حرب داعش في العراق تشارف على النهاية مخلفة إشكالات مستعصية

تنظيم داعش على وشك أن يفقد مدينة الموصل، آخر معقل كبير له داخل الأراضي العراقية، دون أن يفقد بشكل كامل إمكانية تغيير جلده ومواصلة التحرّك في البلد على أرضية المشاكل الكثيرة التي ستخلّفها الحرب الدائرة حاليا من توتر طائفي وفقر مدقع وصراعات سياسية.
الجمعة 2017/05/05
ماذا بعد الموصل

الموصل (العراق) - قطعت القوات العراقية المنخرطة في قتال تنظيم داعش بمدينة الموصل مركز محافظة نينوى بشمال العراق، الخميس، خطوة جديدة باتجاه استكمال استعادة الجانب الغربي من المدينة، الأمر الذي سيعني عمليا الاقتراب من حسم الحرب الجارية في البلد منذ سنة 2014، دون أن يعني في المقابل دخول العراق بشكل آلي في مرحلة أمن واستقرار، حيث سيكون على العراقيين معالجة الآثار البالغة لتلك الحرب على مختلف الصعد الأمنية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وفتحت القوات العراقية فجر الخميس جبهة جديدة شمال غرب الموصل، مضيّقة بذلك الخناق على عناصر داعش داخل الأحياء القديمة بوسط المدينة، حيث يتحصّنون مستخدمين عددا كبيرا من المدنيين دروعا بشرية.

وبانتزاع مدينة الموصل من سيطرة داعش يفقد التنظيم آخر معقل كبير له في العراق الذي كان قد سيطر قبل نحو ثلاث سنوات على أربعين بالمئة من مساحته، ولن تبقى له بعد الموصل سوى جيوب صغيرة محاصرة ومعزولة عن الإمداد في كلّ من قضاء الشرقاط بمحافظة صلاح الدين، والحويجة في كركوك، وقضاء تلعفر بنينوى، ومناطق عنّة ورواة والقائم بالأنبار.

ويُجمع المختصون في الشؤون العسكرية والأمنية على أنّ انتزاع الأراضي من داعش لن تنهيه بشكل كامل وأنّه يمتلك من المرونة، ما يتيح له التحوّل إلى حرب العصابات والتركيز على زعزعة الأمن في أغلب المدن والمناطق باستخدام الاقتحامات الخاطفة والتفجيرات الانتحارية، ما سيدخل البلد في حرب أمنية مرهقة قد تستمر لسنوات قادمة.

ولا يمتلك داعش المقدرات المادية والبشرية فقط لمواصلة الحرب في العراق، لكنه يستند أيضا إلى أرضية من الشحن الطائفي الذي أذكته سنوات الحرب.

ويخشى العراقيون من أنّ مجتمعهم غدا سيكون ممزّقا عرقيا وطائفيا أكثر من أي وقت مضى خصوصا بعد الدور الكبير الذي لعبته قوى طائفية في الحرب.

وشاركت في المواجهة ضدّ تنظيم داعش العشرات من الميليشيات الشيعية المدعومة من قبل إيران، ومارست تجاوزات خطرة بحق أهالي المناطق التي دارت فيها الحرب وغالبيتهم الساحقة من المكوّن السنّي الذي وجدت شرائح واسعة من أبنائه نفسها في موضع اتهام باحتضان تنظيم داعش والتعاون معه.

وطال المناطق السنية في العراق دمار كبير في البنى التحتية، وتحولت أعداد كبيرة من سكانها إلى نازحين. ولن تكون عملية إعادة الإعمار أمرا هيّنا في ظل المصاعب الاقتصادية والمالية الكبيرة التي يواجهها العراق، الأمر الذي يعني غرق تلك المناطق في فقر مدقع لفترات طويلة.

وفي إقليم كردستان العراق برزت بشكل غير مسبوق النزعة الاستقلالية لأكراد البلد الذين شاركوا بدورهم في الحرب ضدّ داعش وبرزت قواتهم العسكرية المعروفة باسم البيشمركة كنواة صلبة لجيش دولة مستقلة. وتصرّ القيادة السياسية للإقليم على تنظيم الاستفتاء على الاستقلال قبل نهاية العام الجاري.

مرحلة الخروج من الحرب تتطلب ترتيبات شجاعة لا يمكن إنجازها بيد الطبقة السياسية المتصدرة للمشهد في الوقت الحالي

وسجّلت معركة الموصل، الخميس، تطورا نوعيا تمثّل بمباغتة القوات العراقية لمقاتلي تنظيم داعش من المحور الشمالي، بعد أن كان القتال مركّزا بشكل كبير على المحور الجنوبي.

وأعلن العميد يحيى رسول المتحدث باسم قيادة العمليات المشتركة في تصريح صحافي عن انطلاق “العمليات باتجاه المناطق الشمالية للجانب الغربي لمدينة الموصل”.

وأضاف “التقدم كبير لقوات الفرقة المدرعة التاسعة كما هناك مشاركة للطيران العراقي وضربات موفقة لطائرات القوة الجوية استهدفت مقرات قيادة وسيطرة وتجمعات قتل فيها العشرات من التنظيم الإرهابي”.

وأشار رسول إلى أن “الساعات القادمة فيها انتصارات ستكون بها بشرى نزفّها للشعب العراقي”. ويأتي فتح الجبهة الجديدة بعد أن تباطأت العمليات من المحور الجنوبي لدى بلوغها المدينة القديمة التي تضم شوارع ضيقة جدا ومباني متلاصقة لا يمكن للآليات العسكرية المرور عبرها.

وتخوض القوات العراقية معارك شرسة في غرب الموصل، حيث يرجح وجود بضع مئات من عناصر داعش، فيما لا يزال مئات الآلاف من المدنيين محاصرين في هذا الجانب من المدينة.

وكشف وزير الهجرة والمهجّرين جاسم محمد الجاف الإثنين أن أعداد النازحين بلغت 600 ألف منذ انطلاق عمليات “تحرير نينوى”، وقد عاد 133 ألفا منهم إلى مناطقهم بعد انسحاب داعش منها.

وقال الوزير في بيان “إن العدد المتبقي من النازحين في المخيمات منذ انطلاق عمليات تحرير نينوى وصل إلى 467 ألف نازح، بينهم 425 ألفا نزحوا منذ بدء عمليات تحرير الجانب الغربي من الموصل”، مشيرا إلى أن 42 ألف نازح فقط لم يعودوا إلى منازلهم في الشطر الشرقي.

ويعد الجانب الغربي أصغر مساحة من الجانب الشرقي من الموصل لكنه أكثر اكتظاظا بالسكان. ومن شأن استعادة الأحياء الشمالية تضييق الخناق بشكل كبير على داعش في المنطقة القديمة، وستجعل المنطقة بحكم الساقطة عسكريا.

ومع تزايد الضغوط عليهم، يحاول مقاتلو تنظيم داعش تحويل الأنظار عن الموصل وشن هجمات متكررة على القوات العراقية المرابطة في محافظة الأنبار.

وخلال الأسبوع الجاري شن التنظيم، الذي لا يزال يسيطر على أقلّ من سبعة في المئة من مساحة العراق، ثلاث هجمات على قوات الجيش وحرس الحدود أسفرت عن مقتل 26 فردا على الأقل قرب الرطبة التي كانت تحت سيطرة داعش وتمت استعادتها مطلع العام الماضي.

وبحسب متابعين للشأن العراقي، فإن عملية الخروج من حرب داعش، لن تقلّ تعقيدا عن خوضها وستتطلّب، إضافة إلى الجهود الأمنية والاقتصادية، ترتيبات سياسية شجاعة وإصلاحات جوهرية تطال أسس العملية السياسية القائمة على المحاصصة، وهو ما يبدو متاحا في ظلّ وجود طبقة سياسية تمثّل الطائفية رأسمالها الأول والسبب الرئيس لوجودها في المشهد.

3