حرب كلامية بين العمال والمحافظين في بريطانيا

الثلاثاء 2015/04/28
التجاذبات السياسية خلال الحملات الانتخابية تعكس حالة من التوجّس في المحيط الأوروبي

لندن ـ تتجه أنظار العالم، وأنظار دول الاتحاد الأوروبي بصفة خاصة يوم 7 مايو القادم إلى بريطانيا التي تجري انتخابات تشريعية عامة، وسط حالة من القلق والترقب لما ستفرزه صناديق الاقتراع، فإما غالبية برلمانية لحزب المحافظين بقيادة ديفيد كاميرون الذي تعهد بإجراء استفتاء على انسحاب بلاده من الاتحاد الأوروبي، أو غالبية برلمانية لحزب العمال بزعامة إد ميليباند الذي يتهم خصمه بإضعاف نفوذ بريطانيا الدولي، وعزلها عن محيطها الأوروبي، لكنه يتحالف مع الحزب القومي الاسكتلندي الذي يطالب باستقلال اسكتلندا عن المملكة المتحدة، وهي مفارقة أخرى قد تختزل مشهد الجمع بين المتناقضات.

وعكست التجاذبات السياسية خلال الحملات الانتخابية الجارية والمتواصلة، حالة من التوجّس في المحيط الأوروبي من جهة، ولدى الأحزاب المتنافسة من جهة ثانية، والممثلة أساسا في أكبر حزبين هما “المحافظون” و”العمال” والحزب الأقل منهما ثقلا بالمقاييس التاريخية، والأكثر من غيره وزنا بمقياس تأثيره المحتمل في مسار الانتخابات المرتقبة، وهو الحزب القومي الاسكتلندي والحزب الرابع حزب الاستقلال.

وعلى إيقاع “رصاص” الكلمات، تشتدّ الحرب الكلامية بين المتنافسين التقليديين، “المحافظون والعمال”، في معركة استحضرت مفردات الهجرة السرّية والحرب على ليبيا، والانتماء إلى العمق الأوروبي بشقيه الاقتصادي والسياسي، ونزعة اسكتلندا “الانفصالية”، لتشكل في مجملها -على تناقضاتها- وقود الانتخابات التشريعية التي ستنطلق وستنتهي بعد أيام، لكنها ستفتح جبهات صراع أخرى أيا كان الفائز فيها.

إد ميليباند: المحافظون أضعفوا النفوذ البريطاني وعمقوا عزلة المملكة

اتهم إد ميليباند زعيم حزب العمال البريطاني خصمه رئيس الوزراء وزعيم حزب المحافظين ديفيد كاميرون، بعزل بريطانيا عن عمقها الأوروبي. وحمّله المسؤولية عمّا سمّاها “أكبر خسارة للنفوذ البريطاني منذ جيل كامل”.

إد ميليباند: من مواليد 1969، سياسي بريطاني، انتخب زعيما لحزب العمال في سبتمبر 2010، بعد نجاحه في الإطاحة بمنافسيه على زعامة الحزب

وأشار إلى أن كاميرون تغيّب عن المفاوضات التي كانت قد أجرتها فرنسا وألمانيا في الفترة الماضية مع القيادة الروسية حول الأزمة الأوكرانية.

وأضاف أن زعيم المحافظين الذي قاد الائتلاف الحاكم منذ 2010 إلى غاية تقديم استقالة حكومته وحلّ البرلمان تمهيدا للانتخابات التشريعية، جازف بأمن بريطانيا القومي حين تعهد بإجراء استفتاء على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي.

وقال “حان وقت التخلص من العزلة وضيق الأفق الذي اتسمت به حكومة كاميرون”، مؤكدا أن “مقاربة هذه الحكومة أضعفت بريطانيا في وقت تواجه فيه تحديات قد تكون هي الأكبر والأكثر تعقيدا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية”. ويرى حزب العمال البريطاني الذي يسعى إلى استعادة الزعامة من حزب المحافظين، بعد نكسات انتخابية سابقة، أن تعامل الحكومة البريطانية السابقة (المستقيلة) مع معضلة الهجرة السرّية، مؤشر قوّي على تزايد ضيق الأفق في سياسات ديفيد كاميرون.

وأثارت الانتقادات رد فعل من المحافظين خصوصا بسبب انتقاد ميلباند لـ”إخفاق” كاميرون في إدارة الأزمة الليبية بعد سقوط معمر القذافي وحمّله المسؤولية المباشرة عن مأساة المئات من المهاجرين غير الشرعيين في البحر الأبيض المتوسط.

وهلك حوالي 1500 مهاجر غير شرعي غرقا خلال الفترة الأخيرة في المتوسط بسبب المراكب المزدحمة التي تنطلق من دول شمال أفريقيا، وخصوصا من ليبيا التي تعمّها الفوضى. وقال “كان كاميرون مخطئا حين اعتقد أنه من الممكن ترك المؤسسات الليبية لتنطلق وتتطور وحدها” بعد التدخل العسكري الغربي للإطاحة بالعقيد الليبي معمر القذافي.

وأضاف أن الحكومة البريطانية كررت نفس أخطاء “التخطيط ما بعد النزاعات”، وهي نفسها الأخطاء التي ارتكبت في العراق، وأنه كان يجب أخذ أمر اللاجئين في الحسبان. ورأى أنه كان يمكن لبريطانيا أن تلعب دورها في التأكد من أن المجتمع الدولي بإمكانه دعم الشعب الليبي عمليا، بدلا من الآمال غير الواقعية لإمكانية حدوث تقدم بشكل نظري فقط.

ومعلوم أن بريطانيا كانت قد شاركت في الحملة العسكرية التي شنّها حلف الناتو على ليبيا لإضعاف جيش القذافي، وفتح الطريق أمام الثوار لإسقاط نظامه.

ويركز حزب العمال البريطاني في حملته الانتخابية على القضايا الداخلية ومنها التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، واعتبر أن حكومة ديفيد كاميرون أغرقت بريطانيا في العديد من الأزمات.

واختار ميليباند في مجمل خطاباته التركيز أيضا على السياسية الخارجية بوصفها محددا لنجاح أو إخفاق الائتلاف الحاكم الذي قاده المحافظون على مدى السنوات الخمس الماضية.

مقاربة حكومة ديفيد كاميرون أضعفت بريطانيا في وقت تواجه فيه العديد من التحديات قد تكون الأكبر والأكثر تعقيدا

وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الحديث عن السياسة الخارجية والوضع الدولي خلال حملة الانتخابات التشريعية التي ستجرى في السابع من مايو المقبل، بينما تشير استطلاعات الرأي إلى أن الحزبين المتنافسين متساويين في الحظوظ، وقد تحدث الأحزاب الأقل ثقلا المفاجأة، وقد تكون التحالفات لاحقا الفيصل في ترجيح كفّة هذا الحزب أو ذاك.

واتهم، ميليباند خصمه كاميرون بالاستسلام لطروحات حزب “استقلال المملكة المتحدة” الرافض للوحدة الأوروبية والمعادي للهجرة والمعروف اختصارا باسم “يوكيب”، مشيرا إلى أن ديفيد كاميرون تعهد بإجراء استفتاء حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في 2017.

وتعدّ القضايا المتعلقة بأوروبا ومنها بالخصوص مسألة العضوية بالاتحاد من أكثر المواضيع تأثيرا على آراء الناخبين. وقال ميليباند “كاميرون قادنا إلى حافة الخروج من الاتحاد الأوروبي لأنه أبدى ضعفا كبيرا في السيطرة على حزبه وفي مواجهة صعود حزب يوكيب… الخروج من الاتحاد الأوروبي سيكون مضرّا جدّا للحياة اليومية لمواطنينا ومستقبل بلدنا ولن نعرّض المصلحة الوطنية للخطر عبر التهديد بالمغادرة”. ولا يتوقع أن ينال أي من حزب العمال أو المحافظين الغالبية القصوى ما يعني أنه سيكون عليهم الاعتماد على التحالفات مع الأحزاب الصغيرة لتشكيل الحكومة.

ديفيد كاميرون: فوز العمال وتحالفه مع الاسكتلندي مأساة لبريطانيا

حذر رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون الناخبين من أن أمامهم أيام قليلة “لإنقاذ بريطانيا” من تحالف اليسار قبل الانتخابات التشريعية العامة. وقال “لا أستطيع أن أتحمّل رؤية العمل الجيد لمدة خمس سنوات يذهب سدى قبل تحويله إلى الحلم البريطاني الذي يريده الناس، لا تخاطروا بكل شيء، أمامنا أيام لإنقاذ الاقتصاد وتوفير فرص العمل، وعلى نحو فعال لإنقاذ بريطانيا”.

ديفيد ويليام دونالد كاميرون: من مواليد 1966، رئيس وزراء بريطانيا منذ 11 مايو 2010، وزعيم حزب المحافظين، درس الفلسفة والسياسة والاقتصاد في جامعة أوكسفورد

وتابع “بيت القصيد هنا هو إذا كنت تفكر في ما يريد الحزب القومي الاسكتلندي تحقيقه، إنهم يريدون تفكيك بلادنا، ولذلك إذا كان لديك حكومة حزب العمال يدعمها الحزب القومي الاسكتلندي، فإنك ستحصل على حكومة مدعومة من قبل أناس لا يريدون نجاح هذا البلد”.

وهاجم ديفيد كاميرون زعيم حزب العمال إد ميليباند واتهمه بالتحالف مع حزب أحدثت طروحاته انقساما داخليا، بدعوته وسعيه إلى انفصال شمال إنكلترا عن جنوبها، في إشارة إلى الحزب القومي الاسكتلندي الذي يعتبر ممثل مواطني اسكتلندا في البرلمان البريطاني، والذي يدعم بقوّة استقلال اسكتلندا عن المملكة المتحدة، وهو أيضا ثالث أكبر حزب في بريطانيا من حيث العضوية، بعد العمال والمحافظين.

وأضاف هؤلاء “لا يريدون نجاح البرلمان، ولا يريدون نجاح الحكومة، إنّهم لا يريدون نجاح المملكة المتحدة وهذا أمر مقلق حقا”. ودافع عن الحملة الانتخابية للمحافظين، قائلا إنها تقدم “رؤية إيجابية للغاية” حول مستقبل بريطانيا.

وتعهد زعيم المحافظين بإنهاء ما وصفه بـ”الانقسام بين الشمال والجنوب”، وإحداث انتعاش متوازن مع التزامه بالتركيز على الاقتصاد في أول 100 يوم للحزب بالسلطة في حال فوزه في الانتخابات التشريعية.

وقال “فقط حزب المحافظين هو القادر على توفير الإطار الاقتصادي لتحقيق الحلم البريطاني للناخبين”. وأضاف أن البلاد في “مفترق طرق” مع بقاء 23 مقعدا فقط على رؤية أغلبية لحزب المحافظين في البرلمان من شأنها أن تسمح للمملكة المتحدة لتصبح “واحدة من قصص النجاح الدولية الكبرى في العقد المقبل”.

وحذّر الناخبين من أن وصول حزب العمال مجدّدا إلى السلطة وتحالفه مع الحزب القومي الاسكتلندي سيمثل مأساة لبريطانيا، مضيفا أن من حقّه التحذير من خطر هذا التحالف.

واعتبر كاميرون اتهامات خصمه إد ميليباند، نتاج “تقييم معيب” وقال في خطاب ضمن حملته الانتخابية “القادة بحاجة إلى إظهار الوضوح والاتساق والقوة في مواجهة عالم غير مستقر”، واعتبر أن اتهامات خصمه ضعيفة ولا تستند إلى تقييم موضوعي.يشار إلى أن المحافظين كانوا قد انتقدوا وبشدّة زعيم العمال لتحميله ديفيد كاميرون مسؤولية مأساة المهاجرين غير الشرعيين. حيث قالت ليز تروس وزيرة البيئة البريطانية، التي تنتمي إلى حزب المحافظين “إن ذلك الأسلوب يثير الشكوك حول قدرة إد ميليباند على تولي منصب رئيس الوزراء وقيادة البلاد”. لكن زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار نائب رئيس الوزراء في الحكومة الائتلافية، نيك كليغ، قال “لا معنى لأي نقاط سياسية تكتسب على حساب مأساة إنسانية”.

هؤلاء لا يريدون نجاح البرلمان، ولا يريدون نجاح الحكومة، إنهم لا يريدون نجاح المملكة المتحدة وهذا أمر مقلق حقا

وقال ويليام هيغ وزير الخارجية السابق المحافظ، إنه لا يمكن لميليباند “وعظ الآخرين” بخصوص السياسة الخارجية، حيث فشل حزب العمال في تقديم طريقة بديلة للتعامل مع الشرق الأوسط وغيره من بؤر الصراع حول العالم في السنوات الخمس الماضية.

ووصف زعيم حزب العمال بأنه “انتهازي يحاول استغلال مأساة إنسانية لأغراض انتخابية” في إشارة إلى ميليباند زعيم المحافظين الذي حمله المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن غرق المئات من المهاجرين غير الشرعيين.

ويقول المحافظون إنهم سيضمنون “بقاء بريطانيا لاعبا أساسيا في الساحة الدولية”، وأنهم سيبذلون جهدا دبلوماسيا من خلال التحالفات الثنائية وعضويتها في مجلس الأمن والدول السبع الكبار.

رؤساء 5 آلاف شركة صغيرة يدعمون كاميرون

وقّع رؤساء 5 آلاف شركة صغيرة على رسالة تدعم حزب المحافظين. وقالوا إنهم يودون حصول ديفيد كاميرون ووزير المالية جورج أوزبورن على فرصة لإنهاء ما بدآه، حسب ما أوردته صحيفة تلغراف البريطانية.

وقالت الصحيفة إن الرسالة التي وقعت عليها شركات من كل مناطق المملكة المتحدة تشير إلى أن التزام حزب المحافظين بخفض الضرائب ساعد على “تحريك الاقتصاد مرة أخرى” ووفر ألف وظيفة يوميا منذ 2010. وجاء في الرسالة “أي تغيير الآن سيكون خطيرا جدا وسينهي كل العمل الجيّد الذي حدث خلال السنوات الخمس الماضية”.

دعم رجال الأعمال لقرار الاستفتاء على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، يبدد المخاوف من التبعات الاقتصادية المحتملة

وقبل أيام من الانتخابات، أشاد قطاع الأعمال بالخطط الاقتصادية لحزب المحافظين وقال إن “المحافظين ملتزمون بشكل حقيقي بانفتاح بريطانيا على النشاط التجاري”.

وأظهرت معظم استطلاعات الرأي تساوي حزب العمال (يساري) وحزب المحافظين (يمين الوسط) قبل الانتخابات التي تجري في السابع من مايو القادم.

وتبدو رسالة الشركات الصغيرة، مطمئنة بالنسبة إلى المحافظين، وربما تمثل ثقلا انتخابيا، ودفعا معنويا لديفيد كاميرون الذي أشار في العديد من خطاباته، إلى أن عدم فوزه في الانتخابات سينسف ما سمّاه “الحلم البريطاني” بإنقاذ الاقتصاد، وتوفير فرص العمل على نحو فعال لإنقاذ بريطانيا.

لكن الدعم الذي أعلنت عنه 5 آلاف شركة صغيرة، لا يحجب المخاوف من تضرر الاقتصاد البريطاني في حال الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وفق ما يخطط له كاميرون. وقد أثار رئيس الوزراء البريطاني المحافظ ديفيد كاميرون بعد توليه السلطة، موجة غضب في أوروبا حين أعلن أنه يعتزم إجراء استفتاء شعبي في العام 2017 حول ”هل نبقى أعضاء في الاتحاد الأوروبي أم ننسحب منه”.

كما أثارت دعوته وقتها انقساما سياسيا واقتصاديا حتى داخل الائتلاف الحكومي الذي يقوده المحافظون، لكن كاميرون يتمسك بطرح هذا الاستفتاء في حال فوزه مجددا في الانتخابات التشريعية.

وكان حزب ”الديمقراطيين الأحرار” العضو في الائتلاف الحاكم قد أعرب عن عدم رضاه على تلك الخطوة السياسية التي أحدثت ضجّة في أوروبا وفي بريطانيا.

ويخشى شق من البريطانيين من أن يكون لخروج بلادهم المحتمل من الاتحاد الأوروبي (حسب توجه كاميرون) تبعات اقتصادية خطيرة، وسط مخاوف من إحجام الأوروبيين عن ضخّ باستثماراتهم في بريطانيا.

ويرى هؤلاء أن كاميرون حين طرح مسألة إجراء الاستفتاء على الانسحاب أو البقاء في الاتحاد الأوروبي، لم يضع في اعتباره أن ذلك سيخلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين الأوروبيين، وسيؤثر ربما على حجم تدفق الاستثمار الخارجي.

ويشير الشق الرافض للاستفتاء، إلى أنه في حال فاز كاميرون، فإن الاستثمارات الأوروبية ربما تغيب عن بريطانيا لمدة 5 سنوات. غير أن دعم كبار رجال الأعمال لفكرة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي بسبب ما يعتبرونه بيروقراطية “قاتلة” في الاتحاد، تبدّد نسبيا المخاوف من “نضوب” الاستثمارات الأوروبية في المملكة المتحدة.

وكان العديد من كبار رجال الأعمال قد عبّروا عن دعمهم وترحيبهم بقرار ديفيد كاميرون، وربما يشكل ذلك ثقلا ماليا وسياسيا يغذي حظوظ المحافظين للفوز مجدّدا في الانتخابات التشريعية المرتقبة، وإن كان من السابق لأوانه الحديث عن حظوظ أوفر لهذا الحزب أو ذاك، وقد تُحدث الأحزاب الأقل ثقلا المفاجأة، لتفسح المجال أمام تحالفات محتملة ترجّح كفة المحافظين أو العمال.

12