن تصيبه إصابة مباشرة. رأينا كتلة من النار تتدحرج على سفح ذلك التل، ليصمت بعدها صوت ذلك المدفع. فجأة انفجر الجميع ببكاء حار وحزين، حزنا على مصير هؤلاء الجنود المتروكين للموت، وعلى مصير أقاربنا الجنود، الذين استذكرناهم في هذه اللحظة المأساوية.

كانت بعض الدبابات تتقدم في الطريق الترابي عائدة من الجبهة، بينما كانت طائرتان إسرائيليتان تحاولان الإغارة عليها. أصيبت إحدى الطائرتين إصابة مباشرة فقفز الطيار بالمظلة. اختبأنا في حقول القمح نرقب المشهد. ظل الطيار الإسرائيلي الآخر يحوم في سماء المنطقة التي سقط فيها الطيار حتى جاءت حوامة إسرائيلية، وألقت إليه بحبل، ثم قامت بانتشاله لتعود من حيث جاءت. كانت قيادة الجيش قد طلبت من الوحدات العسكرية الانسحاب إلى منطقة نوى (وهي بلدة رئيس الأركان آنذاك أحمد سويدان) للتجمع هناك، ومن ثم شن هجوم معاكس، في حين لم يكن أي جندي إسرائيلي حتى تلك الساعة بل وطوال اليوم الأول لإذاعة بيان السقوط قد وطئت قدمه تراب الجولان، فضدّ من سيكون هذا الهجوم المضاد، ومن له مصلحة في تدمير ما تبقى من القوات السورية بإخراجها إلى أرض مكشوفة للطيران الإسرائيلي؟

حرب 67
تعرف أيضا باسم نكسة حزيران وتسمى كذلك حرب الأيام الستة، وهي الحرب التي نشبت بين إسرائيل وكل من مصر وسوريا والأردن بين 5 يونيو و10 يونيو 1967، وأفضت إلى احتلال إسرائيل كلا من سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والجولان وتعتبر ثالث حرب ضمن الصراع العربي الإسرائيلي


شهادتان وسؤال


يعترف وزير الدفاع الإسرائيلي موشي ديان في مذكرات بأن اللواء جولاني الذي يمثل قوات النخبة في الجيش الإسرائيلي قد واجه مقاومة شرسة من قبل القوات المتركزة في المنطقة الشمالية التي حدث الخرق العسكري الإسرائيلي منها، وأن اثنين من قادة اللواء قد قتلا مما اضطر القيادة الإسرائلية تكليف رقيب بقيادة تلك القوات بسبب مقتل ضباط اللواء نتيجة المعارك الضارية التي خاضتها تلك القوات مع الجيش السوري المدافع عن تلك المنطقة. والسؤال هو بدلا من مسارعة وزير الدفاع آنذاك حافظ الأسد إلى إصدار بيان احتلال القنيطرة وإعطاء الأوامر لوحدات الجيش السوري بالانسحاب قبل أن يتمكن أي جندي إسرائيلي من دخول أرض الجولان: لماذا لم تسارع القيادة العسكرية إلى دعم تلك الوحدات لكي تستمر في صمودها وتمنع الجيش الإسرائيلي من تحقيق أهدافه؟ ولماذا طلب من القوات المنسحبة التوجه إلى منطقة نوى بدلا من التوجه إلى المنطقة، التي بات واضحا أن الإسرائيليين يحاولون اختراق الجبهة من خلالها، إذ يعترف ديان بأن هذا اللواء قام بثلاث محاولات لتحقيق هذا الهدف؟ وأثناء وجودي في سجن صيدنايا التقيت بالضابط بطل معركة تل الفخار الشهيرة والذي سجن في عهد الأسد ثلاث مرات، وقد روى لي وقائع هذه المعركة التي أوقعوا فيها الإسرائيليين في كمين بعد سيطرتهم على الموقع العسكري في ذلك التل، عندما أوقفوا إطلاق النار لإشعارهم بأن الجميع قد قضى في هذه المعركة، التي استمرت نهارا كاملا، الأمر الذي جعل الجنود الإسرائيليين المنهكين يسارعون إلى أخذ استراحة في أحد الملاجئ، وعندما تيقن الضابط وجنوده أن الجنود الإسرائيليين في حالة سكون تسللوا عبر الخنادق باتجاه ذلك الملجأ وقاموا بفتح نار بنادقهم وإلقاء ما لديهم من قنابل يدوية داخل الملجأ، ثم فروا عبر الخنادق يطاردهم الرصاص دون أن يصاب أحد منهم بأذى بسبب معرفتهم بتضاريس المنطقة، وهو ما يتوافق مع اعترافات ديان الذي يقر بأن الإسرائيليين لم يدخلوا القنيطرة إلا بعد ظهر اليوم التالي!

كانت عتمة المساء قد بدأت تزحف، وإذا بنا نشاهد فجأة طائرة سورية قادمة من الشمال باتجاه الجنوب على ارتفاع منخفض جدا، جعل العلم السوري باديا للعيان. تعالت شتائم الجميع، فأين كانت هذه الطائرات طوال الأيام الماضية، ولماذا تركت القوات البرية لقمة سائغة للطيران الإسرائيلي، وأين هم من وعدونا بتحرير فلسطين، بل أين هم من لم يدافعوا عن القنيطرة وأرض الجولان. أسئلة كان يطرحها النازحون وهم يبدؤون تغريبة الشتات التي ستطول كثيرا، وستنتهي بأن يتحول جيش دولة الممانعة ووزير دفاع الهزيمة ومن بعده خليفته إلى محرر للمدن والقرى السورية من أهلها، أو مدمر لها فوق رؤوسهم للبقاء في السلطة.

6