حرب في مزارع افتراضية

الاثنين 2014/09/15

وهذه كارثة أخرى من كوارث الخريف العربي، كشفت عن أسوأ ما في نفوسهم، وفضحت السقوط الأخلاقي لهؤلاء الذين استباحوا الأرض والسماء والمجال الإلكتروني لشيطنة كل من يختلف معهم، وكل من يرونه كاشفا لحقيقتهم، فاضحا لمؤامرتهم، مناوئا لمشروعهم التخريبي. إنهم يكذبون أكثر مما يتنفسون، يختلقون الأباطيل، ويزيّفون الحقائق، ويزوّرون الصورة والمقال، وينفّذون في مزارعهم الإلكترونية جرائم بشعة تبث الكراهية في المجتمعات، وتفرّق بين الابن وأبيه، والأخ وأخيه، والزوج وزوجته.

ومن تلك المزارع، تتحرك جيوش افتراضية بسكاكين داعشية على خطوط التواصل الاجتماعي لتشرّح أعراض الناس وتنشرها على حبال الإنترنيت، ولتذبح وحدة المجتمع، وتقطع وريد العيش المشترك، وكل ذلك يتم تحت هتافات التكبير وشعارات الدفاع عن الله ورسوله وراية الجماعة.

في تلك المزارع، يتحرّك آلاف العاملين والعاملات بأسماء مستعارة وصور مفبركة أو وهمية وتحت عناوين مزيفة، لينشروا الأخبار الزائفة ويتبادلونها عبر ملايين الصفحات، وليتدخلوا بالتعليقات المبتذلة والخطابات التكفيرية والتهديدات الموجهة، ولينقلوا مواد بعينها، تصدر عن صفحات بعينها ذات مهمات محددة، فيروجونها على نطاق واسع، مستهدفين السذّج والبسطاء والحمقى والمغفلين وذوي النوايا الحسنة وقليلي الوعي والمعارف.

وفكرة هذه المزارع الإلكترونية، اقتبسها الإخوان من مزارع الفيسبوك المنتشرة في دول فقيرة ذات كثافة سكانية عالية كالهند وبنغلاديش ومصر، والتي يشتغل فيها مئات الآلاف ممن يقومون بوضع علامات الإعجاب أو الاشتراك على المواد الإعلانية مدفوعة الثمن، الأمر الذي يوهم المعلنين بجدوى نشر إعلاناتهم على الموقع، وهذا العمل لا يبدو صعبا، وقد تقوم به موظفة في مكتبها، أو عاطل عن العمل في مقهى، أو ربة بيت في منزلها، أو طالبة في مكتبة الجامعة، أو أي شخص يريد أن يحقق دخلا إضافيا.

وقد استغل الإخوان التجربة، فأسسوا مواقع إلكترونية مرتبطة بغرف عمليات ومخابر رئيسة مهمتها صناعة الأكاذيب ونشرها في إطار محدد أولا، ثم بذرها في حقول الفيسبوك وتويتر، ثم تسريبها عبر بعض الصحف كحقائق، ثم تحويلها الى مادة للتحليل عبر القنوات الفضائية والإذاعات، ثم تدخل مرحلة الجدل والنقاش في الفضاء الاجتماعي العام، وليس غريبا أن يتبناها الساسة والمسؤولون في تقدير مواقفهم من القضايا والأحداث. وعلى هامش المهمة،لا بأس من الفتك بأعراض المنافسين السياسيين سواء كانوا كيانات أو أفرادا، فالإخوان أشرس من داعش والقاعدة في ذلك، وهم لا يعرفون الله ولا رسوله ولا كتابه عندما يتعلق الأمر بالسلطة والثروة والتمكين ومصالح الجماعة. يعتمدون في تنفيذ خططهم ومشاريعهم على مليشيات إلكترونية تتحرك داخل مزارع افتراضية، مستفيدين من تعليمات ووصايا وإرشادات من يقف وراء المحيط وبيده إشارات التحرّك، يوجهها إليهم حسب ما يربط بينه وبينهم من حسابات بعضها انكشف وبعضها الآخر شارف على الانفضاح.

24