حرب في القوقاز مزدحمة بالأطراف إلا الولايات المتحدة

الإدارة الأميركية لن تستطيع تجاهل نزاع قره باغ طويلا بسبب مصالحها في المنطقة.
الاثنين 2020/10/26
الدبلوماسية أولى الأدوات للحفاظ على المصالح الخارجية

لم تظهر الولايات المتحدة حتى الآن شراستها الدبلوماسية أو حتى العسكرية في الصراع المحتدم بين أرمينيا وأذربيجان في إقليم ناغورني قره باغ، وما قد لا يدركه المسؤولون الأميركيون هو أنه بالإضافة إلى الخسائر الفادحة في المنطقة، فإن مصالح الولايات المتحدة معرضة للخطر بما في ذلك موارد الطاقة واستقرار جنوب القوقاز، مما دفع بعض المراقبين إلى إثارة الجدل حول تقاعس إدارة الرئيس دونالد ترامب في هذه القضية، والذي يبدو أنه غير مبرر وذلك بصرف النظر عن كون الجميع منشغلين بالانتخابات الرئاسية هذه الفترة.

واشنطن – يستضيف جنوب القوقاز، الذي يشهد نزاعا منذ أسابيع بين أرمينيا وأذربيجان في إقليم ناغورني قره باغ، البنية التحتية الحيوية للطاقة والنقل، وتعتبر خطوط أنابيب الغاز والنفط، التي تنقل طاقة بحر قزوين إلى أوروبا عبر جورجيا وتركيا أساسية لتقليل الاعتماد الأوروبي على الطاقة الروسية.

ولقد لعب خط سكة حديد باكو-تبيليسي-كارس دورا مهما في إرسال إمدادات حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى أفغانستان، ولكن فقدان أو تلف هذه البنية التحتية الحيوية سيؤدي إلى الإضرار بمصالح الولايات المتحدة.

وتجدد الأعمال العدائية لن يضر فقط بالأطراف المتحاربة، وكلاهما ساهم بقوات في الجهود الأميركية في أفغانستان، ولكن أيضا جورجيا، الحليف الوثيق للولايات المتحدة، والتي ترتبط ثرواتها ارتباطا وثيقا بالاستقرار الإقليمي.

وقد تتكشف السيناريوهات الأخرى، التي يحتمل أن تكون أكثر إثارة للقلق أيضا إذا تصاعد الصراع أكثر، فمن المرجح أن يدعو روسيا إلى المشاركة العسكرية ويمكن أن تكون لها آثار مضاعفة على المنطقة الأوسع.

وحتى الآن، امتنعت روسيا التي تتمتع بوجود عسكري كبير واتفاقية عسكرية ملزمة مع أرمينيا، عن التورط في الصراع بشكل مباشر، وبدلا من ذلك دعت مرتين إلى وقف إطلاق النار، على الرغم من فشل كلتا المحاولتين على الفور تقريبا.

وفي خضم ما يحدث منذ أواخر سبتمبر الماضي، من اشتباكات دموية بين أرمينيا وأذربيجان، بما في ذلك التشكيلات المدرعة والقوات والمدفعية والطائرات المسلحة دون طيار، مما أدى إلى سقوط المئات من الضحايا، ظهرت تركيا بقوة على خط الأزمة، الأمر الذي يدعو إلى التساؤل حول غياب واشنطن كأحد الأطراف في حرب القوقاز.

دور أميركي محدود

منطقة نزاع حيوية
منطقة نزاع حيوية

تقلصت الآمال في وقف إراقة الدماء المستمرة منذ نحو شهر في إقليم ناغورني قره باغ الانفصالي بتجدد الاشتباكات بين قوات أذربيجان وقوات الأرمن العرقيين عشية محادثات مقررة في الولايات المتحدة، فيما فشلت مساع روسية في فرض هدنة إنسانية تبادل الطرفان الاتهامات بخرقها.

وجاءت التقارير عن الاجتماعات المخطط لها بين وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ونظرائه الأرمن والأذريين الجمعة الماضي على خلفية تغيير نبرة الحكومة الأميركية مع حليفتها الشرعية تركيا، التي تخوض مغامرات في الشرق الأوسط الكبير. ومع ذلك، ولأسباب عديدة، يبقى تأثير الولايات المتحدة على الرئيس رجب طيب أردوغان محدودا.

ويرى إدوارد جي ستافورد، وهو أكاديمي عمل في أقسام تابعة للشؤون الخارجية الأميركية ومتخصص بالشأن التركي، في مقال نشره موقع “أحوال تركية” أن اقتراب موعد الانتخابات الأميركية يزيد من تقليل نفوذ الولايات المتحدة على الطرفين المتحاربين في إقليم قره باغ الانفصالي.

ويعتقد ستافورد أن الولايات المتحدة كان يمكن أن تقدم خدماتها كوسيط نزيه، إلا أن هذا لن يكون مفيدا إلا إذا كان طرفا النزاع والأطراف الثالثة تسعى إلى حل تفاوضي. وحتى الآن، لا يوجد دليل على مثل هذا الالتزام بالتسوية.

إدوارد جي ستافورد: نفوذ واشنطن ضئيل والتصعيد في قره باغ سيتحمله أردوغان
إدوارد جي ستافورد: نفوذ واشنطن ضئيل والتصعيد في قره باغ سيتحمله أردوغان

ولم تُظهر الأطراف الرئيسية التي تقاتل بعضها البعض في جنوب القوقاز التزاما بوقف إطلاق النار الذي وافقت عليه تحت ضغط من الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا، وهم الرؤساء المشاركون لمجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

ولا يهم من الأكثر انتهاكا لوقف إطلاق النار في إنهاء الأعمال العدائية، لأن كلا الجانبين يتمسك بمطالب لا يمكن تحقيقها معا والأهم من ذلك، يعتقد كل طرف أن بإمكانه الاعتماد على أطراف ثالثة من ذلك تركيا بالنسبة لأذربيجان وشتات الأرمن بالنسبة لأرمينيا لدعمه ضد عدوه القوقازي.

بالإضافة إلى ذلك، تبقى روسيا الأقرب، من بين الرؤساء المشاركين لمجموعة مينسك الذين يسعون إلى فرض وقف إطلاق النار والمفاوضات اللاحقة، لاستخدام قوتها العسكرية أو التهديد بها لحث الطرفين على الالتزام بوقف إطلاق النار والتفاوض.

وحتى الآن، أظهر أردوغان أنه لا يفكر في استخدام نفوذه مع نظيره الأذري الرئيس إلهام علييف، لوقف القتال ووضع حد لقتل المدنيين الأبرياء من كلا الجانبين.

وتزود تركيا أذربيجان بمعدات عسكرية متطورة مثل الطائرات دون طيار، مما يمنح جيشها ميزة في ميدان المعركة على القوات الأرمنية في قره باغ والأراضي المجاورة لها فهي تقلل من قدرة قوات العدو على إخفاء مواقعها وتحركاتها. وحتى لو لم تكن تحمل صواريخ أو قنابل، تعطي ميزة كبيرة للجنود في الوقت الحقيقي.

وتجد أذربيجان في الدعم التركي والتلكؤ الغربي المدفوع بحسابات جيوسياسية فرصة مواتية لفرض خياراتها في تسوية الأزمة. وقبل أسبوعين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن لدى بلاده معلومات استخباراتية مؤكدة حول إرسال أنقرة لمرتزقة سوريين إلى قره باغ للقتال في صفوف أذربيجان.

ويكمن الأمر الأكثر إثارة للقلق في احتمال أن تجذب الأحداث مشاركين آخرين، فكما حدث في سوريا، يمكن أن تطيل الأطراف الثالثة المتنافسة التي تقدم مساعدات سرية أو علنية مع القليل من الاهتمام بالمدنيين مدة الصراع لسنوات.

ولا يوجد ما يشير إلى أن الدول المجاورة مهتمة بالانضمام إلى الصراع حتى الآن، على الرغم من انتشار تقارير تبدو موثوقة وتفيد بنشر مقاتلين سوريين متحالفين مع تركيا أو مقاتلين أجانب آخرين يدعمون أذربيجان.

وزودت روسيا كلا من أرمينيا وأذربيجان بالأسلحة، ويوجد عدد كبير من العسكريين وأفراد الأمن الروس في أرمينيا، على الرغم من أن وجودهم في قرة باغ يبقى ضئيلا إن وجد.

وإذا كان تاريخ سوريا الحديث عبرة، فيجب أن ندرك احتمال تغير هذا الوضع بسرعة. يمكن للمرء أن يتخيل تركيا وروسيا وإيران وربما الدول العربية وهي تقدم مساعدة كبيرة دون الاعتراف بذلك.

ساحة مفتوحة

Thumbnail

يقول ستافورد إنه بالنظر إلى نزعة أردوغان المتزايدة لتصوير نفسه زعيما للمسلمين المضطهدين، الذين ينتفضون ضد الإسلاموفوبيا الغربية، يجب أن يكون المرء مستعدا ليحول هذا الصراع إلى “نحن” ضدّ “هُم”، أي المسلمون مقابل البقية أو الغرب.

ولسوء الحظ، يبقى الكثيرون في الغرب على استعداد لرؤية أي صراع يشمل المسلمين وغير المسلمين على أنه بين حضارات أو ثقافات بدلا من مصالح وطنية إقليمية أو مادية، ما يجعل القوقاز ساحة مفتوحة لمثل هذه الصراعات الدينية.

وإذا اتبع الرئيس التركي هذا الطريق، فإنه يخاطر بعزل تركيا إقليميا ودوليا بشكل أكثر مما هو عليه اليوم، والمجموعات المسلمة الأصغر التي لا ترغب في أن تحدد أنقرة مصيرها القومي مثلما فعلت الإمبراطورية العثمانية من قبلها لعدة قرون.

وسيكون ما سيقوله الأذريون في إيران، الذين يشكلون 25 في المئة من عدد السكان، حول هذا الأمر على الأرجح مدفوعا بالنزعة القومية والعرقية، وليس الدينية.

كما حدث في سوريا يمكن أن تطيل الأطراف التي تقدم مساعدات سرية أو علنية مع عدم الاهتمام بالمدنيين مدة الصراع

ويضع كل هذا الوضع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام معضلة صعبة تتعلق بفرضيات استخدام العقوبات المالية لإجبار أردوغان على التخلي عن مغامراته في جنوب القوقاز وشمال أفريقيا وشرق البحر المتوسط، أو تطبيق حظر على تحركات مسؤولين أتراك.

ومرة أخرى، تبدو مناورات أردوغان دون رادع، فحتى لو عكس مساره، فسيكون ذلك بعد نجاحه في إرسال رسالة إلى مؤيديه وآخرين مفادها أنه لا ينبغي مواجهته، وأن الغرب وجيران تركيا يرقصون على لحنه، وليس على أنغامهم الخاصة.

لكن هذا الأمر محفوف بالمخاطر، فعلى الرغم من أنه يريد تصوير بلاده على أنها امتداد للحكم العثماني على المسلمين وغير المسلمين في الشرق الأوسط، يقرأ العرب وغيرهم تاريخ الوصاية العثمانية من زاوية مختلفة. ومع تدهور الاقتصاد، قد يكتشف أردوغان في الانتخابات القادمة أن الأتراك لا يحنّون مثله إلى أيام الحكم العثماني.

7