حرب خاسرة للإسلاميين في تونس على الجبهة الحقوقية

الحرب على الإرهاب تأخذ أشكالا متعدّدة عبر جبهات كثيرة، منها الوقاية الأمنية والاجتماعية، وكذلك الجانب التشريعي والحقوقي الذي تسعى القيادات الإسلامية التي تصف نفسها بالوسطيّة لأن تجيّره لصالحها، مع التغافل عن أنّ إيقاف العصابات الإرهابية والتحقيق معها يتمّان أيضا باسم القانون وحماية حقوق الإنسان، مع واجب التصدّي للتجاوزات، ولكن دون جعلها المحور الأساسي، وهذا ما يسعى الإسلاميون للتركيز عليه.
الاثنين 2016/05/16
اختباء مكشوف

دعا أحد المقرّبين من حركة النهضة منذ مدّة، وأثناء سجال تلفزيوني في تونس يتعلّق بكيفيّة تعاطي الدولة مع ملف العائدين من المجنّدين في التنظيمات الإرهابية المسلحة إلى”ضرورة احتضان هؤلاء الشبان الذين أعلنوا توبتهم بعد عودتهم من القتال في صفوف الجماعات الإسلامية في سوريا وتمكينهم من ظروف عيش بديلة كي لا يعودوا إلى أخطائهم ويعلنوا التوبة النصوح بعد أن غرّر بهم من طرف غلاة التديّن” على حدّ تعبيره.

فعلّق على مقترحه أحد المشاركين في النقاش بلهجة لا تخلو من السخرية والغضب في آن معا قائلا “وما رأيك في أن تمكّنهم الدولة أيضا من نظام الإعفاء الضريبي والجمركي الذي يتمتّع به العمّال التونسيون في الخارج عند العودة النهائية إلى البلاد؟ وتدفع لهم المجموعة الوطنية من الخزينة العامة بقروض ميسّرة قصد الانقضاض على أمنها حالما يستردّون عافيتهم؟”.

لا يزال هذا السجال مطروحا بين أغلبية تمثّلها أحزاب سياسية ومؤسسات من المجتمع المدني، وبين جهات تقدّم نفسها في الغالب كجمعيات حقوقية أو شخصيات مستقلّة، لكنها تبدي تعاطفها ـ ولو بشكل مضمر ـ مع الإسلام السياسي الذي تمثله في الحكومة حركة النهضة ذات التوجه الإخواني المعروف.

دعت أصوات كثيرة في المقابل إلى واجب عزلهم في سجون خاصة كي لا تنتقل العدوى إلى بقية المساجين أو فرض الإقامة الجبريّة على العائدين مع المراقبة الأمنية الدائمة، وهو الأمر الذي يثقل كاهل وزارة الداخلية التي ستضطرّ وقتها إلى توظيف ما يعادل ربع قوات الأمن كما قال ناطق باسم إحدى وحداتها المختصّة في تصريح له «هناك الآلاف من التونسيين يقاتلون مع داعش، ولو وضع شخص واحد تحت الإقامة الجبرية طوال 24 ساعة فيتعين تجنيد العديد من العناصر الأمنية لتأمين ذلك، ولو وضعنا ألف إرهابي فقط تحت الإقامة الجبرية فإننا سنحتاج إلى الآلاف من العناصر الأمنية للمراقبة».

وتشير إحصائيات متباينة إلى أنّ ما يزيد عن 6000 تونسي تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاما يقاتلون في صفوف الجماعات التكفيرية المسلحة في ليبيا وسوريا والعراق، وفق تقرير نشره خبراء في الأمم المتحدة في يوليو الماضي إثر زيارة إلى تونس، لكنّ أنباء تتحدّث عن أرقام أكثر من ذلك بكثير.

أمّا الرأي القائل بضرورة دمجهم فيتزعّمه رئيس حركة النهضة بوصفه صاحب ثاني قوّة في البرلمان بعيد الانتخابات وكان الغنوشي قد سخّر لمقترحه الذي أسماه “فتح باب التوبة والحوار” كل التبريرات والذرائع الأخلاقية والحقوقية اللازمة لمحاولة الإقناع، مدعّما كل ذلك باستحضاره للتجربة الجزائرية كوسيلة إضافية للإقناع.

سياسيون علمانيون يدعون إلى حظر النقاب في الأماكن العامة الأمر الذي يتمسّك به الإسلاميون من باب الحرية الشخصية، متغافلين عن أنّ المتشددين يستخدمونه في الإفلات من الشرطة

وقال قيادي في حزب علماني في معرض تعليقه على هذا المقترح “إنّه تجاهل لخصوصية كل حالة وظرفها وملابساتها وطريقة مقنّعة للدفاع عن هؤلاء الذين سمّاهم في الأمس القريب بأبنائنا، وقال عنهم أحد قياديي حزبه حين حذّرنا من بداية تجمّعاتهم وتحركاتهم في جبال الشعانبي بأنهم يمارسون الرياضة لا أكثر ولا أقل”.

استمرّ السجال التونسي حول التعامل مع ملف الإرهاب عند نقطة كيفية التعامل مع الفلول العائدة كقنابل غير متفجّرة أو معطّلة الصاعق، “فهم جماعة غير موثوق بها كما أكّدت تجارب عديدة داخل تونس وخارجها” كما قال أحد الخبراء في الجماعات الإسلامية.

وحاول محامون عرفوا بدفاعهم عن موقوفين متهمين بجرائم تورّط أو اشتباه التركيز على المسألة الحقوقية وما يثيره ذلك عموما من إعادة اختبار للديمقراطية الوليدة في حربها على الجماعات الإجرامية المسلّحة، على ضوء تقارير كانت قد أشارت من هنا وهناك إلى انتهاكات داخل مراكز التوقيف، واعترفت بها الحكومة التونسية، لكنها وفي أبريل الماضي قامت بتشكيل لجنة مستقلة لمنع التعذيب في مبادرة أشادت بها الأمم المتحدة.

وقال عمر منصور وزير العدل الأسبوع الماضي عند زيارته لسجن للنساء “إنّ الكثير من المحتجزات فيه قد ألقي القبض عليهن بتهم تتصل بالإرهاب وشكون من تعرضهن للضرب، لكنها ليست ممارسات ممنهجة ولا استراتيجية. هناك حالات فردية، ونحن نعمل مع منظمات المجتمع المدني لوقف مثل هذه الممارسات” وأضاف “كيف يمكن محاربة مجموعات إرهابية تبحث عن الموت؟ وماذا يمكنك فعله إزاء احترام حقوق الإنسان؟ حين نعتقل أحدا فإننا نتعامل معه وفقا لمبادئ حقوق الإنسان واحتراما لها أيضا”.

ويقول نشطاء إنّ من شأن الانتهاكات الأمنية -حتى إن كانت حالات معزولة- أن تعزّز من الدعاية للجماعات التكفيرية، لا سيما أن تونس لا تزال تكابد للحد من البطالة بين الشباب والتغلّب على الأزمة الاقتصادية التي كانت من أسباب ثورة 2011.

وفي نفس الوقت، يدعو سياسيون علمانيون مثل وليد جلاد إلى حظر النقاب في الأماكن العامة والذي يتمسّك به الإسلاميون من باب الحرية الشخصية، متغافلين عن أنّ المتشددين يستخدمونه في الإفلات من الشرطة.

وقال جلاد “لا يمكن لأحد أن يفكر بأن التونسيين سيفرّطون في الحقوق والحريات التي حصلوا عليها بعد الثورة, لكنّنا في فترة حساسة ومرحلة دقيقة في الحرب على الإرهاب، ويجب استعمال كل ما يجب استعماله لنربح الحرب”.

13