حرب كورونا بين واشنطن وبكين.. منظمة الصحة العالمية المتهم الرئيسي

منظمة الصحة العالمية تواجه تحديا في ظل الصراع القائم بين واشنطن وبكين بشأن وباء كورونا حيث يريد كل طرف أن تناصره في حجته وموقفه.
الثلاثاء 2020/04/21
هل ساعدت منظمة الصحة العالمية على تغطية افتقار الصين للشفافية؟

واشنطن- ألقت التوترات بين الصين والولايات المتحدة بظلالها على الكفاح العالمي لاحتواء جائحة فايروس كورونا المستجد بعد أن وجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرا اتهامات إلى منظمة الصحة العالمية بالانحياز إلى الصين ما دفعه إلى تعليق المساهمة المالية للمنظمة في أوج مواجهة وباء كوفيد-19.

ووجدت منظمة الصحة نفسها معلقة في خضم الصراع بين الدولتين الكبريين حيث يريد كل طرف أن تناصره في حجته وموقفه.

فعندما أعلن ترامب أن بلاده ستعلق التمويل الذي تقدمه لمنظمة الصحة العالمية، اتهم هذه المنظمة بأنها "تدافع عن تصرفات وإجراءات الحكومة الصينية"، وبأنها ساعدت على التغطية على مخاطر تفشي الوباء المتصاعد في الصين ومدى انتشاره في أوائل العام الحالي".

وانتقد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على الفور القرار الأميركي مؤكدا أنه "ليس الوقت المناسب لتقليص تمويل عمليات منظمة الصحة العالمية" التي "يجب أن تلقى دعما لأنها أساسية لجهود العالم من أجل كسب الحرب ضد كوفيد-19".

وأضاف غوتيريش في بيان أنه سيكون هناك وقت فيما بعد للتدقيق "في كيفية رد كل الذين شاركوا في هذه الأزمة".

وكان تيدروس أدهانوم جبيرييسوس رئيس المنظمة قد أيد بوضوح الطريقة التي تعاملت بها الصين مع فايروس كورونا المستجد. وقال في أواخر يناير الماضي "سأثني على الصين المرة تلو المرة، لأن الإجراءات التي اتخذتها ساعدت حقيقة على الحد من انتشار الفايروس إلى دول أخرى".

غير أن ديفيد فيدلر الخبير في شؤون الصحة بمجلس العلاقات الخارجية -وهو مركز دراسات مستقل مقره نيويورك- قال إن "هذا الثناء لا يبدو صائبا، ولا يبدو أنه تعبير عن موقف المنظمة العالمية، بل يبدو وكأنه صادر عن الحكومة الصينية".

ويقر فيدلر بأن منظمة الصحة العالمية تواجه تحديا خلال تعاملها مع بكين، ذلك لأن الحكومة الشيوعية لا تقبل الانتقاد الخارجي.

التزام الشفافية

الصين تفتقر إلى الانفتاح على العالم الخارجي حول فايروس كورونا
الصين تفتقر إلى الانفتاح على العالم الخارجي حول فايروس كورونا

ومن جهة أخرى قالت إيلونا كيكبوش وهي باحثة في سياسات الصحة العالمية وتعمل أستاذة "بمعهد الدراسات العليا" بجنيف، إن موقف تيدروس العلني الاسترضائي يخفي مناقشات جادة جرت بين منظمة الصحة العالمية وبكين.

وأضافت أنه "كانت هناك مفاوضات سياسية شاقة للغاية" بين المنظمة وبكين، خاصة قبل أن تقرر هذه المنظمة إعلان تفشي فايروس كورونا كحالة طوارئ عالمية.

وبالإضافة إلى الولايات المتحدة تساءل سياسيون حكوميون في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وأستراليا، عما إذا كانت بكين قد التزمت الشفافية وبشكل مناسب حيال هذه الأزمة الصحية.

وقالت وزيرة الخارجية الأسترالية ماريز بايان مؤخرا إنه يجب أيضا فحص تعاون الصين مع منظمة الصحة العالمية.

وكان مايك رايان رئيس عمليات الطوارئ بمنظمة الصحة العالمية قد أشار في وقت سابق، إلى أن المنظمة رصدت أنباء عن وجود مشكلة في مدينة ووهان الصينية في نهاية ديسمبر الماضي، وبعدها اتصلت المنظمة ببكين بدلا من انتظار ما ستعلنه الحكومة الصينية.

بينما قالت إلينا كيكبوش إن مشكلة الصين تتعلق بدرجة أقل بالافتقار إلى الانفتاح على العالم الخارجي حول فايروس كورونا، وبدرجة أكبر بالافتقار إلى الشفافية السياسية الداخلية التي قد تكون قد أخرت عملية اتخاذ القرار ومشاركة المعلومات حول تفشي الوباء داخل الصين.

لا أسرار في المنظمة

غراف

واكدت منظمة الصحة العالمية انها "لم تخف شيئا عن الولايات المتحدة" في ما يتصل بالوباء.

وصرح مدير المنظمة تيدروس ادانوم غيبريسوس "لم يتم اخفاء شيء عن الولايات المتحدة منذ اليوم الاول"، وكرر عدة مرات "لا أسرار في منظمة الصحة العالمية". وأكد "أطلقنا الإنذار منذ اليوم الأول".

وأرسلت المنظمة العالمية أول تحذير لها حول الوباء في الخامس من يناير الماضي، وحذرت من إمكانية انتقال الفايروس من إنسان لآخر في أول تعليمات إرشادية بعثت بها للدول، وذلك وفقا لما قاله رايان.

كما أجرت بعثة للمنظمة دراسة ميدانية في الصين استمرت تسعة أيام في فبراير الماضي، شارك فيها علماء من عديد من الحكومات الأجنبية من بينهم عالمان أميركيان وواحد من ألمانيا.

وتوصل فريق البحث بالبعثة والذي ضم أيضا مسؤولين صينيين في تقرير من 40 صفحة، إلى أنه يجب على الصين أن "تعزز بشكل أكبر المشاركة المنتظمة والواقعية مع العالم للبيانات الخاصة بالوباء إلى جانب النتائج السريرية والخبرة الخاصة بكورونا".

ودافع مدير المنظمة بشدّة عن موقفه، واعتبر أن "وجود طاقم من المركز الأميركي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها هنا يعطيهم أفضليّة".

وشدد أنه "لا أسرار في منظمة الصحة العالمية. لأنه من الخطير الإبقاء على معلومات سرية. لا أسرار في منظمة الصحة العالمية".

وكرّر دعوته إلى "الوحدة الوطنية" و"الوحدة العالمية"، مؤكدا أنه "لا يجب أن نخاف" من وباء كوفيد-19.

وقال تيدروس الأسبوع الماضي إن اداء منظمة الصحة العالمية فيما يتعلق بفايروس كورونا المستجد سيتم مراجعته بشكل مستقل في الوقت المناسب، وفقا لإجراءات الرقابة الموجودة حاليا.

المشكلة الحقيقة

ترامب يطالب بمحاسبة منظمة الصحة
ترامب يطالب بمحاسبة منظمة الصحة

أوضحت كيكبوش أن "الولايات المتحدة هي أكبر دولة نفوذا في منظمة الصحة العالمية"، نافية ما يتردد عن وجود تأثير صيني مفرط في جنيف" مقر المنظمة.

وبلغت مساهمة واشنطن في موازنة المنظمة 450 مليون دولار من إجمالي إيرادتها التي بلغت العام الماضي 2.9 مليار دولار، مما يجعل الولايات المتحدة الممول الأكبر لأنشطة المنظمة، كما تزيد إلى حد كبير عن مساهمة بكين التمويلية التي تبلغ 44.5 مليون دولار.

ومن ناحية أخرى كانت الولايات المتحدة متحفظة منذ فترة طويلة إزاء هذه المنظمة العالمية، بسبب سلطتها في وضع قواعد على المستوى الدولي، وأيضا بسبب موقفها إزاء العديد من القضايا مثل مكافحة التدخين والحد من تناول الأطعمة التي تحتوي على سكريات، وأخيرا موقفها حيال حقوق المثليين والمتحولين جنسيا.

وقالت كيكبوش إن الولايات المتحدة "لا تحب المنظمات الدولية التي يمكنها أن تضع معايير من شأنها ان تشكل ضغوطا عليها أو على الاقتصاد الأميركي".

وتأتي المشاحانات حول منظمة الصحة العالمية ورد فعل الصين إزاء الجائحة في إطار صراع جغرافي سياسي وتجاري أوسع نطاقا ليس له علاقة تذكر مع القضايا الصحية، وفقا لما يقوله فيدلر.

وقال فيدلر "أعتقد أن الولايات المتحدة لها مصلحة في تضييق الخناق على الصين بأية وسيلة تستطيعها".

وبينما صارت منظمة الصحة العالمية محصورة بين هاتين القوتين الكبريين، فإنها تجد نفسها وقد صارت في وضع هش للغاية. وفي هذا الصدد يقول فيدلر "بغض النظر عن الطريق الذي ستسلكه، فإن المنظمة تواجه وضعا ستكون فيه هي الخاسرة في الحالتين.