حرب داعش الدعائية: التكنولوجيا الفائقة في خدمة "الجهاد"

السبت 2014/10/11
تقنيات داعش الدعائية مستوحاة من الأفلام وألعاب الفيديو

لندن - تقنيات داعش الدعائية اليوم مستوحاة من الأفلام وألعاب الفيديو والقنوات الإخبارية لنشر رسالتها. من هو العقل المدبر وراء هذه العملية وما هي أفضل طريقة للتصدي لها؟

تستخدم الدولة الإسلامية اليوم وسائل الإعلام الغربية وتقنياتها، تماما كما كانت تستخدم أسلحة الجنود الأميركيين الذين تقبض عليهم في العراق ضدّ القوات الأميركية وحلفائها.

لقد أثبتت داعش خبرتها في استعمال وسائل على غرار يوتيوب، تويتر، انستغرام، تمبلر، وغيرها من وسائل الاتصال الاجتماعية.

كما يقوم جنودها يوميا بتحميل أشرطة فيديو هاوية وصور يتمّ تحليلها بإمعان على الصعيد العالمي، سواء من قبل المستخدمين العاديين أو المنظمات الإخبارية الرئيسية المتعطشة لصور عن صراع تبقى كاميراتها عاجزة عن الوصول إليه.

من الأمثلة الأخيرة، فيديو تجنيد يتألف من لقطات تم تحريرها من لعبة "سرقة السيارات الكبرى" الأميركية. وورد في الفيديو المنشور على يوتيوب: "ما نفعله في ساحات القتال هو مطابق للألعاب التي تنتجونها!!". تتسم الحالة الجيوسياسية الراهنة في الشرق الأوسط بكآبة مألوفة، ولكن التطور الإعلامي لداعش هو عامل جديد.

لكنّ لانخراط داعش في وسائل الإعلام العالمية هدفين رئيسيين: استفزاز الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، والتجنيد من خارج الشرق الأوسط. ويبدو أنها نجحت في تحقيق الهدفين.

فقد ساهمت فيديوهات عمليات إعدام الصحفيين الأميركيين جيمس فولي وستيفن سوتلوف، والعاملين في مجال المعونة ديفيد هينيس، وآلان هينينج، في إعادة القوى الغربية إلى القتال في المنطقة.

وفي غضون ذلك، شهدت تلك البلدان نفسها مغادرة مواطنيها للانضمام إلى داعش. وكما ظهر في أشرطة الفيديو، فقد تمّ إجبار فولي، سوتلوف وغيرهما من الرهائن على إدانة الحكومة الأميركية ووصفها "بالتراخي والإجرام" وتحذيرها بعدم التدخل.

لنا أن ندرك المدى الكامل لطموحات داعش الإعلامية من خلال منتوجها الجديد "الحياة ميديا سنتر"، التي تستهدف أساسا غير الناطقين بالعربية، لا سيما المشاهدين الأصغر سنا.

طريقة إخراج "الحياة ميديا سنتر" أقرب إلى معايير البث العام من أي شيء قد أنتجه التطرف الإسلامي إلى اليوم، فهو لا يختلف كثيرا عمّا تقدمه قناة الجزيرة. كما يقدّم برامج بعدة لغات – بصفة خاصة الألمانية والإنكليزية والفرنسية وبصيغ متعددة، من البرامج التي تدوم دقيقة واحدة، إلى البرامج المرتبطة بتويتر، مرورا بالأفلام الوثائقية التي تدوم ساعة كاملة، على غرار "لهيب الحرب"، التي أُعلن عنها على طريقة أفلام هوليوود.

جين جاريكي: "لماذا لا تنتج الولايات المتحدة فيديو تعترف فيه بأخطائها وبالحاجة إلى عالم يقوده إحساس أعمق بمطالب القرية العالمية"


لهيب حرب داعش


هناك نوع أبشع من الدعاية أيضا. إذ يسرد الوثائقي "لهيب الحرب" (55 د.) أسطورة بطولة داعش من خلال تسجيلات رهيبة وسرد مثير ومستمر.

يركّز الفيلم على أحداث عسكريّة مفصليّة خاضها التنظيم، بدءا من احتلال مطار منغ العسكري في شمال سوريا، مرورا بمعاركه مع الأحزاب الكرديّة، وصولا إلى إعدام جنود سوريين من "الفرقة 17"، تم إجبارهم على حفر قبورهم، قبل قتلهم فوقها. ورغم تركيز الفيلم على هذه الوقائع، إلا أنّها لا تشكّل محتواه الأساسي، بل تظهر كهيكل عام يحمل الرسائل المطلوب إيصالها.

يبدو الفيلم أقرب إلى الوثائقي، حيث يعتمد أساسا على صوت الراوي الذي يتحدث الإنكليزيّة بطلاقة، ترافقها ترجمة عربية أسفل الشاشة، بما يوحي أن الفيلم موجه أساسا إلى الغرب. يعزّز هذا الاستنتاج خلوّ الشريط من أي مشهد دموي، إلى جانب "الأناشيد الجهادية" الموظّفة على شكل الموسيقى التصويرية.

يظهر ضمن الفيلم "خط درامي" موازٍ لخطّ المعارك، يقوم على تفصيل الهرمية التنظيمية الداعشية وشرحها. نجد على رأس القائمة "الاستشهاديين"، وبعدهم "صيادي المدرعات" رماة الـ"آر بي جي"، ثمّ "الاقتحاميين"، للإيحاء بوجود تراتبية عالية الدقة ضمن التنظيم، جديرة بالجيوش الكبيرة، رغم أنّها تعتمد حرب العصابات. ولإبراز المزيد من إمكانيّات التنظيم العسكريّة، يبيّن الشريط استخدامه شتى أنواع الأسلحة بما فيها المدفعية الثقيلة والدبابات.

يعتمد الفيلم في مشاهد عدّة على تقنية تبطيء الحركة slow motion، والتي من المعروف أنها لا تنجح إلا في حال اعتماد التصوير على كاميرات متطوّرة عالية الدقّة، لتؤمن عدد الإطارات الكافي لإبطاء الحركة، إلى جانب عرض "غرافكس" لخرائط وصور تحوي عدّة معلومات وبيانات، والإكثار من المؤثرات الخاصّة. ذلك ما جعل الصحف البريطانيّة والأميركيّة تفرد مقالات عدّة للتعليق على الحرفيّة التقنية العالية للعمل، والتحذير من الاستراتيجيّة الإعلاميّة المتقنة والمدروسة لدى "داعش".

يبدأ الفيلم بالتذكير بحرب جورج بوش الابن على العراق، بنبرة التشفي، ثمّ يستعرض إعلان باراك أوباما بدء المعارك ضدّ التنظيم. وكما بدأ "لهيب الحرب" بالسخرية من الرئيسين الأميركيين السابق والحالي، ينتهي بقول موجه إلى الولايات المتحدة: "حرب الوكالة لن تغني عنك في الشام، كما لم تغنِ عنك في العراق، وعما قريب ستكونين في المعركة المباشرة مرغمة". قد تلخّص هذه العبارة المضمون الأساسي للفيلم، بوصفه دعوة لأميركا للدخول المباشر في المعركة، وهي الدعوة التي كانت تنتظرها، لتقديمها كحجّة لحربها الجديدة أمام الرأي العام الأميركي.

منذ إطلاق الفيديو الترويجي له، وصولا إلى إطلاقه كاملا على يوتيوب، حظي فيلم "لهيب الحرب" باهتمام الإعلام الغربي. إلا أن قلة من المحللين يمتلكون منطقا مقنعا في الطرح.

استنساخ أميركي

من الصعب تحديد النمط المرئي الذي تعتمده داعش. إذ تذكّر طريقة تصوير أفلامها وفيديوهاتها بأفلام الرعب الأميركية أو بالأشرطة التاريخية الرخيصة التي تعرض على القنوات الوثائقية، وفي بعض الأحيان، بأفلام الحرب الحائزة على جوائز أوسكار. ولكن الخبراء يرفضون الإقرار بأن داعش قد تكون طورت طرازا بصريا خاصا بها.

ليس من المستغرب أن يبقى الأفراد الذين يقفون خلف إنتاج برامج "الحياة ميديا سنتر" مجهولي الهوية.

داعش تستخدم وسائل التكنولوجيا الحديثة لإبراز إمكانيّاتها العسكريّة

ودعونا لا ننسى أنّنا نتحدث هنا عن حملة دعائية. لذلك فإنّ هذه الأفلام لا تشمل مشاهد اختطاف واغتصاب، واضطهاد وتدمير مساجد، وقطع رؤوس، وجلد نساء لعدم ارتدائهن الحجاب وغيرها من الفظائع التي تنفذها داعش. وبالكاد تظهر المرأة. ويبقى السؤال القائم هو: ما الذي يمكن عمله للتصدي لذلك؟

نجح منهج فرانك كابرا ضد دولة مثل ألمانيا النازية. ولكن من الواضح أنه لن يحقق أي تقدم يُذكر في هذه المعركة ضد عدوّ إعلامي لا شكل ولا هوية له. وكانت وزارة الخارجية الأميركية قد حاولت القيام بذلك بالفعل. فموقع تويتر التابع لها "فكّر مرة أخرى، لا تذهب" يشمل رابطا نحو كل الأخبار المتعلقة بداعش، كما ينشر أحيانا مقاطع الفيديو.

الشهر الماضي، تمّ توظيف فيديو ساخر عن الأنشطة الجهادية: "الصلب وإعدام المسلمين… التفجيرات الانتحارية داخل المساجد! السفر غير مكلف… لأنك لن تحتاج إلى تذكرة عودة!".

وهذه الأنشطة المدرجة بالكاد تختلف عن تلك الموجودة في الدعاية الخاصة بداعش نفسها. كما هو متوقع، سخر أنصار داعش من فيديوهات موقع "فكّر مرة أخرى، لا تذهب". وأصبح الوضع برمته عبارة عن لعبة مرايا.

تلقي دعاية داعش بعض الضوء على إنتاجات الولايات المتحدة الأميركية في هذا المجال، كما يُصرّح منتج الأفلام الوثائقية الأميركية أوجين جاريكي: "لسنا فقط رياديين في إنتاج القيم، نحن أيضا رياديون في تقديم مضمون بشع لا أخلاقي ومفسد للعالم".

وأضاف "إذا كنا نشاهد اليوم الصعود السريع لداعش، فذلك يعود كذلك إلى هوسنا بالفساد". أوجين جاريكي هو أيضا ناقد معروف للسياسة الأميركية لا يشعر أن داعش تستحق الثناء على صناعة الأفلام.

كما يقارن أوجين جاريكي بين تاريخ السيادة العسكرية وتاريخ السيادة الإعلامية. في الماضي، كانت الكاميرات الكبيرة باهظة الثمن ومتاحة فقط لاستوديوهات السينما والتلفزيون. وقد أصبحت اليوم رخيصة ومتاحة للناس العاديين الذين سيطروا بذلك على وسائل الإعلام.

وقد تزامن هذا التحول، حسب أوجين جاريكي، مع حروب الخليج. قامت شبكة "سي أن أن" الإخبارية الأميركية بنقل الحرب الأولى وحدها تقريبا. ثمّ قدمت قناة الجزيرة وجهة نظر بديلة (وتمّ قصفها "بطريق الخطأ" من قبل القوات الأميركية نتيجة لذلك).

لكن التطور الرئيسي جاء مع شريط إعدام صدام حسين (المسجل عن طريق الهاتف المحمول) والذي نقلته جميع وسائل إعلام العالم. وأضاف "بدلا من الانتقال السلمي للسلطة، سعت الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها إلى التواصل، وأظهر الفيديو مشهد موت صدام فعلا على يد قطّاع الطرق".

ويقول أوجين جاريكي "فضح ذلك الفوضى العارمة للوضع، استعارة بصرية مثالية لفضح الفوضى في كنف الحرب التي قد بدأت". الآن في عصر يوتيوب وتويتر والهواتف الذكية، والكاميرات الرخيصة والبرامج الإلكترونية، لم تعد القوى الكبرى تتحكم في المعلومات.

ومن المفارقات العجيبة أن المستفيدين من هذا الإعلام هي الحركات الدينية من العصور الوسطى العازمة على القضاء على الديمقراطية من على وجه الأرض.

يمكن أن تكون داعش بصدد خسارة الحرب الدعائية فقد تمّ التنديد بالإعدام الأخير لآلان هينينج بصفة خاصة في العالم أجمع


سيادة عسكرية وإعلامية


بالنسبة إلى أوجين جاريكي، السؤال هو من تكون داعش حقا، إذ يقول: "يتغير اختصار اسمها يوميا ونحن لا نعرف إذا كان يتمّ إنتاج مقاطع الفيديو هذه بالفعل لاستفزاز القوى العظمى وحلفائها في الحرب أو إذا كانت داعش لاعبا صوريا يخفي العناصر الفاعلة الرئيسية، وحتى دولا.

يجب أن نسأل أنفسنا عن نوع الأخلاقيات التي خلقناها في الغرب. ما هي طبيعة العزلة التي خلقناها من المجتمع ومن الحياة البشرية ككلّ؟ كيف استطعنا تعليم أطفالنا أن يتجاهلوا قيمة الحياة؟ وكيف أن وحشية وهمجية النظام الذي طورناه قد أدى إلى هذه العلاقات مع الصور والخيالات؟ إنني أتحدى أن ننظر إلى الجلاد المقنع كما لو كنا ننظر في المرآة”.

ويضيف أوجين جاريكي "لماذا لا تنتج الولايات المتحدة الأميركية فيديو تعترف فيه بالفعل بأخطائها وتعترف كذلك بالحاجة إلى عالم يقوده إحساس أعمق بمطالب كوكب أصبح أكثر من أي وقت مضى قرية عالمية، الوحشية داخل هذه القرية العالمية، ترجمة لفشل كبير؟

وأضاف “ينبغي أن نرد على هذا لا مع القنابل ولكن مع المدارس، لا مع سفن حربية ولكن بمساعدة القضاء على الإيبولا ولا مع المزيد من الرعب ولكن مع تقليص الفظائع.هذا هو الفيديو الذي أودّ رؤيته”.

يمكن أن تكون داعش بصدد خسارة الحرب الدعائية من تلقاء نفسها. فقد تمّ التنديد بالإعدام الأخير لآلان هينينج بصفة خاصة في العالم أجمع. وقد برزت فيديوهات النداءات بإطلاق سراح هينينج، من زوجته وزعماء المسلمين في بريطانيا، في تناقض واضح مع لهجة داعش نفسها. فقد كانت فيديوهات النداءات هادئة، عقلانية، شخصية وحساسة وخالية تماما من أساليب الخداع البصري.

وقد قالت زوجته باربارا هينينج في الفيديو "آلان هو عامل متطوع مع أصدقائه المسلمين لمساعدة شعب سوريا. كان في المكان المناسب يفعل الشيء الصحيح".

إلا أن داعش بادرت بقتله على أي حال، عشية عيد الأضحى، مبرزة بذلك نفسها كمنظمة لا إنسانية ولا إسلامية. على مستوى الدعاية المحضة، كان ذلك خطأ فادحا من قبل داعش. الآن، وباستحواذ داعش على اهتمام العالم بأسره، فإنها بالتأكيد لن تتحمل هذا الفحص والتمعن المستمرين.

18