حرب قبائل سيناء ضد داعش.. مواجهة الإرهاب من داخل بيئته الحاضنة

تشهد سيناء مواجهات عنيفة بين أفراد من قبيلة الترابين وبعض العشائر المنتمية إلى قبائل أخرى وبين عناصر تنظيم داعش سقط على إثرها قتلى ومصابون من الجانبين وسط تعهد قبائل أخرى بالمضي نحو بدء المواجهات ضد الإرهابيين في سيناء، بحيث تتصدى كل قبيلة للإرهابيين في محيط المنطقة الجغرافية التي تسيطر عليها في خطوة يرى المتابعون أنها تصبّ في صالح الحرب التي تشنها الدولة المصرية على الإرهاب وإن كان محركها الأساسي الثأر لشرف القبيلة.
السبت 2017/05/27
بالمرصاد للإرهابيين

القاهرة - اتسعت رقعة الحرب الدائرة حاليا بين قبائل سيناء مع تنظيم داعش، ووصل مداها إلى قطاع غزة، بعدما وجّه اتحاد القبائل رسالة شديدة اللهجة إلى حركة حماس تحذّرها من خطورة التعرّض لأيّ من أبناء عشائر قبيلتي الترابين والقلاعية في رفح الفلسطينية، لتعاطفهم مع أبناء القبيلتين الأم بسيناء في حربهما ضد داعش، سواء بالتهديد أو الاعتقال أو الترويع أو الاستدعاء للمقارّ الأمنية.

جاءت تهديدات قبائل سيناء لحماس على خلفية إصدار قبيلة الترابين في غزة بيانا صحافيا قررت فيه إعلان الحرب على تنظيم أنصار بيت المقدس بسيناء، بسبب الأفعال الأخيرة للتنظيم باستهداف أبناء القبيلة الأم وأعلنت رفضها لمبادرات الصلح التي لوّح البعض بها مؤخرا.

وقالت مصادر قبلية في سيناء لـ”العرب” إن مطاردات قبيلة الترابين في غزة لعناصر داعش وصلت إلى مناطق في رفح المصرية”. وأضافت أن المسلحين من قبيلة الترابين قتلوا عددا من عناصر داعش في سيناء، قدموا إليها من غزة عبر الأنفاق، من هؤلاء صبحي العطار وإبراهيم أبومحسن، وهما من سكان رفح جنوب قطاع غزة.

ويرى متابعون للوضع في سيناء أن تهديدات الترابين لحركة حماس جاءت أيضا على خلفية ورود معلومات حول قيام متشددين في الحركة بالتضييق على عناصر القبيلة في غزة لعدم الالتحام مع أبناء القبيلة الأم في سيناء عبر الأنفاق التي تسيطر عليها حماس.

موسى الدلح: أكثرية الإرهابيين في سيناء غرباء عنها ويسهل الإمساك بهم

وفشلت محاولات تنظيم داعش في شق صفوف قبيلة الترابين، بعدما وزّع بيانا قال فيه إن البعض من أفرادها تواصلوا معه وأعلنوا رفضهم لسياسة القبيلة بدخول معركة مسلحة معهم، ما ردّ عليه شيوخها باختطاف ثلاثة مسلحين ينتمون إلى التنظيم، وسجّلوا لهم اعترافات بأن هذا البيان يستهدف إحداث الوقيعة بين أبناء القبيلة بعد تشديد الحصار على عناصر التنظيم وشلّ تحركاته.

ويرى مراقبون أن الالتحام القبلي على الحدود، يساعد في إحكام السيطرة على تحركات الإرهابيين، ما يسهّل من مهمة القبائل بالتعاون مع عناصر الجيش والشرطة في اصطيادهم، وإن كان هناك تقاعس من أي نوع، من جانب حركة حماس ومساعدة إرهابيين على الهرب والاختباء بالقطاع، فإن عناصر الترابين بغزة سوف يكونون البديل المناسب لمواجهتهم.

واستبعد هؤلاء أن تتطور المواجهة بين الترابين في سيناء أو القبائل التي تساندها في الحرب على المسلحين لتصل إلى معركة حقيقية مع حركة حماس، وأن الأمر لا يتعدى إظهار قوة القبائل في سيناء من أن بإمكانها مطاردة المسلحين حتى وإن نجحوا في الهرب إلى قطاع غزة وإحراج حماس أمام الحكومة المصرية، لمنع قيامها بتوفير غطاء لحماية الهاربين.

القضاء على الإرهاب

قال موسى الدلح، الناطق باسم قبيلة الترابين لـ”العرب”، إن هناك قناعة لدى أجهزة الحكومة أن مشاركة القبائل في الحرب ضد الإرهاب بسيناء تسرّع وتيرة القضاء عليه، لأن الدور الذي تقوم به القبائل مهم للغاية باصطياد الإرهابيين في المناطق الوعرة التي يحفظها أبناء سيناء عن ظهر قلب.

وأضاف أن أكثرية الإرهابيين في سيناء غرباء عنها ويسهل الإمساك بهم في أماكن اختبائهم من جانب العناصر القبلية، ونحن لا نريد حمل السلاح لإظهار القوة بل لمساعدة الدولة باعتبارنا جزءا أصيلا من نسيج الشعب، وعلينا دور مهم وحيوي في تطهير سيناء من العناصر المندسة داخلها وترتكب أفعالا إجرامية، موضحا أن دخول القبائل الحرب ضد الإرهابيين جاء على خلفية ارتكابهم جرائم ضد مدنيين من القبائل.

غير أن هناك أسبابا أخرى دفعت الترابين، سواء في سيناء أو فرعها في غزة، لإعلان الحرب بلا هوادة على عناصر داعش، أهمها الثأر للقبيلة، الذي تشكلت ملامحه إثر قيام التنظيم بقتل زعيم القبيلة قبل عام ونصف، ثم اغتيال ابنه بالرصاص. وبلغ العداء ذروته بعد اقتحام البعض من الدواعش منزل أحد شيوخ قبيلة الترابين في غيبته (إبراهيم العرجاني) وأخرجوا النساء والأطفال منه ثم قاموا بتفجير المنزل بمحتوياته. وقاموا بنشر صور التفجير على موقع التواصل الاجتماعي كنوع من إذلال وترهيب القبيلة، وزاد على ذلك، قيامهم بقتل امرأة ترابينية بعد تكفيرها واستحلال عرضها بدعوى التعاون مع أجهزة الأمن.

وبرغم تخوّف البعض من الخبراء العسكريين من خطورة دخول القبائل على خط الحرب على الإرهاب بسيناء، لكن متخصصين في شؤون الجماعات الجهادية بسيناء رأوا أن تحرك القبائل بدافع الثأر والانتقام من داعش يصبّ بشكل عام في صالح الدولة ويعجّل بحسم المعركة مع الإرهاب بسيناء.

تعاون القبائل مع الجيش المصري يشل حركة الإرهابيين

وبرهن هؤلاء على ذلك، أن قبيلة الترابين مثلا، تسيطر على أجزاء كبيرة من مثلث واسع في شمال سيناء وتنتشر عناصرها في أماكن حيوية تمثل بالنسبة إلى تنظيم داعش أهمية استراتيجية في تنفيذ هجماته، حيث تعيش الترابين في العريش والشيخ زويد ورفح المصرية، وبالتالي تعود الفائدة على قوات الجيش والشرطة، لما يمثّله هذا التواجد القبلي من ظهير شعبي مسلح يستطيع أن يصطاد الدواعش، إذا وجدت أجهزة أمن صعوبة في ذلك، خاصة في المناطق الجبلية والطرق التي يصعب على القوات الوصول إليها.

يضاف إلى ذلك، أن قبيلة الترابين استطاعت خلال الأسابيع الأخيرة أسر العديد من عناصر تنظيم داعش، وقتل آخرين. ونجحت أن تقدّم لأجهزة الأمن البعض من الأسرى بعد استجوابهم وتصويرهم وهم يتحدثون عن كيفية الدخول إلى سيناء والانضمام إلى التنظيم وطريقة تمويله والأماكن التي تختبئ فيها عناصره وكيفية تنفيذ العمليات الإرهابية ونوعية الأسلحة التي بحوزتهم.

السلاح الغائب يعود

حسب خبراء أمن تحدثوا لـ”العرب” فإن توافر المعلومات الدقيقة كان السلاح الغائب عن أجهزة الأمن التي تحارب في سيناء منذ أربع سنوات، والحصول عليها من العناصر الداعشية يساعد على تنفيذ المزيد من المهام الأمنية الناجحة.

كان اجتماع مشايخ سيناء في 8 مايو الجاري نقطة تحوُّل في حرب القبائل ضد داعش، حيث تم الاتفاق على تتبع أثر التنظيم ومطاردته أينما حلت عناصره في كل مكان يقع بنطاق أي قبيلة، بحيث لا يسمح لهذه العناصر الاختباء في نطاق جغرافي لأيّ قبيلة، والرد عليهم بالمثل.

ورأى ناجح إبراهيم، القيادي السابق في الجماعة الإسلامية والباحث في الشأن السيناوي، أن قبيلة الترابين تعرف كل شيء عن داعش لأن التنظيم يمارس نشاطاته في المناطق التي تسيطر عليها القبيلة بسيناء، بحكم تمدّدها الجغرافي الواسع، فضلا عن انضمام أفراد من بعض القبائل، ومنهم الترابين، إلى تظيم داعش، وهؤلاء معروفون بالاسم، ما يسهّل على أبناء القبيلة اصطيادهم، سواء بالقتل أو الأسر أو تقديمهم إلى أجهزة الأمن.

وأوضح لـ”العرب” أن وجود داعش في النطاق الجغرافي للترابين قطع كل أرزاقهم، ما حوّل المعارك بينهما إلى صراع “حياة أو موت”، فحركة التجارة وعمليات الزراعة والصناعة توقفت، والأهم من ذلك، أن هناك شيوخا داخل القبيلة على قناعة بأن نجاح داعش في المزيد من الانتصارات يغري البعض من شبابها في الانضمام إلى التنظيم.

وأشار إلى أن أجهزة الأمن أدخلت القبائل، ليس الترابين فقط، في الحرب على الإرهاب، وخصصت لها نقاط محددة لتمنع الدواعش من التمركز فيها، لأن العنصر القبلي يعرف في سيناء أكثر ما يعرفه الجيش والشرطة، فلا أحد يستطيع اصطياد الإرهابيين سوى القبائل مهما بلغ العتاد العسكري، وبالتالي دخول عناصر القبيلة في الحرب ضد الإرهاب بسيناء يساعد المعركة لصالح الدولة رغم خطورة حمل المدنيين للسلاح مستقبلا.

6